تركيا..الناخب بين خياري حكم الرجل الواحد والديمقراطية التعددية

 

بعد أربع أسابيع تقريبًا تضرب تركيا موعدًا مع انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة من المقرر أن تجري في 24 يونيو المقبل، بعد أن تم تبكيرها عن موعدها السابق الذي كان من المنتظر أن يكون في شهر سبتمبر 2019.
 وإن كانت الشوارع في تركيا خالية من الأجواء الانتخابية التي لم تنتشر بعد، إلا أن استطلاعات الرأي، وسبر آراء الناس، تحتل المرتبة الأولى من أجندتنا لما تتضمنه من جدل وتوقعات حول مآل تلك الانتخابات، لا سيما الرئاسية منها والتي يدور حولها تكهن بين من يقول بأنها ستنتهي من الجولة الأولى، وآخرين يزعمون أنها ستتكون من جولتين اثنتين.
على أية حال نحن على أعتاب استحقاق انتخابي سيخلده التاريخ حتمًا. وهناك الكثير من الأمور التي تجعل من هذه الانتخابات حدثًا ملفتًا يخلده التاريخ، منها أن أحد المرشحين الرئاسيين، وهو صلاح الدين دميرطاش، مرشح حزب الشعوب الديمقراطي، يدير حملته الانتخابية استعدادًا لهذه الانتخابات من خلف قضبان سجنه الحديدية.
أما المرشح الآخر الذي يجلس حاليًا على كرسي الرئاسة (في إشارة لرجب طيب أردوغان) فهو في حل من كافة المحظورات الانتخابية، إذ أنه يملك في يديه 90 في المئة من الإعلام،فضلًا عن القضاء، إلى جانب القوة التشريعية المتمثلة في حزب العدالة والتنمية الذي يمتلك الأغلبية في البرلمان.
 الحزب الحاكم ورئيسه العام، يمنون أنفسهم بالحيلولة دون ظهور المعارضين في الشوارع، وذلك بعد عجز ذلك الحزب، عن كتابة أية حكاية جديدة تنطلي على الناخبين، وعدم مقدرته على تقديم أي شيء جديد يعزز من موقفه في هذه الانتخابات. ومن ثم فإنهم يستخدمون كل المتاح لديهم من وسائل مادية ومعنوية من أجل تحقيق الهدف الذي يسعون إليه.
لا شك أن الأولوية القصوى لدى أردوغان هي تغيير النظام وطريقة الحكم. وأهم شيء يرتكز عليه لتحقيق ذلك هو أن يعج المجتمع بحالة من الاستقطاب، ويصبح متفسخًا بين أفراده.
وكما شاهدنا في حالات الجدل الدائرة حول تلك الانتخابات، فإن ما قام به أردوغان من أجل تأمين الانتخابات لصالح العدالة والتنمية، قد أضر بشكل بالغ بوصفنا كمجتمع. وعلى إثر ذلك استحالت هذه الأراضي، مكانًا قاحلًا يعيش فيه أناس لا يستطيعون سماع صوت بعضهم البعض، ولا يشاركون بعضهم البعض أفراحهم وأتراحهم، وباتوا في فرقة تامة فيما بينهم.
لكن دعوني أؤكد أن وصول الاستقطاب إلى هذه الدرجة، جعل من إعادة سمة العيش معًا في سلام وطمأنينة، أمرًا مطلوب للغاية. وبالتالي فإن تصرف الناخب، وموقفه في مثل هذه اللحظات، أمر يختلف عن بقية الفترات العادية. ومن ثم على الناخب أن ينظر إلى الأمر وكأنه يؤسس لمستقبل قادم من خلال إرادة يؤسس بها ما يريد.
ولعل هذه الأمور، وهذه التطورات يعرفها جيدًا المرشحون الآخرون للرئاسة، محرم إينجه، وصلاح الدين دميرطاش، وميرال اكشنير، وتمل كرم أولا أوغلو، ومن ثم نجحوا بقدر ما في إدارة حملة من شأنها تحفيز الناخبين للعمل، وأن يكونوا عناصر مؤسسة حتى في مثل هذه الأجواء التي لا تتسم بالمساواة أو العدل.
ومن المؤكد أن مهمة أردوغان هذه المرة ليست بالسهلة؛ وذلك لأنه حتى يتسنى له تغيير النظام وطريقة الحكم يتعين عليه أن يفوز هو بالانتخابات الرئاسية، وأن يحصل حزب العدالة والتنمية على 400 مقعد من مقاعد البرلمان.
وكما تعلمون فإن أردوغان في كل خطوة يخطوها يوسع من هوة الأزمتين الاقتصادية والمجتمعية، لذلك فإنه ليس من الممكن أن يتغاضى هو والهالة المحيطة به عن حقيقة مفادها أن الدولة بكافة مؤسساتها، وقيمها تنهار علينا جميعًا، لن يستطيعوا أن يغضوا الطرف عن هذا أكثر من ذلك.
ومن جانب آخر فإنه منذ اليوم الذي أعلنت فيه تلك الانتخابات المفاجئة، وحتى يومنا هذا، خرجت المعارضة التركية عن المألوف، وعن القوالب المحفوظة التي دأبت عليها، وبات لها شكل جديد في أدبيات المعارضة.
فتحالف المعارضة المعروف باسم "تحالف الأمة"، وكذلك حزب الشعوب الديمقراطي الذي لا يشمله أيّ تحالف، قدموا جميعًا للناخب خيارًا جادًا، من خلال ما عرضوه من بيانات انتخابية بينوا من خلالها نظرتهم لمستقبل البلاد. جاء ذلك في الوقت الذي ملّ فيه الناخب التركي من سياسات الاستقطاب،والتصادم التي يتبنّاها "تحالف الشعب" المبرم بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية المعارض.
ولهذا السبب فإنه إذا لم يحدث أمر غير عادي، فإنه من الممكن أن تكون هناك جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية، وأن يصبح "تحالف الشعب" أقلية في البرلمان، وذلك رغم الظروف التي ستلازم إجراء هذه الانتخابات من حالة طوارئ معلنة وما شابه ذلك.
لكن حتى يحدث هذا يجب أولًا أن يتخطى حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية اللازمة للتمثيل في البرلمان. وإلا فإنه إذا لم يحدث هذا فإن عدد المقاعد التي من الممكن أن يحصل عليها ذلك الحزب والتي تتراوح بين 50 إلى 70 نقعدًا، سوف تذهب إلى "تحالف الشعب".
وحقًا سيكون منوطا بـالبرلمان المقبل، مهمة إعادة إنشاء تركيا الديمقراطية،إذا ما نجح "تحالف الأمة"، وحزب الشعوب الديمقراطي، في نقل كل ما اتفقوا عليه في بيانهم الانتخابي إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، وكما تعرفون أنهم اتفقوا في ذلك البيان على إرساء قواعد الديمقراطية التعددية، ودولة القانون، وضرورة الفصل بين القوات والسلطات، وتأسيس إعلام وقضاء محايدين مستقلين.
ومن المؤكد أن فوز "تحالف الأمة" وحزب الشعوب الديمقراطي برئاسة البرلمان وكافة اللجان العاملة به، سيغير كثيرًا من الأمر أكثر مما تتخيلون.
كما لا تنسوا أن البرلمان يقع ضمن اختصاصاته السلطة التشريعية، واختيار أغلبية أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، فضلا عن اختيار أعضاء هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية.
تركيا إذا صحّ القول أمام عملية انتقالية ستضعها على الطريق المستقيم، هذه العملية ستمحي أثر المراسيم بقانون التي صدرت مؤخرًا عن الرئاسة، ستجعلها لا شيء يذكر أمام القوانين، وستعيد تلك العملية تنظيم كافة المؤسسات السياسية بما في ذلك كتابة دستور جديد، ووضع قانون للأحزاب السياسية، ناهيكم عما ستسفر عنه من تأسيس للقوانين الأساسية على أسس علمانية ديمقراطية.
وإذا ما قدر للمعارضة أن تحصل على أغلبية البرلمان، وانتخب أردوغان رئيسًا للبلاد، فإن الأخير لن يكون في أريحية من أمره كما كان في السابق. وفي هذه الحالة فإن تلويح أردوغان بتهديد "إعادة الانتخابات" لن يكون أكثر واقعية من فسخ البرلمان لنفسه. وعلاوة على ذلك فإنه وفق الدستور الذي تم تعديله، فإن صلاحيات تشكيل الحكومة من خارج البرلمان ستبقى في يد رئيس الجمهورية.
كما أنه لن تكون هناك ضرورة لحصول الحكومة المشكلة من خارج البرلمان، على ثقة النواب. خلاصة القول إنه لم يعد هناك أي أثر للأعذار والذرائع التي سيقت بعد انتخابات غير حاسمة جرت في 7 يونيو 2015 ، وأنتجت برلمانًا غير مكتمل الملامح.
وفي ضوء كل هذه السيناريوهات والاحتمالات، فإن الحاجة الآن تقتضي أن تقوم أحزاب المعارضة مجتمعة بتبني سياسة دعائية توضح للناخب ماذا يمكن أن يترتب على حصولها على أغلبية البرلمان، وإقناعه بالتصويت الاستراتيجي بشكل يمكن أن تنتهي معه فترة حكم النظام القائم على أمر البلاد.
ولهذا فإنه بات من الشرط الذي لا مفر منه، أن تفي أحزاب المعارضة بوعودها المتعلقة ببقاء التعاون بين تحالفها المعروف بـ"تحالف الأمة" الذي شكلته قبل الانتخابات، وبين حزب الشعوب الديمقراطي، وامتداد ذلك التعاون لما بعد الاستحقاق الانتخابي.
وذلك لأن الناخب الآن هو الذي يملك في يديه مفتاح المصير الذي سيؤول إليه النظام المؤقت الذي نعيش معه حاليًا بشكل فعلي. وخلاصة القول فإن الناخب هو الذي سيوافق على النظام الديمقراطي التعددي أو نظام الرجل الواحد. أي أن إرادة الناخب هي الإرادة المؤسسة للمرحلة المقبلة.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/tamam-mi-devam-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.