جان تيومان
أبريل 20 2019

تراجع كبير في احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي التركي

لم يكد يمر سوى ثلاثة أسابيع منذ يوم 22 مارس، الذي شهد ارتفاعاً في سعر صرف الدولار مقابل الليرة التركية بما يعادل 30 سنتاً ليصل إلى 5.80 ليرة بالتوازي مع التراجع السريع في الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، حتى عاود الارتفاع مجدداً يوم الجمعة الماضي ليغلق عند نفس المستوى السابق أي 5.80 ليرة، متأثراً بسلسلة من التطورات التي تشهدها كل سوق المال والساحة السياسة في تركيا في الوقت الراهن.

وفي حين شهد سعر صرف الدولار تأرجحاً خلال هذه الفترة، بين صعودًا وانخفاضاً، وجدنا أن الليرة التركية حافظت على استقرارها بسبب التدخل القوي من جانب البنك المركزي التركي لمنع انهيارها مقابل العملات الأجنبية.

مما لا شك فيه أن تطورات مثل الإجراءات التي اتخذتها المجموعة الاقتصادية في حكومة أردوغان، وأدت إلى تزايد قلق المستثمرين بسبب كارثة الفائدة في سوق تداول الليرة التركية في لندن، وكذلك تسارع وتيرة عمليات البيع في سوق الأسهم والسندات، والارتفاع الكبير في معدلات مقايضات التخلف عن السداد، التي تعد في حد ذاتها مؤشرًا على زيادة نسبة المخاطرة على المستوى الدولي، كانت من بين العوامل الرئيسة التي أدت إلى زيادة أعباء الفاتورة التي تحملتها تركيا. وبالطبع كان لاتجاه البنك المركزي لبيع العملات الأجنبية دور أيضاً في هذا، وإن لم يكن بنفس قدر التطورات السابقة، في تعظيم قيمة فاتورة الخسائر الاقتصادية.

وفي محاولة منه للحفاظ على نسبة المؤيدين للحزب الحاكم قبل الانتخابات المحلية، وعدم تأثرها بتدني الوضع الاقتصادي، وضعف الليرة قبل الانتخابات المحلية، عمد البنك المركزي التركي إلى تنفيذ أكبر عملية بيع للعملات الأجنبية في تاريخ تركيا. وكان لاتجاهها هذا تأثير سلبي على انصهار احتياطي تركيا من النقد الأجنبي بشكل كبير؛ بحيث صار تراجع الاحتياطي النقدي يشبه، في حدته، الآيس كريم الذي يذوب بسرعة إذا ما تُرِك تحت الشمس.

وعندما ننظر إلى الوضع اليوم ندرك أن هناك ارتفاعاً قدره 3.5 مليار دولار في صافي العملات الأجنبية، وفقاً لتاريخ 22 مارس الذي اتخذ فيه البنك المركزي ردة فعل دفاعية شاملة للتصدي للعملات الأجنبية، في حين سجلت احتياطيات النقد الشاملة زيادة قدرها 5 مليارات دولار. ومع ذلك، فإن هذا الفارق الذي يبدو لنا وكأنه زيادة في حجم الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، هو في حقيقة الأمر فارق خادع، غير حقيقي لا يمكننا أن نعتد به على الإطلاق.

ويرجع السبب وراء ذلك إلى قيام البنك المركزي التركي بعدد من المعاملات التجارية في السوق من أجل رفع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، مقابل موجة بيع العملة الصعبة خلال الفترة الأخيرة، حقق من وراءها 17.5 مليار دولار. وعلى الرغم من هذا، وكما رأينا سابقاً، جاءت الزيادة في قيمة الاحتياطي ضئيلة للغاية. والحقيقة أن البنك المركزي قام بالفعل خلال هذه الفترة بأكبر مواجهة في تاريخه لوقف انهيار العملة المحلية عن طريق التصدي للعملات الأجنبية بزيادة المعروض منها لما يمثله هذا الأمر من حساسية شديدة للاقتصاد التركي.

أعتقد أنه من السهل علينا حساب الاحتياطي النقدي الحالي، ومدى تدخُّل البنك المركزي لحماية العملة المحلية. لهذا أجد أنه من الضروري أن نلقي نظرة على بيانات الميزانية التحليلية للبنك المركزي، وعلى احتياطيات النقد الأجنبي وبعض البيانات الأخرى المتعلقة بالأسواق.

دعونا نحسب معاً، ونرى مقدار التغيير الذي طرأ على الأرقام، اعتباراً من شهر مارس، حتى يمكننا رؤية الأمور من منظور أوسع وأشمل:

بلغ إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي 100 مليار 65 مليون دولار في أوائل شهر مارس الماضي، وانخفض هذا المبلغ في الخامس من أبريل إلى 97 مليار 306 مليون دولار. وهذا يعني أن الاحتياطي النقدي شهد خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة انخفاضًا قدره 2.76 مليار. دعونا نحتفظ بهذا الرقم في ذهننا قليلاً، ونستمر في حساباتنا.  

قام البنك المركزي الشهر الماضي بخطوتين رئيستين في اتجاه تعزيز احتياطيات العملات الأجنبية لديه.

الخطوة الأولى أنه استدعى قروضاً بقيمة 2.5 مليار دولار، كان قد منحها للسوق من خلال مزادات المستودعات الأسبوعية. وهذا يعني أن 2.5 مليار دولار قد أُضيفت إلى الاحتياطي النقدي في البنك المركزي.

أما الخطوة الثانية التي اتخذها البنك المركزي لزيادة الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية فكانت عن طريق الاتجاه إلى اقتراض العملات الأجنبية من خلال مزادات المبادلة بالليرة التركية.

لهذا السبب، قام برفع نسبة تبادل العملات الأجنبية بنظام المقايضة لسعر الصرف الأجنبي، والحد الأقصى للمعاملات الفعلية للبنوك من 10% إلى 40%. ويبلغ الحد الأقصى للعملات الفعلية في البنوك من النقد الأجنبي في الوقت الحالي ما يقارب 50 مليار دولار. وإضافة إلى الخمسة مليار دولار التي دخلت إلى خزانة البنك المركزي، عن طريق نظام المقايضة السابق، فإن هناك زيادة أخرى مقدارها 15 مليار دولار قد أُضيفت كذلك إلى احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية.

وكما رأينا، فإنه يجب أن يُزيد هذان الإجراءان احتياطي النقد الأجنبي بمقدار 17.5 مليار دولار، كما أنه ينبغي إضافة العملة الأجنبية، التي وفَّرها البنك المركزي عن طريق قروض إعادة الخصم. وحسب بيانات البنك المركزي، فقد قدرت قيمة هذا النوع من القروض التي أُضيفت إلى الاحتياطي النقدي الشهر الماضي بحوالي 1.84 مليار دولار.

ونتيجة لذلك، فإننا عندما نقوم بعملية حسابية بجمع 2.76 مليار دولار أميركي، وهي قيمة تراجع الاحتياطي الإجمالي، إلى مبلغ 17.5 مليار دولار أميركي تم تحصيلها من المستودعات والمقايضة، و1.82 مليار دولار أخرى عائدات قروض إعادة الخصم، يتضح لنا أن البنك المركزي التركي قد تعرَّض خلال الشهر الماضي لخسارة قدرها 24.6 مليار دولار.  

ومع ذلك، فالبنك المركزي لم يقم ببيع كل هذه الأموال من أجل التدخل في السوق؛ لأن وزارة المالية أنفقت منها ما يعادل 4 مليارات و32 مليون دولار في سداد الديون الخارجية، بالإضافة إلى 784 مليون دولار أخرى بيعت إلى المؤسسات الاقتصادية العامة في الدولة. ونفهم من ذلك أن البنك المركزي قد تدخل في الأسواق خلال الفترة من بداية مارس حتى 5 أبريل، وقام ببيع 19 مليار 974 مليون دولار. وهذا رقم قياسي آخر يُسجل في تاريخ الجمهورية التركية.

وفي حين كان من المنتظر أن يشهد سعر صرف الدولار تراجعاً كبيراً، مع كل هذه التدخلات من جانب البنك المركزي، إلا أننا وجدناه يسجل ارتفاعاً قدره 43 سنتًا في أول مارس بنسبة قدرها 8%. وهو ما يمكن اعتباره دليلاً على فشل الحكومة الحالية في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حسنًا، دعونا نتساءل الآن، في ضوء كل هذه الأرقام، عن حجم العملة الصعبة المتبقية لدى البنك المركزي التركي؟

تُظهر البيانات المتعلقة بصافي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، أي حجم العملات الأجنبية الخاصة به مقارنة بكميات الذهب لديه، أنها تراجعت يوم الخميس إلى 22.98 مليار دولار، بعد أن بلغت أعلى نسبة لها يوم الاثنين من الأسبوع الماضي بقيمة 24.14 مليار دولار.

إذا كنتم تذكرون ما الحساب السابق، فهذا المبلغ يتضمن أيضاً القروض بالعملة الصعبة التي اقتراضها البنك مقابل المقايضة من السوق. ويعادل هذا الرقم 40% من الصرف الأجنبي والحد الأقصى للمعاملات الفعلية للبنوك؛ أي ما يعادل20 مليار دولار.

وإذا طرحنا هذا الرقم من صافي العملة الأجنبية، ندرك أن قيمة أصول البنك المركزي وممتلكاته بالعملات الأجنبية الموجودة قد انخفضت إلى 2 مليار و981 مليون دولار، وهو أدنى مستوى له بعد عام 2001. ويُضاف إلى هذا المبلغ بالتأكيد 20.6 مليار دولار قيمة الذهب الموجود في خزائن البنك المركزي كذلك.

ونظرًا لأن البنك لم يقم ببيع الذهب حتى الآن، فإنه استخدم، في تدخلاته لحماية العملة المحلية، العملات التي يقترضها من السوق. لهذا السبب، يمكن القول إنه لم يتبق في خزانة البنك المركزي أية عملة أجنبية تخصه هو، في الوقت الذي قارب فيه احتياطي الذهب أيضًا على النفاد.  

نَخلُص من التفاصيل السابقة إلى نتيجة مفادها أن البنك المركزي التركي، بإصراره على التدخل في السوق ببيع العملة الأجنبية؛ رغبة منه في كبح جماح العملات الأجنبية، ومساندة الحكومة الحالية، مقبل الآن على مرحلة حرجة للغاية.

وفي حين يقترب البنك المركزي بسرعة كبيرة من استنفاد احتياطياته الخاصة، فإنه لن يجد وسيلة أخرى، في المستقبل، كي يستمر في سياسته تلك سوى البدء في استخدام حسابات وزارة المالية، وودائع المواطنين من العملة الأجنبية، أو بمعنى آخر، أنه سيضطر إلى بيع العملات الأجنبية الخاصة بالدولة ومدخرات المواطنين. هذا المبلغ هو 71 مليار دولار وفقاً لأحدث البيانات الصادرة في هذا الشأن.

 

*الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/merkez-bankasi/merkez-bankasinin-3-milyar-dolari-kaldi