تركيا.. أنماط الصراعات الداخلية في الأجهزة الأمنية

ثمة تحولات مركبة شهدتها سياسات تركيا الخارجية وأوضاعها المحلية ترتبط محركاتها الأساسية بنمط العلاقة الصراعية بين تيارات ومراكز قوى داخل العديد من الأجهزة الأمنية. 
أطراف هذه الصراعات أربع مجموعات، تتمثل في الغولانيين أو أتباع حركة الخدمة، والكماليين، أي التيارات العلمانية الليبرالية أو ما يطلق عليهم الأطلسيون، والتيار المحافظ الذي يشمل قاعدة حزب العدالة والتنمية، وهي مجموعات تتسم بالرجعية الدينية، و"الأوراسيين الجدد"، نسبة إلى التيار اليسار القومي.
موازين القوى بين هذه التيارات المتنافسة داخل المؤسسة العسكرية تمثل المعادلة التي تحدد هوية هذه المؤسسة واتجاهاتها، كما تصوغ مسارات سياسات تركيا الخارجية، فضلا عن طبيعة الحكومات القائمة ونمط ممارساتها على الساحة المحلية. 
خلال العقود الخالية لم تتوقف الصراعات الداخلية ولم تنته أزمة هوية المؤسسة العسكرية التركية، غير أن الانضباط العسكري والإدارة الصارمة للقيادات العليا (الأطلسيون) ذات التعليم الغربي، وسيطرتها على الرتب المتوسطة والناشئة (الأوراسيين والرجعيين)، جعل هذه الأزمة تعكس تباينات محدودة وصراعات مكتومة.
تحولت هذه التباينات والصراعات إلى أزمة مكشوفة عقب محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، جراء الخلل الذي شهده الجيش بعد تراجع أدوار الأطلسيين الذين سيطروا على المؤسسات الأمنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ورغم محاولة الحفاظ على المواقع القيادية للأطلسيين عبر تفجير قضية "أرغنيكون" والتي أفضت إلى اعتقال المئات من قيادات الجيش غير المحسوبين على الغرب، بدعوى التخطيط لعمل عسكري، غير أن تصاعد مظاهر تحالف الرجعيين مع الأوراسيين والإفراج عن الكثيرين من قادة أرغنيكون، عجل بمحاولة الانقلاب كمحاولة أخيرة للحفاظ على النفوذ داخل الجيش.
 فشل الانقلاب أفقد حلفاء واشنطن من الأطلسيين نفوذهم في هيئة أركان الجيش التركي، والذي بات خاضعا على نحو كامل للتيار الرجعي والزمرة الأوروآسيوية، والتي أطلقت بدورها اتهامات صريحة وعلنية لوكالة الاستخبارات الأمريكية بالضلوع في قضية أرغنيكون ومحاولة الانقلاب العسكري في تركيا.
الزمرة الأورآسيوية ليست مصطلحا دارجا أو مألوفا خارج تركيا، لكنه ليس جديدا أيضا على تركيا ذاتها، وهي مجموعة تكن العداء للأطلسيين الذين يعتقدون أن مصالح أنقرة الاستراتيجية ترتبط بتوثيق التحالف مع واشنطن وحلف الناتو. 
ويرتبط التيار الأوراسيوى بحزب الوطن - حزب يساري صغير وغير ممثل في البرلمان – بقيادة دوغو بيرينشك، وهو شخصية معادية للغولانيين والنخب الموالية للغرب على حد سواء، وتحالف مع التيار الديني القومي الذي يدعم حزب العدالة والتنمية داخل الجيش التركي.
اشتداد حدة الصراع بين أتباع أردوغان وتيار غولن أسهم في تشكيل تحالف استهدف منه داعمو أردوغان القضاء على وجود الخدمة داخل كافة مؤسسات الدولة والحفاظ على العلاقة بين العدالة والتنمية وقاعدته الاجتماعية.
مقابل ذلك استهدفت مجموعة برينشيك القضاء على ما يطلقون عليه "دمي في يد الغرب" من تيارات ترتبط بالتوجهات الغربية، بما أعاد صوغ نمط سياسات تركيا حيال الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وروسيا.
على الرغم من التوترات التي شهدتها العلاقات مع موسكو بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، غير أن المبعوث الرئاسي التركي، إلى الرئيس الروسي، كان دوغو بيرينشيك نفسه، والذي استطاع إقناع فلاديمير بوتين بأن ثمة مؤامرة من قبل قيادات محسوبة على واشنطن داخل الجيش استهدفت من حادثة الطائرة تفجير صراع بين البلدين.
يتحرك الأورآسيويون الجدد على الساحة الخارجية وفق نمط إدراكي يسيطر عليهم، هو أن ثمة مؤامرة غربية تستهدف إقامة دولة كردية على حساب الجغرافية التركية.
 يستوجب هذا التحدي بالنسبة لهذا التيار التحرك من أجل تصعيد أدوار تركيا العسكرية في الساحات المجاورة، ويستدعي أيضا الاعتماد على تقديرات هيئة أركان الجيش وليس الخارجية. قد يفسر ذلك أسباب قيام رئيس الأركان التركي، خلوصي أكار، باستباق زيارة أردوغان الأخيرة إلى طهران، وليس وزير الخارجية التركي. 
العلاقات مع موسكو بدورها تشهد تطورات متلاحقة بفعل سياسات الأوراسيين، الذين صاغوا موقف تركيا فيما يتعلق بسحب المعارضة السورية من مدينة حلب في سوريا، والتلويح بالعمل العسكري لمنع انفصال كردستان العراق، وكذلك التحرك الميداني حيال العديد من مدن سوريا ومن بينها مدينة عفرين.
صاغ هذا التيار أيضا استراتيجية التحرك في مواجهة سياسات العزلة التي حاولت الدول الغربية فرضها على أردوغان، حسب تقديراتهم، عبر اتفاقات ضخمة مع روسيا فيما يخص مشروعات البنية التحتية، حيث الاتفاق على إنشاء مفاعلات نووية في تركيا، وإقامة خط أنابيب تركستريم.
شمل ذلك أيضا الاتفاق بشأن منظومة الدفاع الروسي S-400، والذي يستهدف توسيع هامش المناورة أمام تركيا في مواجهة دول الناتو، وفي ذات الوقت مواجهة أي محاولة انقلابية مستقبلية، وذلك في ظل الأدوار المركزية التي اضطلعت بها القوات الجوية التركية في محاولة الانقلاب في يوليو 2016.
الأورآسيويون تيار براجماتي رغم كونه علمانيا متطرفا، فإنه يتحالف مع التيار الرجعي، من منطق التحالفات المرنة التي أفضت إلى غض الطرف مؤقتا عن سياسات تديين الأجهزة الأمنية عبر السماح للمحجبات بالدخول إلى الجيش التركي وأجهزة الأمن المختلفة وتوحيد الكليات العسكرية، وإحكام السيطرة عليها عبر قيادات مدنية ترتبط بالرئيس التركي. 
يستهدف الأورآسيويون من ذلك التمتع بحرية الحركة على الساحة الخارجية، بهدف الابتعاد عن حلف الناتو، وإقالة كافة الكوادر المحسوبة عليه داخل الجيش التركي، بما أفضى إلى تعيين كوادر غير مؤهلة وإقالة قيادات تتمتع بالخبرة القتالية.
ووفق وكالة الاستخبارات الأوروبية فإن الرئيس التركي كان قد خطط لهذه الإقالات قبل يوليو 2016، غير أن محاولة الانقلاب الاستباقية لإجرائه سّرعت من وتيرة الإقالات والاعتقالات اللاحقة لقيادات الجيش والأجهزة الأمنية التركية الأخرى. كما أفضت إلى توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات والشرطة التركية. 
عزز الرئيس التركي بإيعاز من حلفائه الجدد أيضا من حضور شركة الأمن الخاصة "صادات" – شركة الأمن الخاصة الوحيدة بتركيا - والتي لعبت أدوار رئيسية في إجهاض محاولة الانقلاب، كما عين رئيسها عدنان جولستنجي- أحد ضباط الجيش الذين تمت إقالتهم للتشدد الديني– في منصب كبير مستشاريه، وذلك بعدما تضاعفت صلاحيات عناصر شركته، ليطلق عليها البعض "الحرس الثوري الأردوغاني" في تركيا. 
تصاعد الأدوار العسكرية لتيارات سياسية متنافسة بالأساس ينذر بمشكلات محتملة قد تفضي إلى تحولات دراماتيكية في سياسات تركيا الخارجية، والتي غدت تٌظهر نزعة قومية متطرفة تنزع إلى استخدام الأدوات العسكرية لتحقيق المصالح وترسيخ النفوذ في مواجهة حلفائها التقليديين، وذلك على نحو قد يكون له ارتدادات عكسية لن تقتصر في الغالب على مصالح تركيا في الإقليم، إنما قد تطول أيضا الأوضاع السائدة على ساحتها المحلية.