مارك بنتلي
فبراير 27 2018

تركيا.. أردوغان معلق بالدولار، شاء أم أبى

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المعروف بعزوفه المتزايد عن كل ما هو غربي، بدأت تتشكل لديه كراهية متزايدة تجاه الدولار.
وحذر جميل إرتيم، كبير مستشاريه الاقتصاديين، الأتراك في تصريحات للتلفزيون الرسمي يوم الجمعة من مخاطر الاستثمار في العملة الأمريكية قائلا إنه حتى رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة عدة مرات لن يوقف هبوطه في المدى المتوسط.
وقال إرتيم إن العملات المشفرة تأتي في قلب أسباب الأفول الوشيك لنجم الدولار. وأضاف أنه نتيجة لذلك، فإن البنك المركزي التركي سيحاكي ما فعلته دول مثل فنزويلا وعملتها "البترو" ويعمل من أجل إصدار عملة رقمية خاصة- وإن العملات الرقمية هي مستقبل التبادلات النقدية في أنحاء العالم.
ويعد إرتيم ضمن فئة جديدة من المستشارين السياسيين لأردوغان، مناهضين للغرب وشعبويين، ويسارعون دوما لتحدي النظريات الاقتصادية التقليدية وكذلك المؤسسات التي تدعم تلك النظريات. في الوقت نفسه، بدأ تأثير بعض الشخصيات المؤيدة لسياسات السوق يتقلص إلى حد ما على السياسة الاقتصادية، ومنهم محمد شيمشك نائب رئيس الوزراء وخليفة الخبيرين الاقتصاديين الكبيرين علي باباجان وكمال درويش.
وتزامن تحول أردوغان التدريجي بعيدا عن السياسة الاقتصادية التي تستلهم النهج الغربي مع نهاية البرنامج الاقتصادي التركي مع صندوق النقد الدولي في العام 2008 وقبضته الاستبدادية الخانقة على نظام الحكم في تركيا، والتي يمكن القول إنها اشتدت عندما اقترحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي في ذلك الحين نيكولا ساركوزي إبرام شراكة مميزة مع تركيا بدلا من منحها العضوية الكاملة بالاتحاد الأوروبي وذلك في 2009.
وبدلا من أن يقيم مستشارو أردوغان إيجابيات وسلبيات توصيات صندوق النقد الدولي، بات هؤلاء المستشارين ومنهم إرتيم يتهكمون عليه باعتباره أداة في أيدي الرأسمالية الغربية. ويرى هؤلاء أن سياسات الصندوق، المدعومة بنظام مالي قائم على الدولار، تهدف للسيطرة على الدول النامية مثل تركيا من خلال إبقائها معتمدة على الدين الغربي وعلى السلع المستوردة.
لكن لسوء الحظ، فإن أردوغان معلق بالدولار حتى المستقبل المنظور. وفي الحقيقة، فإن الناظر إلى الواقع الاقتصادي التركي سيجد أن تصريحات إرتيم حول العملة الأميركية مجرد أمنيات.
فتركيا تجري تجارتها بالدولار وتقترض بالدولار ويمثل الدولار أكبر عملات احتياطياتها النقدية الأجنبية. كما أن تنامي عجز ميزان المعاملات الجارية، والذي يغذيه الاعتماد على واردات النفط والغاز الطبيعي اللذين لا تملك تركيا فعليا أي احتياطيات منهما، وواردات المواد الخام، وهي في أغلبها مقومة بالدولار، كل هذا يعني أن تدفقات الدولار وغيره من العملات الرئيسية- في صورة استثمارات مباشرة أو مشتريات من الأسهم والسندات- تدعم قيمة الليرة التركية ولا تضعفها.
وبرغم ذلك، فقلما كان أداء الليرة جيدا في السنوات القليلة الماضية. وقبيل اندلاع الأزمة المالية في العام 2008، كان يجري تداول العملة التركية عند 1.15 ليرة مقابل الدولار. وبلغ السعر الآن حوالي 3.8 ليرة أي بخسارة تعادل حوالي 70 بالمئة.
وقال تيم آش كبير الخبراء الاستراتيجيين في الأسواق الناشئة لدى صندوق التحوط بلوباي لإدارة الأصول في لندن إن تصريحات إرتيم، برغم كونها للاستهلاك المحلي، فإنها لا تبعث برسالة إيجابية على وجه الخصوص للمستثمرين الأجانب.
وقال "إنها تضر سمعة تركيا في الخارج. لا يزال هناك أشخاص أكثر لياقة في الإدارة، لكن رسائلهم المؤيدة لسياسات السوق والمستثمرين يقوضها أناس مثل هذا".
وعلى النقيض مما قد يروق لأردوغان وإرتيم، فإن الأتراك يحبون الادخار بالدولار لأنه يوفر لهم الحماية من خفض سعر الليرة ومن تآكل أرباحهم بسبب تضخم أسعار المستهلكين، البالغ حوالي 11 بالمئة حاليا وهو الأعلى بين الأسواق الناشئة الرئيسية.
ومنذ الأزمة المالية، قفزت المدخرات بالعملة الأجنبية لأكثر من مثليها إلى حوالي 158 مليار دولار.

مخطط اقتصادي للوضع التركي

وتوترت العلاقات في الآونة الأخيرة مع الولايات المتحدة بسبب الدعم الأميركي لمسلحين أكراد في سوريا وبسبب التهديد بعقوبات مالية على تركيا بعدما أدانت هيئة محلفين أميركية نائبا للرئيس التنفيذي لبنك تركي تابع للدولة بالتحايل على العقوبات المفروضة على إيران. ودفعت تلك التوترات المدخرات الدولارية في البلاد إلى الصعود مرة أخرى.
كان الأتراك قد تحولوا إلى الدولار بمثل تلك الأعداد الكبيرة في الشهور التي أعقبت الأزمة المالية العالمية ثم في منتصف العام 2013 وحتى أواخر العام 2014. وخسرت الليرة نحو 30 بالمئة من قيمتها خلال الفترة الثانية، فيما كان يرجع جزئيا إلى فضيحة فساد أحاطت بحكومة أردوغان وبدأت في ديسمبر 2013.
وقبيل الأزمة المالية، دعم الدولار شعبية أردوغان. فقد كانت خسائر الليرة أمام العملة الأميركية في 1999-2001 هي ما ساعد في وصوله هو وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه إلى السلطة في الانتخابات في أواخر 2002. وكان الدولار أيضا هو ما أتاح لأردوغان ولبلده الأموال اللازمة لزيادة الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي خلال العقد التالي، وذلك بفضل الإصلاحات التي دعمها صندوق النقد الدولي والعملية الرامية لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وارتفعت الليرة نتيجة لذلك.
والشركات التركية، مثلها في ذلك مثل المستهلكين، معلقة أيضا بالدولار. ففي ظل معدلات تضخم في خانة العشرات في تركيا، من المكلف للغاية بالنسبة للشركات أن تقترض بالليرة. وبلغ متوسط أسعار الفائدة على القروض التجارية حوالي 15.2 بالمئة في المتوسط في نهاية العام الماضي.
ونتيجة لذلك، تحول مسؤولون تنفيذيون بشركات تركية إلى الاقتراض بالدولار واليورو. لكن رغم أن أسعار الفائدة على تلك القروض أقل بكثير، إلا أن الاقتراض بالعملات الأجنبية يترك الشركات عرضة لمخاطر العملات، ولاسيما إذا كانت تلك الشركات تجني أغلب إيراداتها بالليرة وتراجعت قيمة العملة المحلية.
وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن الشركات غير المالية في تركيا لديها حاليا التزامات بالعملة الأجنبية تتجاوز 200 مليار دولار ولا تغطيها أصول مكافئة وهو رقم مرتفع قياسي. كانت تلك الفجوة تبلغ نحو 50 مليار دولار قبل حوالي عشر سنوات.

مخطط اقتصادي للوضع التركي

وبناء على ذلك، فرضت حكومة أردوغان قيودا على الاقتراض في أواخر العام الماضي، لتمنع بعض الشركات من الحصول على قروض بالدولار واليورو.
وعودة إلى اقتراح إرتيم بأن تصدر تركيا عملتها المشفرة الخاصة، فقد أشاد البنك المركزي في نوفمبر بالعملات المشفرة لقدرتها على تعزيز الاستقرار المالي. وتشير تقارير صحفية تركية حاليا إلى أن السلطات ربما توافق على إصدار عملة مشفرة تسمى "التركي".
غير أن فكرة أن تصدر الدول عملات مشفرة خاصة بها مسألة مثيرة للجدل.
ورغم أن شراء وبيع واستخدام العملات المشفرة ليس مخالفا للقانون في تركيا، فقد عبرت إدارة الشؤون الدينية ذات النفوذ الكبير، عن معارضتها حيث أعلنت أن مثل تلك السلع غير متوافقة مع الشريعة الإسلامية كما عبرت عن مخاوفها من استخدام تلك العملات في القيام بأنشطة غير قانونية.
كان رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو قدر روج في يناير لعملة البترو باعتبارهار وسيلة لتعزيز قدرة بلاده على الوصول إلى الأسواق المالية، وفعليا التحايل على العقوبات الأميركية على بلاده. وقالت الحكومة  إن فنزويلا جمعت 735 مليون دولار من بيع أولي للعملات في الأسبوع الماضي.
وفي الخامس من يناير، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أربعة جنرالات سابقين أو في الخدمة في فنزويلا لضلوعهم في فساد وأعمال قمع سياسي. وقالت الوزارة إن ذلك القرار جزء من حملة متواصلة على انتهاكات حقوق الإنسان والفساد الممنهج المزعوم لنظام مادورو.
وعبرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، وهي مؤسسة بحثية مقرها واشنطن، عن قلقها الشديد إزاء سوء الاستخدام المحتمل للعملات المشفرة على يد الدول، حتى أنها طلبت إجراء دراسة خاصة لتحسين فهم كيف يمكن للبترو أن يساعد مادورو في مواصلة تقويض الديمقراطية.
وقالت ميشيلا فراي الباحثة في مشروع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية في أميركا اللاتينية، والتي تساعد حاليا في إجراء الدراسة التي تركز على البترو، لخدمة كوين ديسك الإخبارية المعنية بالعملات المشفرة الأسبوع الماضي إنها تشعر بالقلق من أن إصدار العملة "سوف يواصل إطالة أمد هذه الديمقراطية الزائفة، وليس من شأنه سوى دعم الدكتاتورية المستبدة".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: