تراجع قيمة موقع تركيا الجيواستراتيجي في عهد أردوغان

من بين العناصر العديدة في العلاقات الأميركية - التركية التي تربط بين البلدين بدرجة أكبر من عضويتهما المشتركة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) هي حاجة الولايات المتحدة إلى استخدام المنشآت العسكرية التركية، وأيضا السماح للطائرات العسكرية الأميركية باستخدام المجال الجوي التركي.

هذه الحاجة الأميركية تتجاوز الأعباء المشتركة لعضوية حلف الناتو، وتؤثر مباشرة في العلاقات الثنائية بين البلدين.

الأحداث التي وقعت مؤخرا في سوريا والعراق تكشف عن أن الاعتماد الأميركي، أو الحاجة الملحة للاتصال العسكري الثنائي، قد بدأ يتراجع، أو ربما يكون قد مُنح في الماضي أهمية أكبر مما يستحق. وفي المستقبل القريب، قد يؤدي أي تراجع في حاجة واشنطن لاستخدام القواعد العسكرية والمنشآت والمجال الجوي التركي إلى إضعاف العلاقات المتوترة بين البلدين.

وفي عام 2003، عندما سعت الولايات المتحدة لغزو العراق، أو على الأقل إرسال طائرات عسكرية إلى العراق من تركيا، رفض البرلمان التركي منح الإذن للقوات الأميركية للقيام بذلك.
ورغم أن تركيا سمحت في وقت لاحق للطائرات الأميركية باستخدام المجال الجوي التركي، إلا أنها أجبرت الولايات المتحدة على القيام بترتيبات بديلة زادت من المخاطر على العسكريين الأميركيين، وأثارت تساؤل الكثير في الجيش الأميركي بشأن جدوى الاعتماد على تركيا كحليف.

ولم ترحب تركيا فيما بعد بالتعاون العسكري بين واشنطن وقوات البشمركة الكردية في العراق.

ومؤخرا تعاونت القوات الأميركية عن كثب مع مقاتلين أكراد عراقيين وسوريين للضغط على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهزيمته.

ونظرا للعلاقات التي تربط الكثير من هؤلاء المقاتلين الأكراد بوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا فرعا لحزب العمال الكردستاني - ذلك التنظيم المسلح الذي يقاتل الجيش التركي في جنوب شرق البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود - فإن تركيا لم يسرها مجددا هذا التعاون الوثيق بين واشنطن والجماعات الكردية المسلحة التي تنتشر على الجانب الآخر من حدودها الجنوبية.

وكادت الولايات المتحدة تدخل في اشتباك مباشر مع تركيا في مدينة منبج السورية، الأمر الذي لو حدث لفجر كارثة للعمليات الأميركية ضد داعش، ولوضع تركيا مع أطراف أخرى تقاتل في سوريا، ولحلف الأطلسي أيضا. ولعب احتياج واشنطن للمنشآت التركية دورا في اهتمام الولايات المتحدة بالمخاوف التركية.

وقبل أسابيع مضت، شنت القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية هجوما بصواريخ من سفن بحرية وطائرات لمعاقبة النظام السوري لاستخدامه أسلحة كيماوية.

ولم يطلب الحلفاء الثلاثة إذنا للتحليق في الأجواء التركية ولم يسعوا، على حسب علمي، لاستخدام المنشآت التركية. والأهم من ذلك، أن الدول الثلاث لم تحتج لوضع وحدات بحث وإنقاذ في تركيا قرب الحدود مع سوريا في حال اضطر أي من طياريها للهبوط اضطراريا بمظلاتهم على الأراضي السورية.

ويبدو أن إعادة التزود بالوقود في الجو لم يكن ضروريا، لكن إن احتاجته الدول الثلاث فإنه لم يجر التحضير لاستخدام طائرات للتزود بالوقود من قاعدة إنجيرليك التركية. والدرس الذي نتعلمه من الضربات الصاروخية للدول الثلاث هي أن المنشآت التركية لم تعد ضرورية للعمليات العسكرية في سوريا عندما استعرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها القوة العسكرية عن بعد.

وجود قواعد قريبة لتقديم الدعم اللوجستي لها أهمية كبيرة بالطبع للعمليات البرية الكبيرة، لكن بالنسبة لضربات محدودة باستخدام نظم أسلحة موجهة من سفن أو طائرات لا تشكل خطورة تذكر على العسكريين، ولذلك ربما تعلمت الولايات المتحدة أن المنشآت العسكرية التركية ليست ضرورية كما كان يعتقد في السابق.

وتوجد أيضا خيارات أخرى، فالولايات المتحدة تستخدم منشآت في العراق والكويت وقطر والأردن، وربما في مناطق أخرى خلال حملتها على داعش. وفي عام 2003، كانت الطائرات الأميركية التي تدعم الجبهة الشمالية في العراق تنطلق من رومانيا.

أيضا موقع الرادار الأميركي في مدينة ملطية بجنوب شرق تركيا سيكون موضع ترحاب في بلغاريا إذا رغبت أنقرة في إبعاده. وقاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص تبدو مناسبة أكثر عما كان في الماضي.

لا تمثل أي من هذه الخيارات بديلا مثاليا عن المنشآت التركية لكنها توضح أنه توجد بدائل أخرى متاحة إذا أدى التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا إلى نهاية لقدرة واشنطن على استخدام المنشآت التركية.

وفي ظل إحجام صناع السياسة والمخططين العسكريين الأميركيين عن نشر أعداد كبيرة من القوات الأميركية في العمليات العسكرية الجديدة بالشرق الأوسط، فإن الحاجة لنشر أعداد كبيرة من العسكريين الأميركيين في منشآت داخل أو قرب الشرق الأوسط الكبير ستقل على الأرجح.

شد وجذب

التحالفات قد تكون مؤقتة أو دائمة. فالتحالف بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وغيره في الحرب العالمية الثانية كان تحالفا مؤقتا لهزيمة ألمانيا النازية.

حلف الأطلسي، ورغم أنه نشأ كوسيلة لاحتواء التوسع السوفيتي، إلا أنه تطور ليصبح مجتمعا يضم قيما مشتركة يدعمها التفاعل المنتظم بين شعوب الدول الأعضاء مع بعضها البعض.

على سبيل المثال، العدد الكبير للقوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا منذ عقود عديدة قاد إلى علاقات وثيقة متعددة وحالات زواج بين الألمان والأميركيين. وحدث هذا السيناريو في أماكن أخرى بها وجود أميركي وإن كان بدرجة أقل.

العلاقات الشخصية ساعدت في الربط بين الأمم التي لكل منها تاريخها الفريد وأعرافها الثقافية المختلفة، وذلك بطريقة لا تقدر المعاهدات والاتفاقيات والزيارات الرسمية لرؤساء الدول على القيام بها.

وفي الحالة التركية، كان هناك نحو 30 ألف فرد من وزارة الدفاع الأميركية في تركيا عام 1966. وتراجع هذا العدد إلى 15 ألفا فقط في عام 1975. وفي أنقرة، تركز العسكريون الأميركيون في منطقة بالجات حين كان عدد سكان أنقرة نحو نصف مليون نسمة ولذلك شكلوا وجودا ملحوظا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ورغم أن العلاقات الشخصية لا يمكن دوما أن تقلل التوترات السياسية بين البلدين، إلا أنها تقدر على لعب دور "زيت التشحيم" الذي يقلل من حرارة الاحتكاك الذي يمكن أن ينجم عن الشد والجذب بين الدولتين.

وبالمثل، ربما لا توجد حاجة كبيرة لتبديد الخلافات في ظل وجود التكنولوجيا التي تقلل الحاجة للقرب عند ضرب أهداف في عملية عسكرية، رغم أنه لا ينبغي التعويل أكثر من اللازم على الاستخدام أسلحة موجهة عن بعد في الرد على استخدام أسلحة كيماوية في سوريا.

بمعنى أخر، فإن التاريخ الطويل للاشتباكات العسكرية يظهر أن هناك زيادة في المسافة التي يمكن منها لأحد الطرفين توجيه قوة فتاكة ضد خصمه بينما يُبقي قواته بعيدة عن الأذى.

وهكذا، يمكن للمرء أن يفترض أن المخططين العسكريين في الدول الديمقراطية المتقدمة تكنولوجيا سيواصلون استخدام التقدم التكنولوجي لتقليل الحاجة لنشر قوات قرب مواقع القتال.

ومع تراجع احتمال نشر آلاف عديدة من العسكريين الأميركيين قرب مواقع القتال في العمليات العسكرية الكبيرة، فإن الدول التي من المحتمل أن تستضيف القوات الأميركية ستجد أن نفوذها لدى واشنطن قد بدأ يقل.

وعلى مدار عقود، قاد موقع تركيا وما تراه أميركا في حاجتها إلى الدخول دون قيود على المنشآت التركية، واشنطن إلى التكيف مع حكومات تركية يهيمن عليها الجيش، وتجاهلت الميول غير الديمقراطية لدى هذه الحكومات وكان ذلك ثمنا لرغبتها في المنشآت التركية.

ولذلك كانت الحكومة المدنية موضع ترحيب كبيرا حتى في ظل ما تحويه من خلط بين العلاقات السياسية والعسكرية. ومما يدعو للسخرية أن الحكومة التركية، التي باتت متحررة تماما الآن من الهيمنة العسكرية، ربما تجد أن النفوذ الذي ارتبط في السابق بموقع البلاد بات أقل شأنا الآن بسبب الابتكارات التكنولوجية وتغير طبيعة الصراعات وهو ما يغير من قيمة الموقع، إن لم يقضِ عليه تماما. 


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: