Naz Köktentürk
يناير 30 2018

تركيا، بلاد الرافدين، والأرض الملعونة: قدر أسود يلف دجلة والفرات وعفرين على مدى التاريخ

 

عُرفت الأرض التي تنفذ تركيا على مسرحها هذه الأيام عملية غصن الزيتون على مرّ التاريخ بالأرض الملعونة.
عفرين هي جزء من هذه الأرض التي يمتدّ تاريخها حتى فترة حكم الحيثيين. وكانت إحدى المناطق التي تتبع الكنيسة في عصر الدولة العثمانية. اُشتُهر عن هذه المدينة الأثرية القديمة قبيل الحرب كثرة أشجار الزيتون التي تملأ كل ناحية فيها. ويمكننا القول أن عفرين كانت قبيل اندلاع الحرب عبارة عن وادٍ أخضر يمتد من الشمال إلى الجنوب.
 

بلاد الرافدين والأرض الملعونة

 
تسكن الأغلبية الكردية في المنطقة المتاخمة للحدود، أما التركمان، والعرب فيسكنون منطقة اعزاز. يجدر بالذكر كذلك أن منطقة عفرين هي آخر ما تبقى من مدينة كيرحوس القديمة التي تضرب بجذورها حتى عصر الإمبراطورية الرومانية على ضفة نهر عفرين. وكانت كيرحوس في تلك الفترة قاعدةً عسكريةً مهمة، ومرتكزًا انطلقت منه الحملات العسكرية التي شنتها الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت على الإمبراطورية الأرمينية في جهة الشمال.
وفي منطقة  نبي هوري يوجد ضريح الجندي الحيثي أوريا الذي ورد اسمه في العهد القديم في الحديث عن داود؛ حيث ذُكر أن داود بالإضافة إلى كونه نبي إسرائيل، فقد كان ثاني وأعظم ملوكهم. تذكر الرواية أنّ داود رأى امرأة طاغية  الجمال تدعى بَثْشَبَع وهي تستحم في البحيرة، ففُتِن بها، فاستدعاها، وأقام علاقةً معها. كانت بَثْشَبَع زوجة الجندي أوريا. وعندما علم داود بحمل جميلة الجميلات تلك منه، قام بإرسال زوجها أوريا إلى الحرب للتخلص منه، وأوصى قائد جنده أن يجعله في الجبهة الأمامية من الجيش.
 

بلاد الرافدين والأرض الملعونة

 
فأرسل الله رسولاً من لدنه إلى الأرض يُدعى ناثان، كانت مهمته مواجهة داود بما اقترف من إثم. وكانت النتيجة أن نال داود عقابه بأن مات الطفل الذي أثمرت عنه هذه العلاقة الآثمة بعد سبعة أيام من ولادته. وعلى الرغم من كل ما صار، لم يتخلّ داود أو يتراجع عن عشقه لبَثْشَبَع. فأنجب منها بعد ذلك ثلاثة أبناء، كان منهم سليمان الذي ورث العرش من بعده، وأقام معبدًا له في القدس. لقد مُزجت هذه الأرض بخطيئة العشق المحرم.
لقد تحوَّلت سوريا بسبب الحرب الدائرة اليوم على أرضها وفي كل مدن بلاد الرافدين القديمة الأخرى إلى خراب كبير، وهو الأمر الذي يرى فيه البعض استمرارًا لتلك اللعنة التى أصابت هذه المنطقة جرّاء هذا العشق الحرام، وأن هذه اللعنة قد تجسّدت هذه المرة في شكل حروب وكوارث ضربت المنطقة بأسرها.
ومن الأقاويل التي أُثيرت كذلك؛ أن هذه اللعنة لم تضرب سوريا المُمزقة فحسب، بل امتدت أيضًا لتضرب العراق الذي اُحتلت أرضه منذ سنوات بعيدة. وقد استندت هذه الأسطورة على بعض اللوحات الأثرية السومارية التي عُثِرَ عليها في منطقة البصرة جنوب بلاد الرافدين.
اينانّا عند السومريين، هي ابنة نانّا إله القمر. وهي في الوقت نفسه إلهة  الحب، والبركة، والحرب.
تحكي هذه الأسطورة أن اينانّا ذهبت ذات يوم، ومشت بين الناس، وبينما هي في ذلك إذ شعرت بالنعاس، فدخلت إلى بستان، وراحت تغطّ في نوم عميق في ظل أشجار البستان. فرآها البستاني، ولما اقترب منها، ورأى من جمالها الطاغي، لم يتمالك نفسه فوقع عليها. فلما استيقظت اينانّا وأدركت ما حدث لها، شعرت بغضب شديد تعرضت على إثره المنطقة كلها لكوارث، وعواصف، وفاضت الأنهار دماً.
ولأن منطقة بلاد الرافدين، والشرق الأوسط كانت البوابة الاقطاعية للمنطقة، فظلت تعج بالحروب بدءاً من الحملات الصليبية حتى حروب تُدار بالوكالة لصالح القوى الاستعمارية الأخرى بعد ذلك. وكان الهدف الذي طالما سعت إليه هذه القوى من وراء هذه الحروب هو السيطرة على منابع النفط، ومصادر المياه. ساعدها في هذا حالة التفكك التي تعيشها المنطقة، والصراعات العرقية والمذهبية بين طوائف المجتمع الواحد وهو الأمر الذي مهَّد الأرض لانلاع حروب كتلك.
تؤدي التركيبة البشرية في الشرق الأوسط دورًا مهماً أيضا في هذه المعادلة؛ فقد فتحت مشكلة القدس بما تمثله من قدسية لدى كافة الأديان  الطريق أمام وقوع صدامات تعاقبت على امتداد التاريخ وليس في يومنا الحاضر فحسب.
ففي عام 1187 استطاع صلاح الدين الأيوبي المولود في تكريت بالعراق أن يقضي على سيطرة الصليبيين على القدس التي استمرت مدة 88 عاما، وأن يعيدها مرة أخرى للمسلمين، ولكن لم يلبث ابنه الكامل أن سلَّمها  إلى الصليبيين مرة أخرى في عام 1218 لسبب لم يُطلع عليه أحداً.
ولو أننا نظرنا إلى ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم من أحداث لم تكن لتخطر على أذهاننا من قبل، لأدركنا أن حكايات العصور القديمة صارت بالنسبة إلينا أمرا عاديا للغاية مقارنة بما نعايشه اليوم.
ففي ديار بكر، الوقعة على الطرف الشمالي من بلاد الرافدين، تتناقل الأجيال منذ آلاف السنوات أساطير مماثلة. من بين هذه الأساطير التي انتشرت في ديار بكر أسطورة سوزان وعادل.
وبينما ينقسم المسلمون في المنطقة فيما بينهم إلى عشائر تسكنها طوائف مختلفة من الشيعة، والسُنة، والعلويين، والأيزيديين، والترك، والعرب، والتركمان، والأكراد، نجد أن الأمر قد اختلف بالنسبة إلى السريانيين، والأرمن، وتعرضت التركيبة الديموغرافية للمنطقة بأسرها لتغير عنيف بما شهدته من صدامات، ومجازر ارتكبت على مرّ التاريخ.
ثم تأتي الأساطير، والفلكلور الشعبي ويتناول هذه العداوة غير المبررة، والفظاعات التي صار من المستحيل العيش في كنفها.
سوزان-سوزي هي واحدة من الأغاني الشعبية التي انتشرت في منطقة ديار بكر حتى صارت مثل الأسطورة يتناقلها الناس؛ تحكي هذه الأسطورة عن امرأة سريانية لم ترزق بأطفال، وفي يوم من الأيام صعدت هذه السيدة إلى مكان يسمونه "زيارة القيرقلر" فوق جبل (قيرقلر)، وهو مكان تقصده جميع السيدات اللاتي لم يرزقن بأطفال، وهناك يتوجهن بالدعاء كي يرزقن الأطفال. قامت هذه السيدة بزيارة هذا المكان، وهناك نذرت نذرًا إن تحققت لها أمنتيها، وبالفعل تحقق لها ما أرادت ورزقت طفلة، سمَّتها سوزي أي سوزان.
كانت الأم تُلبس سوزي في عيد ميلادها من كل عام، وتُزينها، وتذهب بها لزيارة جبل قيرقلر، وعندما كبرت سوزان، وصارت شابة جميلةً. تعلَّقت بحب عادل ابن جيرانهم المسلمين. وكعادة الأم، قامت بإرسال سوزي مع العمّال لذبح القربان على جبل قيرقلر. 
في تلك الأثناء كان عادل يتبعهم دون أن يُشعر أحداً بوجوده، وباتفاق بينهما توارى عن الأنظار خلف الجبل مع سوزي التي جُرحت أثناء ذبح القربان. لم يُبارك (زيارة قيرقلر) هذه الخلوة التي وقعت بينهما، فضرب سوزان ضربةً، سقطت على إثرها في نهر دجلة لتموت مختنقة أسفل الجسر. أما عادل ففقد عقله هو الآخر بعد أن رأى موت محبوبته أمام عينيه.
تعكس الأساطير، والحواديت، والأغاني الشعبية طبيعة البنية الاجتماعية، والأسس العرقية للمجتمعات؛ فنجد أن الخرافة، والأسطورة نفسها لم ترضَ عن اجتماع مسلم مع مسيحية، ورأت هذا الأمر غير مقبول.
ينبع نهري دجلة والفرات من جبال تقع إلى الجنوب الشرقي من الأناضول؛ ينبع الفرات من شرق أرزينجان، أما دجلة فينبع بالقرب من منطقة ألازيغ،  يلتقي نهر الفرات مع دجلة في العراق، ليكوّنا معاً في البصرة ما يُسمى بشط العرب، وهو النهر الذي يمتد حتى يصب في الخليج.
حكاية دجلة والفرات؛ واحدة من أساطير الحب المقدس التي تناقلتها ألسنة الناس... الفرات يجري بشغف، ومع جماله فهو يأتي بلا رحمة على كل من يقف في طريقه.
جاء ذكر نهر الفرات في اليونانية تحت اسم أوفراتيس.  أما في العربية فهي كلمة مشتقة من "الفرح" بمعنى الراحة، والسرور. وتحمل في اللغة الكردية معنى مشابه لذلك أيضاً.
 

بلاد الرافدين والأرض الملعونة

 
أما دجلة، فساكن هادئ، يجري ببطء وسكينة. يقوم أهالي ديار بكر عل ضفتيه بنخب البِطيخ ويضعون داخله الرمل والزيت، ويضيئونه في الليالي المظلمة وهم يتطلعون إليه، ويقومون ببعض الرقصات الشعبية. يقوم بعض السكان المحليون في مناطق أخرى بعد ديار بكر بالإضافة إلى هذا بصناعة قِرَب يُنفخُ فيها ويُشد بعضها إلى بعض ويُركب عليها في الماء بغرض نقل حاجياتهم؛ ويُقيمون المظلات على صفحة الماء، ويقضون أوقاتهم تحتها.
عُرِف دجلة في لغات العالم باسم تايغرس، ويرجع أصل الكلمة إلى اللغة اليونانية. وورد في التوراة على هذا الشكل، أما في القرآن فجاء ذكره على الشكل نفسه الذي يعنى في اللغة الكردية "السهم النافذ".
لقد بذل الكثيرون أرواحهم، ودماءهم على امتداد التاريخ على ضفتي دجلة والفرات. فكانت بلاد الرافدين (ما وراء النهرين) أول مهد للحضارات البشرية.
فهناك ظهرت أول تجمعات بشرية أطلق عليها اسم قرى، وعلى هذه الأرض ظهرت المدن، وفيها ظهرت زراعة القمح، والشعير، والعدس.
على هذه الأرض ظهرت العقائد على اختلافها، وتنوع مذاهبها. وكانت عقائد السومريين البداية التي ظهرت بعدها الأديان السماوية التي تؤمن بالإله الواحد.
وفي الإطار نفسه يؤكد علماء الآثار استنادً إلى معلومات وجدوها على الألواح الأثرية، أن الفضل يرجع في الأساس إلى بلاد الرافدين في ظهور بعض الاختراعات مثل آلة صناعة الفخاريات، فضلًا عمّا وصلوا إليه من تقدم في علوم الرياضيات، والطب، والفلك، ويرجع لهم الفضل كذلك في وضع نظام لحساب الشرائح الزمنية التي تزيد عن 60 دقيقة، كما برعوا في صناعة النسيج، والألبان، والخمور.
 

بلاد الرافدين والأرض الملعونة

 
كما كان تشييد المباني متعددة الطوابق من الطوب مثل قلعة بابل، هو أمر خاص ببلاد الرافدين.
كانت منطقة بلاد الرافدين أول من تعرَّف في وقت مبكر من التاريخ على مشاكل لم تجد لها حلاً حتى الآن. لم ينجح أحد في تهيئة مناخ على هذه الأرض تعيش في كنفه طوائف اختلفت فيما بينها ثقافيًأ وعرقيًا. وكانت النتيجة أن استعرت الحروب، وكثرت الصدامات، والهجرات في هذه المنطقة من العالم؛ الأمر الذي نتج عنه تدمير المدن والقرى تحت وطأة الصواريخ، ومدافع الهاون.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: