Nesrin Nas
يوليو 01 2018

تركيا أكثر تشددًا

إننا نعيش أجواء ما بعد انتخابات تقليدية.
حيث الساحة تعجّ بلاعبين كثيرين يقول كل واحد منهم أنا الفائز الحقيقي. وبالطبع يتفق الجميع على أن الخاسر الوحيد في هذه الانتخابات هو حزب الشعب الجمهوري. فالجميع يناقش حال حزب الشعب الجمهوري؛ سواء أكانوا مؤيدين له أو غير ذلك، بل إن مسؤولي حزب العدالة والتنمية الذي خسر من الأصوات بحوالي 10 نقاط تقريبًا مقارنة بانتخابات نوفمبر 2015 يتحدثون عنه أيضًا.
ولا سيما أن الأمل والثقة بالنفس اللتين فجرهما وخلقهما الأداء الاستثنائي لمحرم إينجه قد تحول إلى خيبة أمل كبيرة حين اتضح أن الانتخابات قد خُسرت.
ذلك أن الجماهير المتحمسة التي تدفقت إلى الميادين وملأتها مع محرم إينجه نسيت ظروف حالة الطوارئ، ولو لمدة شهر واحد، وسلمت نفسها إلى حماس الانتخابات وأجواءها. فكان ذلك حماسًا ومشاركة من شأنها أن تضفي الشرعية على الانتخابات بما يعود بالنفع على أردوغان، بالرغم من فرض حالة الطوارئ والظروف المجحفة الجائرة...
غير أننا إثر تطويق الشرطة للمنطقة المحيطة باللجنة العليا للانتخابات يوم إجراء الانتخابات تذكرنا جميعًا، ومن جديد، الوجه الصفيق لحالة الطوارئ التي كنا نسيناها.
أما أردوغان الذي كان لا يهتم بأن تشوب الانتخابات -الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها كمصدر للشرعية- أية شائبة، فقد أعلن فوزه في الانتخابات دون أن ينتظر ولو حتى أن تعلن الجنة العليا للانتخابات النتائج الأولية، تمامًا كما كان حدث بعد الاستفتاء.
في تلك الليلة رأينا أن أحزاب المعارضة أيضًا لم تفكر قط بشأن احتمالية خسارة الانتخابات، وأنها هي أيضًا أسلمت نفسها إلى حماس "الموجة العاتية" مثل كثير من الجماهير. وقد تسبب عدم استعدادها هذا في تعميق خيبة الأمل لدى الجماهير بصورة أكثر.
وكما عجز الحزب المحرك والدافع للمعارضة ومرشحها الرئاسي عن إدارة أزمة خسارة الانتخابات، فقد ترك ناخبوه الذين بث فيهم الأمل ودعاهم أمام اللجنة العليا للانتخابات قبل إجراء الانتخابات -تركهم- بمفردهم تمامًا في مواجهة قوات الدولة، وألقاهم في ظلام مدقع بتصريحاته المتناقضة.
وبالطبع كانت نظريات المؤامرة تتطاير في كل الآفاق والأجواء.
والآن ينبغي أن نخضع تلك الأحداث للدارسة والتحليل بهدوء وروية، وندرس كذلك ما الذي ينتظرنا عقب الانتخابات.
فمما لا شك فيه أن الأولوية بالنسبة للمعارضة تتمثل في أن تحصل على صفح وعفو الناخب التركي الذي يعاني خيبة أمل كبيرة ويعتقد أنه تم التخلي عنه، وأن تعثر على طرق للتواصل مع الناخبين على نحو دائم ومستمر، وليس خلال الانتخابات فحسب. ليس الاندهاش والحيرة، ولا إثارة اليأس ولا اتهام المجتمع كما فعل بعض النواب...
لقد كان حزب الحركة القومية الذي شارك في الانتخابات تحت أجنحة أردوغان الواقية هو المفاجأة في هذه الانتخابات. وبقدر ما كان حزب الحركة القومية أكثر الأحزاب التي لا يمكن التنبؤ بها في كل الانتخابات، إلا أنه خرج مضاعفًا قوته في هذه الانتخابات التي أجريت في كل بيئة عصفت فيها ريح القومية.
ومن المعلوم أن حزب الحركة القومية استفاد في انتخابات 1999من نعم وميزات القبض على عبد الله أوجلان، وفي هذه الانتخابات أيضًا استفاد من رياح القومية التي أثارها حزب العدالة والتنمية. ولقد أسهمت دعوات أردوغان وشعاراته: دولة واحدة، وشعب واحد... وسياسته في "الباب" و"عفرين"، وجنائز الشهداء التي تتزايد يوميًا في أن يغذي شريان القومية الموجود في المجتمع أصلًا حزب الحركة القومية من دون أن يفعل شيئًا قط. كما أن ميزة العتبة صفر التي حققتها المشاركة في التحالف الجمهوري مكنت ناخبي حزب الحركة القومية الذي كان شديد الحرص على أن يكون جزءًا من السلطة من العودة إلى حزبهم.
وعند دراسة توزيع الأصوات على مستوى الولايات يتبين أن غالبية الأصوات التي خسرها حزب العدالة والتنمية في 69 ولاية قد ذهبت إلى حزب الحركة القومية. كما أن المفهوم الأمني المبالغ فيه والمتبع منذ عام 2015 قد خدم حزب الحركة القومية؛ فقد ذهبت إلى هذا الحزب أصوات بعض القرى التركمانية الموجودة في المنطقة وقوات الأمن التي تدفقت على الولايات الكردية.
من جانب آخر فإنه وبالرغم من القيام بمحاولات شتى لقمع أصوات الأكراد فقد تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية 10 % بفضل الأصوات التي جاءت من الغرب، وأصبح ثالث أحزاب البرلمان التركي بنسبة 11.7 % وبــ 67 نائبًا.
نحن الآن أمام تركيا تعيش حالة استقطاب أشد. إن تركيا التي أهدانا إياها أردوغان بعد 16 سنة، والتي سيحكمها باعتباره صاحب السيطرة الكاملة حاليًا على السلطة القضائية والتنفيذية، والسلطة التشريعية بالاتفاق مع حزب الحركة القومية أصبحت بلدًا أكثر صعوبة في الحكم بسبب الانقسام العرقي الحاد والانقسام الأكبر الذي يمثل مركزه أدروغان نفسه..
إن موقف أردوغان الذي خرج في طريقه من أجل الفوز مهما كلف الأمر ليس سهلًا على الإطلاق؛ فمنذ انتخابه رئيسًا للجمهورية وحتى اليوم فقد 11 نقطة من نقاطه دون أن يستند إلى التحالف الذي عقده. كما أنه خسر تحقيق الأغلبية بمفرده في البرلمان. ولهذا السبب فإن حزب الحركة القومية لم يعد شريكًا صغيرًا بالنسبة لأردوغان، وإنما أصبح شريكا مساويًا وندًّا له.
وقد واصل أردوغان مسيرته مؤمنًا بأن التحالفات مصدر القلق والاضطراب، حتى إنه ضحى بحزبه في سبيل هذا، لكنه الآن شريك في تحالف يزعم أنه هو صاحب هذه الدولة الآن. بل إنه شريك شرس للغاية. وبينما أردوغان شريك دولت بهجلي، يصارع العديد من المشكلات القاتلة التي خلقها بنفسه بدءًا من الاقتصاد وحتى السياسة الخارجية؛ فإن بهجلي سيبقى خارج الحكم ويجعل أردوغان يدفع كامل الثمن.
والحقيقة أن دولت بهجلي كشف عشية الانتخابات عن وضع حزب الحركة القومية وموقفه حيث قال "لقد حملنا الشعب مهمة تحقيق التوازن والمراقبة". ولكننا سنجد في الرسالة التي كُتبت إلى أردوغان من قبل علاء الدين جاكجي -المعتقل بسبب تزعمه منظمة إجرامية- وصفًا للشريك الذي اضطر أردوغان للتحالف معه، والخطوط الرئيسية للنظام الجديد في أبسط صورها.
يقول جاكجي في رسالته مخاطبًا أردوغان: "أنت لست مالك الدولة. ومن صوتوا لصالح تحالف الشعب لم يصوتوا لصالح السيد رجب طيب أردوغان... لقد صوتوا للسيد رجب طيب أردوغان من أجل دولتنا التي تواجه مشكلة حياة أو موت، رضوا أم كرهوا. إن من لا يؤيدون حزب العدالة والتنمية ولكنهم صوتوا لصالحه أو جعلوا الناخبين يصوتون لصالحه ليسوا في حاجة إلى سلام أردوغان ولا إلى شكره."
هذه الرسالة تعطي، في الإعلان الذي كان نشره حزب الحركة القومية في صحف عديدة قبل الانتخابات بيومين، فكرة كافية عن العمود الفقري للتحالف الذي سيضع بصمته على النظام الجديد في تركيا، وكذلك تصريحات سليمان صويلو وزير الداخلية التي تستهدف حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، وذكر أسماء 70 سياسيًّا وصحافيَا وباحثًا في الشأن العام وأكاديميًا متهمين بتنظيم حملة افتراءات وأكاذيب ضد حزب الحركة القومية.
الأمر هكذا لدرجة أنه يبدو وكأن حزب الحركة القومية هو من سيحدد المعايير الدقيقة لمشروع تركيا الجديدة الذي أعدَّه حزب العدالة والتنمية.
ومع أن أردوغان كان يمتلك فيما يبدو القدرة على تشكيل "تحالفات متغيرة" لصالح كل قضية في البرلمان التركي؛ إلا أنه هو شخصيًا أفضل من يعلم أن السياسة الأمنية التي يتبعها منذ سنوات قد قضت عمليًا على هذه الاحتمالية في وجود التحذيرات التي صدرت من جناح حزب الحركة القومية.
إن الشريك الوحيد لأردوغان من الآن فصاعدًا هو حزب الحركة القومية، بينما ستكون المشكلات التي تعانيها تركيا خصمه الرئيسي. ولسوف يكافح تحت مقصلة حزب الحركة القومية في مواجهة المشكلات التي سيخلقها بنفسه بدءًا من الاستقطاب الاجتماعي وصولًا إلى الأزمة الاقتصادية.
علاوة على ذلك فإنه بينما كان النظام العالمي الذي تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية يتفتت في الدنيا المتعولمة فقد تراجعت قدرة الولايات المتحدة الأميركية الزعيم الرائد وغيرها من مراكز القوى السياسية على حل المشكلات، وزادت الصراعات الإقليمية، واندلعت الحروب التجارية، وتعالت الجدران القومية والوقائية، وأصبحت تركيا مضطرة للتعامل مع مشكلات خطيرة للغاية.
إن الأمر صعب بالنسبة لأردوغان الذي بدأ يتحرك، في فترة بدأت تتزايد فيها الأنتروبيا، من خلال الاقتصاد الذي يوشك أن يدخل بسبب الطموحات السياسية الجامحة في مرحلة ركود تضخمي تستمر طويلًا، وارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية، وتزايد أسعار الفائدة، وارتفاع معدل التضخم إلى 15 في المائة، ووصول العجز في الحساب الجاري إلى ما يقرب من 6.5 في المائة من الدخل القومي، وارتفاع إجمالي الدين الخارجي إلى 453 مليار دولار، ولكن وضع تركيا أصعب من ذلك بكثير.
آمل أن تتخلص المعارضة من حالة الذهول والدهشة الجاثمة عليها، وتسعى هذه المرة من أجل تحقيق الفوز حقًا، وإقناع الــ 48 في المائة التي لا تتخلى عن الديمقراطية مهما يحدث بأن تكون شريكًا لها في صراع وكفاح طويل الأمد.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: