جنكيز أكتار
مارس 31 2018

تركيا..النظام الحاكم يحاول استمداد شرعيته بانتخابات مشوهة يجب مقاطعتها

 

لقد أدركنا جيدًا أن الانتخابات هي المصدر الوحيد للشرعية لأصحاب السلطة في هذا الزمان. فلا شرعية لهم أخرى سماوية كانت أو دنيوية. كما أنهم ليسوا ظل الله في الأرض، فلا توجد لهم أية صفة دينية ينعتون بها. وليس بمقدروهم أن يعزوا سلطاتهم إلى سلالة حاكمة لها أصل ونسب. فقبلتهم الصناديق، وعقيدتهم أقصى مشاركة، وأقصى تصويت في الانتخابات. 
كما أن مراد حاكمهم رجب طيب أردوغان، هو الخروج منتصرًا من الانتخابات المقبلة ليكون على شاكلة من يشبهونه في الاستبداد كالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيريه الفنزويلي، نيكولاس مادورو، والآذري، إلهام علييف. وحتى يتسنى له تحقيق هذا الهدف، دأب أردوغان على المجازفة بالحروب في الداخل والخارج، كما حرص على ترسيخ دولة اللاقانون بشكل غير عادي.
لكن الشيء الذي يجعل أردوغان هشًّا مقارنة بالآخرين، هو "تركيا الجديدة" التي ينشأ فيها منذ سنوات. وباسم هذه التركيبة أو الكيان قام بالعديد من الإجراءات غير القانونية وغير النظامية التي لا حصر لها في الداخل والخارج. وهذه الأشياء تضفي على الانتخابات في تركيا معنى آخر وشعارا تبناه ذلك النظام المستبد ألا وهو: ضرورة عدم خسارة أية انتخابات تحت أي ظرف من الظروف!
في شهر يناير الماضي كنت قد كتبت مقالة لموقع "أحوال تركية" تحت عنوان "ينتظر المدد من الانتخابات مجددًا"، كنت قد قلت فيها:
"جاء حزب العدالة والتنمية بالانتخاب، ولن يذهب النظام بالانتخاب! ذلك أنه في حال ذهابه سوف يُقدم كل المسؤولين وعلى رأسهم الحاكم الأعلى إلى مجلس الدولة الأعلى (الخاص بالنظر في قضايا وجرائم كبار رجال الدولة). إن الأمر واضح وأكيد. علاوة على أنهم قد يمثُلوا في أي وقت أمام المحكمة الجنائية الدولية ليُحاكموا بسبب دورهم في الحرب الداخلية السورية."
فلنتذكر الآن معًا ولمرة أخرى الاستعدادات التي يجريها النظام في تركيا في ظل أجواء كهذه؛ ليفوز بالانتخابات المقبلة بشكل قاطع:
 
•    الانتخابات ستكون تحت تصرف الهيئة العليا للانتخابات التي يسيطر عليها النظام بشكل كامل؛ وبموجب تعديلات شهدها قانون الانتخابات، سيتم تغيير المناطق الانتخابية لصالح النظام الحاكم.
•    التعديلات التي طرأت على قانون الأحزاب السياسية، جعلت الرقابة والتفتيش على هذه الأحزاب من حق الهيئة العليا للانتخابات التي كما قلنا تخضع لسيطرة النظام، وهذا يعني تسليط سيف "ديموقليس" على رقاب تلك الأحزاب.
•    تأمين صناديق الاقتراع، بات بموجب العديد من الإجراءات والتعديلات أمرا غير آمن بالنسبة للمعارضة.
•    تخصيص 500 مليون ظرف لـ55 مليون ناخب، أمر من شأنه أن يسمح بكافة أنواع التزوير والغش.
•    الأصوات غير المختومة أيضًا سيتم الاعتداد بصحتها واحتسابها في الفرز.
•    الانتخابات وباحتمال كبير ستجري في ظل سريان قانون الطوارئ، وسيبقى حاجز العتبة الانتخابية المقدر بـ10 في المائة.
•    في الحملات الانتخابية ستخصص كافة الأجهزة والهيئات الإعلامية والصحافية جهودها لخدمة النظام الحاكم كما سبق وأن شاهدنا في الانتخابات الأخيرة.
•    بعد بيع مجموعة دوغان ميديا غروب للإعلام، سيتم إسكات الأصوات القليلة المتبقة المناهضة للنظام، ليكون الإعلام بأكمله تقريبًا في صف السلطة الحاكمة.
•    سيصبح كل شيء مسلطًا على الانتخابات من فتاوى، وإهانات، وما شابه مما يلجأ إليه النظام لتخوين الآخرين.
•    حزب الحركة القومية المعارض سيحصن أصواته بموجب قانون التحالف الذي أبرمه مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.
•    سيتم اللجوء إلى كافة الطرق والوسائل لمنع حزب الشعوب الديمقراطي من خوض الانتخابات.

 

من المعروف للجميع أن تركيا لم تشهد في يوم من الأيام انتخاباتٍ شفافة وعادلة بكل ما تعني الكلمتان من معنى. ولقد ثبت لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن تركيا لم تشهد مطلقًا أية انتخابات حرة أو عادلة بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي جرى في 17 أبريل 2017. ولا يوجد ثمة أي سبب على الإطلاق لتغير هذه القناعة لدى المنظمة الأوروبية.
وأيضًا إذا لم تكفِ كافة هذه التدابير والحسابات، فمن الممكن أن يلجأ النظام إلى سلسلة من الحيل الشائعة كتلك التي تم اللجوء إليها في الانتخابات السابقة، وإذا لم تكف هذه الحيل فقد يلجأ ذلك النظام إلى قوات إنفاذ القانون غير الرسمية. لذلك ليس من المدهش أو المحير أن تزداد حصص عبوات الرصاص لدى شعب مدجج بالسلاح من منبت رأسه لأخمس قدميه. وهذا موضوع استقصاه وتحراه جيدًا الحزب "الصالح" المعارض الذي لديه استخبارات موثوقة تستطيع التأكد من مثل هذه المعلومات التي نتحدث عنها.
ورغم كل هذه الأمور التي تم تنظيمها ليفوز النظام بالانتخابات رغمًا عن الجميع، إلا أنه لا زالت هناك بعض مشاعر الخوف التي تساور أركان هذا النظام وتجعله غير واثق من قدرته على الفوز، لذلك يتعمد اختلاق أعذار وأمور كالانقلابات، والهجمات الإرهابية، والحروب، وغيرها ليصل إلى ما يريد ويستمر في حكم البلاد والعباد على النحو الذي نراه حاليًا.
خلاصة القول هي أن هذه ليست انتخابات، وإنما "لا انتخابات" تبدو كأنها انتخابات.
لا شك أن الديمقراطية النيابية في تركيا ظلت غير فعالة على الإطلاق. ومنذ أن تم التحول إلى نظام التعددية الحزبية، باتت الانتخابات النيابية مريضة وعاجزة عن ممارسة التطبيقات الأولية البدائية لمبادئ التمثيل النيابي.
لكن لا شك أن السياسية التي تتضح معالمها من خلال بناء إداري وعقلية تسيطر عليها المركزية، كفيلة بهدم أركان التمثيل المحلي في ظل ما نراه حاليًا من تشويه قد طال قانوني الانتخابات والأحزاب السياسية.
ففي الانتخابات النيابية من قبل كنتم مطالبين بالتصويت لحزب وطني، وليس لمرشح مقيم في المدينة التي تعيشون فيها، فلا اسم ولا صورة للمرشح الذي ستعطونه صوتكم. كما أنه لا ثقل له على المستوى المحلي، بل يتم تعيينه من قبل المركز العام. ومع هذا بتنا في ظل ما نراه الآن، نبحث عن هذه النوعية المشوهة والمعيبة من الانتخابات.
ويمكننا القول إن تركيا فقدت أوصاف دولة القانون بعد استفتاء 2010، وبات ذلك واضحًا بشكل علني اعتبارًا من العام 2013. كما أن الجمهورية فقدت أهم ميزة تتصف بها في استفتاء التعديلات الدستورية الذي جرى يوم 16 أبريل 2017. لذلك لا تلقوا بالًا للنداءات التي تتردد على مسامعكم بين الحين والآخر الآن مستغيثة وهي تقول "لقد انتهت دولة القانون" لا تلقوا بالًا لذلك لأن المباراة انتهت منذ زمن، ونحن الآن في الشوط الإضافي.

 

النظام الانتخابي الذي كشفنا بعضًا من ملامحه وأوصافه أعلاه، ما هو إلا نظام احتيالي بقدر كونه نتاج نظام اللاقانون واللادولة. فالنظام الحاكم كما قلنا أعاد رسم وتصميم النظام الانتخابي بطرق وأساليب غير قانونية تمامًا. ويسعى هذا النظام من خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لترسيخ سلطاته وتكريسها في ظل النظام الانتخابي الذي أعاد رسمه وتصميمه كما أوضحنا.
لذلك بات التأكيد على أنه في ظل هذه الإملاءات والتجاوزات لا يمكن دخول الانتخابات أو النجاح فيها. بل الواجب هو رفض كل هذه الأشياء من خلال مقاطعة "اللاانتخابات".
ومن ثم لا يخرج علينا أحدهم ويتعب حاله ليتحدث إلينا عن مرشحي المعارضة في الانتخابات كبديل سياسي. فمن المؤكد أن هؤلاء (مرشحي المعارضة) – باستثناء مرشحي حزب الشعوب الديمقراطي وبعض عقلاء حزب الشعب الجمهوري – لا يمكن أن يكونوا دواءً لآلام تركيا وأمراضها.
والهدف الرئيس من مقاطعة انتخابات تم وضع حبكتها الدرامية بهذا الشكل الذي بينّاه، ليس النيل من مشروعية وقوة السلطة الحاكمة من خلال جعل نسبة المشاركة منخفضة للغاية. ولقد كتبت مقالات ضرورية حول عجز هدف كهذا عن الوصول لنتائج تذكر على الإطلاق، تلك المقالات التي أكدت أيضًا أن المقاطعة لا يمكنها النيل من النظام الحاكم.
وبالتالي وجب التأكيد على أن الهدف الأساسي الذي نسعى إليه من خلال المقاطعة، هو التعبير عن الرفض الكامل والتام للنظام الانتخابي المعيب المشوه أو بمعنى أدق "حالة اللاانتخابات" التي نتحدث عنها منذ بداية المقال.
هدف المقاطعة أيضًا يأتي لرفض فكرة راسخة في عقلية السلطة الحاكمة، وأدائها، والتي مفادها أن "الانتخابات هي السبيل الوحيد لاختيار ذلك النظام ومن يعينهم لتمثيله".
المقاطعة بمعنى آخر أدق وأشمل، هي وسيلة لرفض المشاركة في لعبة مليئة بالحيل، محسومة النتائج، وضعها النظام الحاكم كما سبق وأن فعل في كافة حالات العصيان المدني.
كما تعني المقاطعة الرفض القاطع لانتخابات المحليات التي تقع تحت وصاية السلطة المركزية، ورفض انتخابات تشريعية فرغت من محتواها بشكل كامل، ورفض تلك الانتخابات المشوهة قانونًا والتي تعرف باسم النظام الرئاسي.
نقاش المقاطعة ليس أمرًا قاصرًا على النظام الديمقراطي النيابي فحسب، وإنما هو نقاش يجب أن يسري بشكل كبير ليشمل كافة مناحي الحياة السياسية.
وختامًا نقول إنه إذا أصبحت المقاطعة صوتًا قويًا ضد "الانتخابات" التي فرّغت من محتواها ومضمونها، وباتت مجرد مصدر لإمداد النظام الحاكم بالشرعية، إذا نجحت المقاطعة في ذلك فلا شك أنها من الممكن أن تكون نقطة ميلاد عصيان مدني واسع وشامل، وذلك إذا قمنا في الوقت ذاته بمقاطعة الإعلام الذي دأب على مبايعة النظام.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/secimler/secimsizligi-boykot-etmek