نوفمبر 28 2018

تركيات في لندن يحوّلن إنستغرام إلى منصّة لكسب الرزق

نجحت ما يقرب من 20 سيدة تركية يعشن في لندن من استغلال الثورة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم عبر تحويل موقع إنستغرام الشهير لمشاركة الصور إلى وسيلة لكسب الرزق، وذلك من خلال بيع وجبات شهية يعدنها في المنزل ويقمن بعرض صورها على الموقع. 
وفي مدينة يتكون معظم سكانها من المهاجرين، تعد منطقة (هارينجاي غرين لينز) في شمال لندن واحدة من أكثر المناطق تنوعا ثقافيا وعرقيا، وهو ما يجعلها تتميز بوجود العديد من المطاعم التي تقدم أشهر المأكولات من مختلف دول العالم.
ومع ذلك، عندما يأتي ذكر غرين لينز، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو المطبخ التركي بجميع أطباقه التقليدية الشهية والمتنوعة.
ومهما كانت جودة الطعام الذي تعده مطاعم جرين لينز، لا يزال العديد من الأتراك يشعرون بالحنين إلى ذلك الطعم المميز للوجبات المطبوخة في المنزل التي نشأوا على تناولها من أيدي أمهاتهم في تركيا. وهنا يأتي دور مجموعة ربات البيوت التركيات في ملء هذا الفراغ.
واحدة من هؤلاء ربات البيوت هي سلطان شاهين التي تبلغ من العمر 46 عاما وتملك من الأبناء ثلاثة وتعيش في منطقة كولندال في لندن. وتنحدر شاهين في الأصل من قيصري في وسط تركيا، وهي مدينة تشتهر بأكلة المانتي الشعبية التي تشبه معجنات الرافيولي لكن على الطريقة التركية، ولذلك ليس من المستغرب أن تكون معجنات المانتي إحدى الأكلات التي تتميز بها شاهين. وساهم نجاحها في الترويج للمانتي المعد منزليا على وسائل التواصل الاجتماعي في تحسين وضع أسرتها ماليا.
وتحدثت شاهين إلى (أحوال تركية) عن بداية الفكرة، موضحة أن ابنتها وابن أختها أخذا على عاتقهما إنشاء وإدارة حساب على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن من خلاله عرض الوجبات التي تعدها في المنزل.
وأضافت "في السابق، كنت أقوم بصنع المانتي للجيران. لم يكن هناك الكثير من الربح، ولكن على الأقل كنت أحصل على مصروف جيبي. الآن، لدي وظيفة حقيقية وزبائن دائمون. هناك على سبيل المثال السيدة سيما التي تعيش بالقرب مني، وهي امرأة عاملة تهتم بأبيها المريض. إنهم يشترون مني كل أسبوع، وأقوم بتعديلات خاصة على الملح والزيت في الطعام، لأن والدها مريض".
ووفقا لقول شاهين، فإن أفضل جزء في العمل هو التعليقات التي تحصل عليها من عملائها. وتابعت بالقول "فوق كل شيء، أشعر بالسعادة عندما يكتبون لي. لأنني أصبح أكثر حماسة حينها. أقول (لنفسي) إن ذلك يعني أنني أقوم بعملي بشكل جيد، ولذلك يطلبون مني وجبات أخرى. وبالنسبة لي، أعطي الكثير من الأهمية للزبائن الذين يعودون لشراء وجباتي".
وبالفعل، ساهم نشاط شاهين على إنستغرام في اتساع شبكة عملائها وسمح لها حتى بتوفير فرص عمل لأفراد عائلتها.
وأوضحت ذلك بالقول "ابنة أخي جاءت إلى هنا من تركيا وكانت تعمل في مجال التنظيف. وعندما أخبرني أحد زبائني أنهم يبحثون عن عاملة، اقترحت ابنة أخي. لذلك، هذه الوظيفة ليست مفيدة لي فحسب، بل توفر أيضا وظائف لعائلتي".
ومن بين زبائن شاهين طلاب من تركيا يدرسون في لندن ويتوقون لتذوق بعض الطعام المنزلي الذي يذكرهم بموطنهم.  
وعن ذلك، تقول شاهين "عادة ما يشتري الطلاب كيلوجرام من المانتي أو كيلوجرام من ملفوف (محشي) أوراق العنب. أسعد كثيرا عندما يقولون 'إنه بالضبط مثل طعام أمي' فعلى كل حال أنا أعد نفس الطعام الذي أقدمه لعائلتي في المنزل... نفس الدهون ونفس الطحين ونفس المكونات. علاوة على ذلك، أبيع عادة الوجبات التي أعرف كيفية عملها، ولا أشعر بالارتياح إذا قمت ببيع طعام لا أجيد عمله، حتى لو كان على سبيل التجربة للزبائن".
وهناك أيضا جنان ديكمان التي تبلغ من العمر 35 عاما ولديها طفلان وتدير حسابها الخاص على إنستغرام. وتشتهر ديكمان بطبق الحلوى المعروف في تركيا باسم (كالبورا باتسي) وفي الشام باسم أصابع زينب أو الكرابيج. وتعلمت ديكمان طريقة إعداد هذا الطبق في موطنه الأصلي في مدينة سيواس بوسط تركيا أثناء دراستها هناك. واكتسبت أطباق ديكمان من الحلوى شعبية كبيرة بين الأتراك المقيمين في لندن، وخصوصا الطلاب.
وقالت ديكمان "ذات المرة اتصلت بي امرأة من تركيا بعد العثور على حسابي على الإنترنت وقالت لي 'ابني ذاهب إلى لندن للدراسة، هل يمكنك الذهاب إلى سكنه وإعداد الطعام له؟' بدوري، أرشدتها إلى شخص يقوم بذلك، فهناك من يذهبون إلى سكن الطلاب ويطهون لهم الطعام بما يكفي لبضعة أيام ويضعون كل شيء في الثلاجة ويغادرون، والكثير منهم حتى يحتفظ بمفاتيح خاصة لتلك الشقق، وفي معظم الأحيان، لا يراهم الطلاب. إنه أشبه بأمهاتهم يحضرن ويطبخن ويغادرن".
كما تشمل قائمة عملاء ديكمان أصحاب المنازل الذين يحتاجون إلى تقديم كميات كبيرة من الطعام خلال الحفلات التي يستضيفونها.
وذكرت ديكمان في معرض حديثها إلى (أحوال تركية) "بما أنني أملك خبرة كبيرة في صنع المعجنات، كان أبناء عمي دائما ما يطلبون مني المساعدة عندما يبدأون في التحضير لحفلة ما. كان طعامي يحظى بإقبال كبير. ثم قلت لنفسي لما لا أجعل هذا وظيفة دائمة لي. وهناك الكثير من الناس الآن يبحثون عن هذه الأشياء ويقومون بطلب الطعام عبر الإنترنت".
ويرى الكثير من زبائن شاهين وديكمان، وخاصة من النساء اللواتي لديهن أطفال، أن الطعام الذي يتم إعداده في المنزل يتميز بأنه "آمن ونظيف". كما تشير شاهين إلى الجوانب الإيجابية للعمل من منزلها، أو بعبارة أخرى "ملاذها الآمن".
وأضافت "أدركت أنني لم أعد أعاني الإرهاق كما كنت في السابق. ذاكرتي باتت أفضل من ذي قبل. أستيقظ في الصباح الباكر. ويمكنني مراقبة الأطفال بينما أفعل ما أحبه. القيام بهذا العمل ساعدني كثيرا. وربما جعلني أشعر بتحسن من الناحية النفسية. لذلك، أود أن أفتح مطعمي الخاص في يوم من الأيام".
وبجانب الراحة النفسية، هناك أيضا المقابل المالي الذي مكّن بعض السيدات من تدبر أمورهن بمفردهن. فمثلا أعطى هذا المجال جيلان، وهي أم مطلقة حديثا تبلغ من العمر 49 عاما ولديها أربعة أطفال ولا تجيد التحدث إلا باللغتين التركية والكردية، فرصة جديدة للحياة بعد العيش في إنكلترا لأكثر من 30 عاما دون عمل.
وتقول جيلان "أبيع المانتي، وأقوم أيضا بإعداد ملفوف ورق العنب والمعجنات المحشوة بحسب الطلب. هذا يمكّنني من الحصول على المال اللازم للإنفاق على أسرتي، لكن الأهم من ذلك، أنني لست بحاجة إلى رجل. هناك نساء أخريات مثلي. لا تزال هناك بعض الأشياء التي لا يفهمها مجتمعنا التركي. فالنساء المطلقات لا يتم التعامل معهن بشكل إيجابي. ولذلك، من الصعب علي الخروج والعمل في مكان ما. أما هذه الوظيفة فهي جيدة ونظيفة".
ومع ذلك، بالنسبة للنساء اللواتي يصنعن ويبعن طبقا مثل المانتي، فإنهن يكسبن أقل من الحد الأدنى للأجور في بريطانيا، وهو 7.83 جنيه إسترليني في الساعة. فعلى سبيل المثال، يستغرق الأمر ساعتين لإعداد كيلوجرام من المانتي، والذي يتم بيعه بعد ذلك ما بين 10 و12 جنيها إسترلينيا. فيما تبلغ تكلفة المكونات حوالي أربعة جنيهات، بما في ذلك فواتير الماء والكهرباء والغاز، وهو ما يعني أنهن يحصلن على 4 جنيهات في الساعة في المتوسط.
لكن هذا المقابل الضئيل لا يثني جيلان كثيرا عن مواصلة العمل، إذ تقول: "في نهاية المطاف، لا أستطيع العثور على عمل في أي مكان بسهولة، لأنني لا أتحدث اللغة الإنكليزية. ولكنني الآن في المنزل، أعمل في مطبخي النظيف دون خوف من تعرضي لمضايقات من أحد".
واختتمت حديثها بالقول "أنا هنا وسط عائلتي وأكسب المال بشرف، ولا يهمني إذا ما كنت أجني الكثير أو القليل، إنه يأتي بقدر ما هو عليه".
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/food/empowered-turkish-housewives-london-using-instagram-monetise-homecooked-meals
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.