بول إيدن
سبتمبر 10 2018

تركيا أمام معضلة إدلب

حث مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستافان دي ميستورا كلا من إيران وروسيا وتركيا على "السعي لتجنب حدوث تصعيد عسكري كبير في إدلب". جاءت تصريحات ميستورا قبل هجوم مرتقب من النظام السوري على المحافظة الواقعة في شمال غرب البلاد، في خطوة يعتقد المبعوث الأممي أنها من الممكن أن تثير "عاصفة كاملة" ربما يكون لها آثار سلبية على المنطقة الأوسع نطاقا.

عملت هذه الدول الثلاث على مناطق خفض التصعيد التي حددتها محادثات أستانة وتهدف لإنهاء الصراع السوري من خلال ترتيب عمليات وقف إطلاق نار طويلة الأمد في بؤر التوتر الرئيسية في أنحاء البلاد. لكن في نهاية المطاف، استخدمتها دمشق وداعموها الروس بخبث في شن هجماتهم المتعاقبة على القوات المعارضة للنظام، كان آخرها في منطقتي الغوطة والشرقية ودرعا هذا العام. المنطقة الوحيدة المتبقية التي تتمتع بقدر من الأهمية هي إدلب، التي أقام فيها الجيش التركي 12 نقطة مراقبة تحيط المحافظة. وتسيطر تركيا وحدها على منطقة خفض التصعيد في إدلب.

روسيا وإيران مستاءتان من حقيقة أن الجهاديين يواصلون العمل في محيط تلك المنطقة. بل إن هيئة تحرير الشام، الجماعة الجهادية الرئيسية في إدلب، قامت في أكتوبر الماضي بمرافقة المركبات العسكرية التركية إلى المحافظة عندما بدأت تركيا في إنشاء مواقعها هناك. وتستشيط أنقرة غضبا بدورها من الطريقة السالفة الذكر التي استغل فيها الرئيس السوري بشار الأسد وروسيا الاتفاق الثلاثي.

أيضا، تركيا هي الوحيدة من بين هذه الدول التي لا تريد أن ترى النظام يهيمن على إدلب. فروسيا تصر على أنها ودمشق بحاجة إلى "القضاء على هذه الجماعات الإرهابية" المتبقية في إدلب بينما تشدد إيران، أكبر داعمي الأسد، على أن المحافظة "يجب تطهيرها".

قال نيكولاس هيراس، الزميل في برنامج أمن الشرق الأوسط بمركز الأمن الأميركي الجديد، لموقع "أحوال تركية": "تركيا بلغت ساعة الصفر لاتخاذ قرار بشأن ما تعتزم القيام به في إدلب الكبرى".

وأضاف: "إن أسهل طريق يمكن أن تسلكه تركيا هو التوصل إلى اتفاق مع روسيا من شأنه أن يحافظ على سيطرة الأتراك على عفرين ومنطقة درع الفرات، بينما يمنح روسيا في المقابل سلطة التصرف في إدلب". 

وتابع: "تعرض روسيا تلك الصفقة على تركيا الآن، ومن منظور الأمن القومي التركي الذي لا يكترث للاعتبارات الأخرى فإن هذه الصفقة تصب في صالح تركيا".

في إدلب، باتت هيئة تحرير الشام هي الجماعة المهيمنة منذ أن هزمت جماعة أحرار الشام المدعومة من تركيا في يوليو من العام 2017. في الواقع، كانت هيئة تحرير الشام في السابق هي جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، وهي جماعة متشددة اشتهرت باستبعادها صراحة من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وروسيا في سوريا قبل عامين بجانب تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال البروفيسور غوشوا لانديس، وهو خبير بارز في الشأن السوري ومدير قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، لموقع "أحوال تركية": "العالم يتطلع إلى تركيا لإنقاذ المحافظة من أزمة إنسانية مروعة".

وأشار لانديس إلى أن "تركيا ستحتاج إلى بلورة خطة فعالة لحل الميليشيات الإسلامية المتشددة مثل هيئة تحرير الشام أو دحرها.. (لكن) كيفية القيام بذلك تظلّ لغزا".

بينما حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب دمشق من "التهور بشن هجوم" على إدلب، فإن تهديداته "لم تكن مقنعة ولا مرتبطة بأي عقوبات، ومن ثم لا يمكن لتركيا أن تعول على واشنطن في إحباط هجوم روسي وسوري على إدلب"، وفقا لما ذكره لانديس.

يؤكد لانديس أيضا على أنه لا يمكن التعويل على الأميركيين ولا الأوروبيين "في توفير ملاذ للميليشيات التي قاموا بتمويلها ودعمها في الماضي". وهذا يترك تركيا "وحدها في التفاوض مع روسيا وسوريا والتوسط بينهما وبين عشرات الميليشيات المتمركزة في إدلب".

منذ أن بدأت تركيا في إنشاء نقاط المراقبة في إدلب في أكتوبر من العام 2017، لم تركز على التعامل مع التهديد الذي تفرضه هيئة تحرير الشام، بل ركزت جهودها بدلا من ذلك على محاربة وحدات حماية الشعب الكردية السورية، لا سيما من خلال غزو منطقة عفرين الكردية بشمال غرب البلاد في وقت سابق من هذا العام.

ويقول هيراس: "إن التحدي الذي يواجه تركيا الآن في إدلب الكبرى هو أنها فعلت النقيض تماما من تقليل تعرضها لعواقب هجوم من الأسد على المنطقة".

وأضاف: "لقد نظمت تركيا جيشا بالوكالة من المعارضين السوريين يخضع للقيادة والسيطرة التركية ويريد القتال حتى الموت ضد الأسد وروسيا"، مشيرا إلى أن نقاط المراقبة الاثنتي عشرة في تركيا "داخلة في عمق سوريا ولا يمكن الدفاع عنها بسهولة".

وتابع: "هذه الاعتبارات تزداد سوءا لأن الحرب في إدلب الكبرى تعني توجه مئات الآلاف من السوريين صوب تركيا والتكدس في عفرين ومنطقة درع الفرات".

وحيث أن أقدام هيئة تحرير الشام ما زالت راسخة للغاية في إدلب، فقد يسفر أي هجوم شرس يشنه النظام عن تدفق عدد هائل من السوريين - فهناك أكثر من 2.5 مليون سوري حاليا في المحافظة - عبر الحدود إلى تركيا إذا ما اختارت دمشق تدمير المناطق الحضرية لإلحاق الهزيمة بالمتشددين، وهناك ما يقدر بعشرة آلاف منهم ، مثلما حدث بالمعركة الأخيرة في حلب في العام 2016. وقد نشرت تركيا الدبابات على الحدود السورية لاحقا "في إطار خطة أنقرة الطارئة لاحتواء أي موجة جديدة من اللاجئين بسبب الهجوم الوشيك المنتظر أن يشنه النظام السوري على إدلب".

تقاوم تركيا بشدة مثل هذه النتيجة الكارثية، لكن لم يتضح ما إن كان بإمكانها فعل أي شيء في هذه المرحلة يحول دون الوصول إليها. وقد ساعدت أنقرة ما تبقى من جماعات الجيش السوري الحر في إدلب، التي أشار إليها هيراس، على توحيد صفوفها في مسعى لإنهاء الانقسامات كي تمنحها فرصة أفضل لمقاومة النظام، ويصل قوام هذه الجماعات إجمالا إلى حوالي 30 ألف مقاتل.

ورغم ذلك، ستكون هناك بالتأكيد مخاطرة أن تتدخل أنقرة بالنيابة عن المعارضين لمواجهة الجيش السوري - خاصة مع ما تقدمه روسيا من دعم جوي حاسم لهذا الجيش - من دون تصعيد الموقف أكثر وربما إثارة صراع آخر أوسع نطاقا، لا يختلف عن النوع الذي قد خطر على بال ميستورا. كما أن تزويد القوات المناوئة للنظام في إدلب بالأسلحة الثقيلة في خضم مواجهة من شأنه أن يقوض موقف تركيا المعلن برغبتها في إنهاء الصراع السوري، وقد يضعها من جديد في خلاف جوهري مع روسيا.

وفي الوقت نفسه ، قال هيراس إن "تركيا لا تستطيع التخارج سريعا من إدلب" لأن ذلك قد يدفع الأسد وروسيا إلى تحويل "المنطقة المتبقية لتركيا في سوريا إلى واحدة من أكثر المناطق بؤسا على الأرض".

ويقول هيراس: "أفضل أمل لتركيا هو أن توفر لها إدارة ترامب غطاء دبلوماسيا لإثناء الأسد عن شن هجوم عسكري على إدلب".

وأضاف: "في ظل بعض المساحة المتاحة لالتقاط الأنفاس، يمكن لتركيا أن تبرم صفقة مع روسيا من شأنها تقسيم إدلب الكبرى إلى مناطق، مع ترك المناطق الأكثر توترا والمليئة بالجهاديين للأسد للتعامل معها".

بحسب روايات كثيرة، سيكون هذا الهجوم الوشيك متدرجا على مراحل، بمعنى أنه بدلا من شن هجوم كبير على عاصمة المحافظة، سيفرض النظام والروس ضغوطا على جنوب إدلب - الذي قصفه الجيش السوري يوم الأربعاء بينما قصفت الطائرات الحربية الروسية غرب المحافظة. ويقل نطاق وجود تركيا في هاتين المنطقتين كثيرا عنه في الشرق والشمال.

من شأن ذلك أن يعطي تركيا فرصة لمواجهة هيئة تحرير الشام في الشمال، إما بطريقة مباشرة من خلال تعزيز قواتها الموجودة في المحافظة أو بالوكالة من خلال الجماعات المذكورة سلفا التي ساعدتها على توحيد صفوفها. وحين دعا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى خيار بديل عن شن النظام هجوما كبيرا، شدد الوزير على أهمية "التمييز بين المعارضين المعتدلين والمتطرفين".

وقال: "السكان المحليون والمعارضون المعتدلون منزعجون جدا من هؤلاء الإرهابيين، لذا يجب علينا أن نقاتلهم جميعا". وفي نهاية المطاف، إذا استطاعت روسيا أن تقصر هجوم الأسد على جنوب إدلب، الأمر الذي سيقلل من احتمالات مواجهة تركيا لتدفقات هائلة جديدة من اللاجئين السوريين، ستصبح الكرة في ملعب أنقرة كي تكثف جهودها الرامية لمحاربة هيئة تحرير الشام في الشمال. وإذا نجحت في تحييد التهديد الذي تفرضه هيئة تحرير الشام هناك، سيتسنى لها حينئد نشر المقاتلين السوريين المتحالفين معها في منطقتها وردع دمشق عن الهجوم، بجانب حرمانها من أي ذريعة لمهاجمة تلك المنطقة من أجل القضاء على هيئة تحرير الشام.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 30 أغسطس: "نقوم بعمل مشترك مع الروس والإيرانيين في إدلب لمنع تكرار كارثة حلب". وفي الثالث من سبتمبر، ردد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ما قاله جاويش أوغلو بأن دعا إلى التمييز بين إرهابيي هيئة تحرير الشام وما تبقى من قوات المعارضة المعتدلة. وصرح لافروف قائلا: "نحن الآن نبذل أكبر جهد، مع زملائنا الأتراك، ومع الحكومة السورية، ومع الإيرانيين باعتبارهم مشاركين في صيغة أستانة، للتفريق بين قوى المعارضة العادية المسلحة والإرهابيين على الأرض".

فصل "قوى المعارضة العادية" هذه عن هيئة تحرير الشام سيكون بمثابة استراتيجية أكثر فاعلية بكثير من مجرد قصف الجماعة. وحيث أن تركيا تدعم الكثير من هذه القوات المعارضة، فقد يكون دورها حيويا في أي جهود لتطهير إدلب من هيئة تحرير الشام. وفي نهاية المطاف، فإن المساعدة على الفصل بينهما وتدمير هيئة تحرير الشام قد يعطي تركيا كلمة أكبر في المستقبل المنظور لإدلب.

في السابع من سبتمبر، التقى الرعاة الثلاثة لمحادثات أستانة في طهران لمناقشة حل النزاع السوري. انفرد أردوغان بمعارضته لشن هجوم كبير على إدلب، ودعا إلى وقف إطلاق النار، الأمر الذي رفضته كل من إيران وروسيا. ويقول كريم هاس، المحلل المقيم في موسكو المتخصص في الشؤون الروسية التركية، إن "الكرملين لن يغير موقفه من إدلب".

وقال هاس لموقع "أحوال تركية": "من المرجح جدا أن تبدأ موسكو قريبا في عملية تدريجية ولكنها شاملة في إدلب، ونتيجة لذلك ستخضع محافظة إدلب للسيطرة التامة لنظام الأسد على الأرجح".

وأوضح قائلا "طلب تركيا لعملية محدودة في إدلب لم يلق ترحيبا من السيد بوتين على الأرجح." وأضاف: "وقف إطلاق النار الشامل لا يبدو خيارا واقعيا بالنظر إلى الموقف الحالي لهيئة تحرير الشام، وكذلك هدف دمشق للسيطرة على المحافظة بدعم جوي روسي وجماعات مدعومة من إيران. أتوقع أيضا أن تعمد أنقرة، في أي حال من الأحوال، إلى تغيير موقفها الحالي بعد فترة من الوقت وتخفيفه وفقا لمسار العملية".

وأشار أيضا إلى أن القمة أظهرت "أنه ليس هناك تفاهم مشترك بين الأتراك ونظرائهم الروس حول تعريف الإرهاب". وقد تجلى ذلك من خلال حقيقة أن الإعلان المشترك خلال القمة والمكون من 12 نقطة لم يتضمن أي ذكر لعدو تركيا الرئيس في سوريا، ألا وهو وحدات حماية الشعب الكردية.

وتابع: "لقد تجاهل السيد بوتين كلمات السيد أردوغان حول هذه القضية وآثر عدم الرد... كما أن طلب السيد أردوغان لوضع بند إضافي يدعو جميع الأطراف إلى وقف جديد لإطلاق النار في إدلب جاء بطريقة دبلوماسية ولكنها مريبة رفضها السيد بوتين.

كان من الواضح أيضا أن الثقة المتبادلة بين أنقرة وموسكو لا تزال عند أدنى مستوى لها على الرغم من حدوث تقارب بين الجانبين في العامين الماضيين. هذا أمر يشكل معضلة كبيرة للعلاقات في المستقبل، وتحديدا بعد إدلب".

كما يشير هاس إلى أن القمة أظهرت أن عملية أستانة "كانت في معظمها قائمة على المصالح الروسية، وما زالت مستمرة في مراعاتها".

وأوضح قائلا: "مشاركة تركيا في عملية أستانة عامل يسهل على روسيا تحقيق أهدافها في سوريا... أيضا حققت تركيا بعض المكاسب البسيطة من عملية أستانة، لكن أنقرة – القيادة السياسية التركية – تفقد ماء وجهها بالتاكيد.

كما أشار إلى أن القيادة السياسية التركية ليست في وضع يسمح لها بعرقلة علاقاتها مع روسيا في وقت تدهورت فيه علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى مستوى تاريخي، حيث أن "فتور علاقات أنقرة مع الولايات المتحدة سيصب بالتأكيد في صالح الكرملين خلال عملية إدلب وسيجبر القيادة التركية إما على التخلي عن دعمها لجماعات المعارضة هناك أو على إقناع هؤلاء والجماعات الإرهابية الأخرى مثل هيئة تحرير الشام بحل نفسها بعد مرور بعض الوقت، وهو خيار يبدو أقل احتمالا في الوقت الراهن".

ويقول: "في هذا الصدد، وحتى لا تكون مشكلة إدلب نقطة انهيار بالنسبة لروسيا وتركيا بعد الحفاظ على توازنات دقيقة خلال العامين الماضيين، من المرجح جدا أن تشن موسكو عملية عسكرية شاملة في إدلب في وقت باتت فيه القيادة التركية في أمس الحاجة إلى دعم الكرملين في ظل تعمق الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة... وتوقيت العملية لا يقل أهمية عن الاستراتيجية العسكرية والجاهزية".

واستطرد هاس قائلا إن شهر نوفمبر قد يكون وقتا مناسبا لموسكو لدعم عملية في إدلب كونه يتزامن مع تطبيق العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، والتي سيكون لها على الأرجح تأثير على الأزمة الدبلوماسية القائمة بين الولايات المتحدة وتركيا بسبب قضية رضا ضراب ومحمد حقان عطا الله، واحتمال عدم تقديم واشنطن طائرات إف-35 الحديثة إلى أنقرة في ضوء شرائها لأنظمة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة إس-400.

واختتم هاس كلماته بقوله "يمكن القول إن عامل الوقت يصب في صالح موسكو في أي حال من الأحوال، وقد يختار الكرملين الانتظار حتى أواخر أكتوبر أو نوفمبر لاتخاذ خطوات أكثر شمولا خلال عملية إدلب.. لذا ، إذا بدأت عمليات القصف الشاملة قريبا في إدلب، فسيعني ذلك أن موسكو على شبه يقين من النتائج السلبية لأزمة تركيا المتعمقة مع الولايات المتحدة على أنقرة ولا تخشى رد فعل قويا من القيادة التركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.