تركيا أكبر منتهكي النشرات الحمراء للإنتربول

بدأ هذا الشهر في أوروبا تصوير فيلم الحركة (النشرة الحمراء) من بطولة النجم دواين جونسون، الشهير بـ(ذا روك) أو الصخرة، والذي يجسد فيه دور عميل في الإنتربول يطارد أكثر لصوص الأعمال الفنية المطلوبين في العالم. وقد جرى الترويج للفيلم بالفعل على اعتبار أنه يجمع بين الكوميديا والإثارة والحركة ويحوي مطاردات في عدة مواقع حول العالم. ورغم أن تفاصيل الفيلم لا تزال غامضة، هناك شيء واحد مؤكد بالفعل، وهو أن قصة الفيلم ليس لها أساس في الواقع.
ولكن لكي نكون واقعيين، فإن أي فيلم حركة يدور حول عالم الإنتربول الحقيقي لن يصل حتى إلى مرحلة الإنتاج، ناهيك عن التصوير وإصداره لاحقا، وذلك ببساطة لإن عالم الإنتربول الحقيقي يماثل في إثارته قاعدة بيانات إحدى الشركات. ففي الحقيقة، الإنتربول لا يعدو كونه مركزا لتبادل المعلومات الواردة من كل بلدان العالم تقريبا. لكنه، على خلاف الصورة الشائعة عنه، لا يتولى التحقيق أو التدقيق في معظم المعلومات التي يتلقاها، وبالطبع ليس لديه عملاء يجوبون العالم لمطاردة الأشرار.
ومع ذلك، فإن المعلومات التي يجمعها وينشرها الإنتربول يمكن أن تكون هامة وخطيرة. وباتت الدول غير الليبرالية والسلطوية، مثل تركيا وروسيا، تستغل بشكل متزايد الشبكة الواسعة للإنتربول وغياب الرقابة على المعلومات التي تقدمها تلك الدول لتدمير حياة المعارضين والصحفيين وغيرهم ممن ينظر إليهم باعتبارهم أعداء لتلك الدول. وفي سلسلة قصيرة من المقالات، سأناقش كيف ولماذا يعد نظام الإنتربول قابلا لإساءة الاستخدام، ومن الذي تستهدفه تركيا عبر الإنتربول، وما الذي يمكن عمله لإصلاح المنظمة والحد من هذه الانتهاكات.
في البداية، دعونا نستعرض مقدمة بسيطة. الإنتربول منظمة دولية تضم 194 دولة، أي أكثر من أعضاء الأمم المتحدة. وتأسست هذه المنظمة عام 1956 لتبادل المعلومات حول المجرمين والهاربين. ويجب أن نشير أيضا إلى أن الإنتربول ليس منظمة ذات دور استباقي ولا ينشئ فروعا في البلدان الأعضاء فيها، ولا يحقق في الجرائم المزعومة، ولا يلزم الدول الأعضاء بالتصرف بناء على أي إشعارات أو مراسلات تصدرها الدول الأعضاء الأخرى.
ففي الأساس، الإنتربول هو قاعدة بيانات سرية يمكن لجميع الدول الأعضاء الوصول إليها وتغييرها من خلال التعديل والإضافة والحذف. وتتكون قاعدة البيانات تلك من عدة مستويات مختلفة من الاتصالات والنشرات الملونة، وأشهرها بالطبع هي النشرات الحمراء. ومع ذلك، النشرة الحمراء لا تعد بمثابة مذكرة توقيف ولا تستوفي المعايير القانونية لأن تكون سببا محتملا للاعتقال في الولايات المتحدة.
ويقول ثيودور بروموند، الخبير القانوني في مركز مارغريت تاتشر من أجل الحرية، إن "النشرة الحمراء" هي "طلب رسمي من جانب أحد الأطراف، يكون في العادة مكتب التحقيقات المركزي الوطني لإحدى الدول الأعضاء، لتحديد موقع شخص محدد ومعرف الهوية ومتهم بجريمة معينة، بجانب تأكيد هويته واعتقاله بشكل مؤقت، مع التعهد من جانب الجهة مقدمة الطلب بالسعي إلى تسلم هذا الشخص عند القبض عليه، أو اتخاذ أي إجراء قانوني مماثل مثل ترحيله". ويعمل الإنتربول وفقا لمبدأ السيادة الوطنية، مما يعني أنه يمكن للدول الأعضاء الاختيار بين الاستجابة لأي نشرة حمراء أو غيرها من الإشعارات، أو عدم التصرف على الإطلاق، حسب تقديرها.
ويعني مبدأ السيادة أيضا أن الإنتربول لا يمكنه الطعن، إلا في حالات نادرة جدا، في قانونية الإشعارات أو فرض عقوبات على أعضائه بسبب إساءة استخدام النظام. وتنص المادة الثانية من القانون الأساسي للإنتربول على أن تعمل المنظمة وفقا لروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فيما تحظر المادة الثالثة على الإنتربول المشاركة في "مسائل أو شؤون ذات طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري".
ومن الناحية النظرية، ينبغي لهذه البنود أن تكون بمثابة آلية مراقبة على أنشطة الدول الأعضاء وأن تسمح للإنتربول بمنع النشرات أو المراسلات التي تنتهك هذه المبادئ، بما يشمل على سبيل المثال استخدام نظامه لاستهداف المعارضين السياسيين. لكن على أرض الواقع، نادرا ما يكون ذلك هو الحال. وقال يوري نيميتس، المدير الإداري لأحد مكاتب المحاماة وصاحب مدونة (انتهاكات النشرات الحمراء)، لـ(أحوال تركية) "قواعد الإنتربول تنص على فرض عقوبات على الدول الأعضاء وتعليق عضويتها مؤقتا في حالة ثبوت ارتكابها انتهاكات. لكن من الناحية العملية، هذه العقوبات ليست بالصرامة المطلوبة، ونادرا ما تُطبق".
ووفقا للخبراء القانونيين، فإن إساءة استخدام صلاحيات الإنتربول ليست بالأمر الجديد، لكن الانتهاكات زادت في الفترة الأخيرة بشكل مطرد وعلى نطاق واسع. وقال بروموند لـ(أحوال تركية) "كان النظام بطيئا للغاية لدرجة أنه كان محصنا إلى حد كبير ضد إساءة الاستخدام بسبب انعدام كفاءته. وعلى مدار العقد الماضي، كانت المشكلة الأساسية التي واجهها الإنتربول هي أنه أعطى الأولوية للنمو والكفاءة على حساب التمسك بمبادئه، وهو ما مكن دولا مثل تركيا من استغلال نجاح مساعي المنظمة لتحقيق الكفاءة".
وكان من بين الأشخاص الذين أصدرت تركيا بحقهم نشرة حمراء الصحفي جان دوندار، رئيس التحرير السابق لصحيفة جمهورييت، والذي يعيش في ألمانيا تحت تهديد هذه النشرة منذ أكتوبر 2018.
وقال دوندار"قبل إنشاء نظام الاتصالات الدولية المطور (I-24/7) للإنتربول وخاصة منظومة (آي-لينك) [أنظمة مشاركة المعلومات على شبكة الإنترنت] في عام 2009، لم يصدر الإنتربول سوى عدد قليل جدا من النشرات الحمراء. ويبدو أن إساءة استخدام صلاحيات الإنتربول تحولت بشكل عام إلى ظاهرة في فترة ما بعد عام 2000، وبالتحديد بعد عام 2009". ومن الجدير بالذكر أن النشرات الحمراء كانت تُقدم إلى المنظمة قبل عام 2002 عبر نماذج ورقية.
ووفقا للمحامية ميشيل إستلوند، صاحبة مدونة (المجلة القانونية للنشرات الحمراء) "قبل العمل بمنظومة (آي-لينك)، كان يتعين على الدول الأعضاء تقديم طلباتها لإصدار نشرات حمراء إلى الإنتربول من أجل الموافقة عليها. وفقط بعد أن تتم مراجعة الطلبات والموافقة عليها من قبل الأمانة العامة، يمكن تعميمها في قواعد بيانات الإنتربول وإتاحتها للدول الأعضاء الأخرى. ولكن في ظل النظام الحالي، لا يلزم إجراء مثل هذه المراجعة أو الحصول على موافقة الأمانة العامة قبل تسجيل النشرات الحمراء وتعميمها".
ووفقا لتقارير لجنة مراقبة ملفات الإنتربول، وهي الإدارة المعنية بمتابعة أنشطة الإنتربول الداخلية، لم تكن تركيا فقط ضمن البلدان العشرة الأولى التي تقدمت بطلبات خارجية للإنتربول (بما في ذلك الشكاوى وطلبات الحصول على معلومات ومراجعة الملفات الموجودة)، وإنما أيضا كانت محور عدد متزايد من الالتماسات التي تقدم بها أفراد بشأن قضايا مرفوعة من قبل السلطات هناك. ومقارنة بخمسة التماسات فقط في عام 2012، هناك 46 التماسا جرى تقديمها إلى المنظمة الدولية بشأن تركيا في عام 2017.
ويعتقد أن سجل تركيا في مجال إساءة استخدام صلاحيات الإنتربول بدأ بصورة جدية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان في يوليو 2016. وعلى الرغم من أنها ليست الدولة الوحيدة التي تستغل إمكانات الإنتربول في نشر المعلومات بشكل أسرع وقلة الرقابة داخلها (فهناك أيضا روسيا والصين اللتان تشتهران أيضا بهذه الممارسات)، يمكن القول إن تركيا هي أكبر منتهكي صلاحيات الإنتربول.
وقال بروموند أمام حشد في نقابة المحامين الأميركية في فبراير: "لست متأكدًا ما إذا كانت تركيا هي الدولة الأكثر نجاحا في إساءة آليات الإنتربول، لكنها بلا شك الدولة التي بذلت أكبر الجهود في ذلك الصدد".
وتكشف تقارير أن تركيا قدمت أو حاولت إدخال عدد هائل من الإشعارات والمراسلات وغيرها من المعلومات في نظام الإنتربول في السنوات الأخيرة. ووفقا لخدمة (بي.بي.سي) التركية، حاولت أنقرة تحميل معلومات عن 60 ألف شخص يزعم أنهم على صلة بحركة فتح الله غولن، والتي ألقت الحكومة التركية باللوم عليها في محاولة الانقلاب. ومن المحتمل أن تكون هذه المعلومات قد تضمنت آلاف الأرقام الخاصة بجوازات سفر مواطنين أتراك. ونفى الإنتربول التقارير الأولية التي تفيد بأنه تم تعليق عضوية تركيا بسبب هذا الانتهاك المزعوم، لكن في تصريحات حول هذا الأمر، استشهد الإنتربول بالمادتين الثانية والثالثة من قانونها الأساسي، ما يعني ضمنا أن القضايا تندرج تحت مظلة إساءة استخدام نظامها.
كما استخدمت تركيا أيضا الإنتربول كأداة ضغط على دول بعينها للعثور على أفراد محددين أو احتجازهم. وفي حالة ألمانيا بالتحديد، تقدمت تركيا على مدار فترة تزيد قليلا عن عامين بطلبات لتحديد موقع 57 اسما واعتقال 791 شخصا. ونقل موقع بازفيد الإخباري عن مسؤول بارز في سلطات إنفاذ القانون البلجيكية قوله إن العدد غير المعقول للطلبات المرسلة من جانب تركيا عبر الإنتربول إلى دول الاتحاد الأوروبي التي يقطن بها عدد كبير من المواطنين الأتراك جاء بنتائج عكسية.
وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته "تتجاهل العديد من دول الاتحاد الأوروبي هذه الطلبات، وهو ما شكل سببا رئيسيا للتوتر مع السلطات التركية". وفي سياق تعليقها على اعتقال الكاتب الألماني من أصل تركي دوغان أخانلي في إسبانيا بناء على نشرة حمراء صادرة عن تركيا، قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إن إساءة تركيا لآليات الإنتربول باتت أمرا ملحوظا. ونقلت وكالة أنباء رويترز عن ميركل قولها إن حالة أخانلي كانت للأسف واحدة من حالات كثيرة، وأضافت "لهذا السبب قمنا بتغيير سياستنا تجاه تركيا بشكل جذري في الفترة الأخيرة...لأنه من غير المقبول أن يقوم أردوغان بذلك".
في نهاية الأمر، جرى إطلاق سراح أخانلي وعاد إلى ألمانيا بعد أن فشلت تركيا في تقديم طلب رسمي مبرر لتسليمه. وكانت قضيته قد حظيت باهتمام دولي بسبب تعليقات ميركل، لكن العشرات من الأشخاص الآخرين الذين استهدفتهم تركيا عبر الإنتربول لا يزالون يعانون من عواقب هذه الممارسات التي تنغص عليهم حياتهم، وتحد من حركتهم حول العالم بشكل كبير. وستركز المقالة التالية من هذه السلسلة على الأشخاص الذين استهدفتهم تركيا باستخدام نظام الإنتربول وكيف أثر ذلك على حياتهم.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/interpol/turkey-may-be-worlds-most-prolific-abuser-interpol-red-notices
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.