يحيى مدرا
مايو 12 2018

تركيا.. أي تحالف انتخابي يخلو من "الشعوب الديمقراطي" عاقبته الفشل

 

إثر الإعلان عن إجراء الانتخابات المبكرة، أو بتعبير أفضل "العاجلة"، في 24 يونيو القادم استعادت أحزاب المعارضة نشاطها وحراكها الذي سبق وأظهرته خلال استفتاء 16 أبريل 2017، بل إنها زادت عنه؛ إذ بدأت تبحث عن طرق كي تَحُولَ دون فوز أردوغان في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بغالبية الأصوات بنسبة 1 زائد 50 %.
وتسعى أحزاب المعارضة التركية إلى جمع أكبر عدد من الأصوات بقدر المستطاع؛ وذلك تحسبًا لحدوث أية حيلة أو تزوير في الانتخابات؛ ومن ثم يمكن للفارق في الأصوات غلق الفجوة التي قد تنشأ بين الأصوات الداخلة في صناديق الاقتراع والخارجة منها.
وتبدو أحزاب المعارضة وكأنها ستتفق فيما بينها على أن تتابع عملية فرز الأصوات التي ستجرى مساء يوم 24 يونيو. وإلى جانب التعديلات الأخيرة التي تم إجراؤها في قانون الانتخابات (إعادة توزيع قوائم صناديق الاقتراع، وتعيين مسؤولين حكوميين رؤساءً لصناديق الاقتراع، وتمكين أي مواطن من استدعاء قوات الأمن) فإن سجن الآلاف من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي يثير المخاوف من أن هناك عملية تزوير ستحدث في الانتخابات؛ لا سيما في الولايات الكردية.
غير أن قضية "التلاعب في الانتخابات" لا تقتصر على يوم الانتخابات وليلتها فحسب بالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي (وبالنسبة للأحزاب الأخرى أيضًا)؛ فالحملات الانتخابية نفسها تتعرض دائمًا للتدخل والعرقلة من جانب قوات الأمن، والإدارات والعصابات المدنية.
وأغلب الاحتمالات تشير إلى أن الحزب الصالح وحزب الشعب الجمهوري أيضًا سيكونان في مرمى الهدف هذه المرة، ولا سيما من جانب المقاتلين القوميين المرتبطين بحزب الحركة القومية حليف حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات.
تشهد الساحة السياسية حاليًا نظام معادلات معقد يجب على المعارضة فَكُّ رموزه. فهناك ثلاثة انتخابات مختلفة تستلزم استراتيجيات مختلفة. وبالطبع ينبغي تصميم تلك الاستراتيجيات وتنفيذها بشكل متناسق، ولكن المرحلة مرحلة دينامية ويجب إنتاج حلٍ لكل مشكلة على حِدَة في كل واحدة من تلك الانتخابات الثلاث.
الانتخابات الثلاثة هي: الانتخابات البرلمانية، والجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، والتي ستجرى في شهر يوليو، وبعد أسبوعين من الجولة الأولى في حال عجز أيٌّ من المرشحين عن الحصول على غالبية الأصوات بنسبة 1 زائد 50 %.
أما بالنسبة للانتخابات العامة فالخيارات مفتوحة؛ فإما أن يشارك كل حزب من أحزاب المعارضة في الانتخابات منفردًا، وبالتالي لن يتعرض لخطر عدم تجاوز العتبة الانتخابية التي تمثل نسبة 10 % فحسب، بالإضافة إلى أنه سيترك حوالي 40 مقعدًا إضافية إلى الحزب أو التحالف الفائز.
وإما أن توحد تلك الأحزاب قواها فتشارك في الانتخابات من خلال مقترحها بتخفيض العتبة الانتخابية إلى نسبة "الصفر في المائة"، وهي بذلك ستفوز بمزيد من المقاعد في البرلمان؛ أي إنَّ الأمر لن يقتصر على مجرد تحقيق عدالة التمثيل البرلماني التي من شأنها أن تمكن كافة أعضاء التحالف من دخول المجلس. وإذا كنا سنستخدم لغة نظرية المؤامرة؛ فإن الاستراتيجية الثانية الغالبة هنا لا تنطوي على نتيجة سلبية بالنسبة للأطراف المشاركة في تحالف تشكله أحزاب المعارضة.
ومع ذلك فإن السياسة ليست مجالًا يمكن اختزاله في مجموعة من الحسابات العقلية، وكما هو متوقع فإن الحزب الصالح يبدو عازمًا على استبعاد حزب الشعوب الديمقراطي من مقترح "الصفر في المائة" الذي يُسعى لإنجازه كحلٍّ خلال الجدول الزمني الضيق المقبل.
ولكن أي تحالف يستبعد حزب الشعوب الديمقراطي تحالف عاقبته بالفشل؛ لأنه يكون بذلك قد خضع لتحالف "يني قابي" الذي بُني في أساسه على منع الأكراد من ممارسة السياسة، كما وافق على ممارسة اللعبة في إطار الحدود التي رسمها أردوغان ودولت بهتشه لي.
بيد أن النقاش الدائر بشأن الانتخابات الرئاسية يبدو أكثر تعقيدًا. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سيكون هناك مرشحون مختلفون أم أن تحالفًا سيتم تشكيله ضد ترشح أردوغان؟ إن المدافعين عن ضرورة وجود مرشح واحد للمعارضة في الجولة الأولى كانوا يبدون -حتى الأمس القريب - متفقين على خيار واحد: إنه عبد الله غول.
وكان المدافعون عن ترشح عبد الله غول يرون أنه في حال تلقيه دعمَ حزب السعادة والحزب الصالح وحزب الشعب الجمهوري سوف يصوت لصالحه الأكراد، بل وناخبو حزب العدالة والتنمية الساخطين على حزبهم. ومع ذلك لم يستطع الراغبون في ترشيح غول إقناع ميرال أكشنر التي ترشحت بنفسها، وكذلك حزبَ الشعب الجمهوري وقاعدتَه الشعبية، وهو الحزب الذي يعتبر عبد الله غول نوعًا "مقبولًا" من أردوغان، ولا إقناع عبد الله غول ذاته الذي لا يستطيع أن يجد في نفسه الإرادة السياسية التي يمكن أن يظهر بها كمرشح رئاسي، فاعتذر عن الترشح.
في ظل هذا التقويم الانتخابي السريع خسرت المعارضة الوقت في محاولة إقناع عبد الله غول وجمهور المعارضة بترشح غول. وهنا تبدو المعارضة لا تمتلك فرصة لدخول الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بمرشح واحد.
ولكنني أرى أنه لا داعيَ لضياع مزيد من الوقت هنا، كما أنَّ الطرح المعارض الأقوى الذي يمكن تبنيه إزاء المدافعين عن إعلان مرشح واحد من قبل المعارضة في الجولة الأولى هو القيمة الجوهرية للخيار الثاني: فنجاح كل حزب سياسي في إعلان مرشح خاص به وتحريك قاعدته الشعبية في الجولة الأولى لن يؤدي إلى زيادة حظه في تحقيق الفوز في الانتخابات العامة فحسب، بل وسيغير معنى الجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية أيضًا.
إن الانتخابات الرئاسية التي يشارك فيها العديد من المرشحين والعديد من أصحاب المواقف السياسية يجب ألا نغفل قدرتها على محاصرة رغبة أردوغان في قمع التعددية وحلمه تأسيس نظام "الرجل الواحد" بشكل غير طبيعي، ويجب عدم إضاعة تلك الفرصة.
قد يكون بعض الأتراك القوميين وأنصار أردوغان راغبين في نظام رجل واحد هكذا. غير أن غالبية الشعب التركي المجروح والمقموع تحتاج إلى متنفس للتعبير عن آرائها المعارضة والكشف عن إرادتها الخاصة دون عمل حساب للانتخابات.
جدير بالذكر أن حقيقة احتمالية امتداد الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية توفر هذه الفرصة. وعلى أية حال؛ فإن إجراء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أو عدم إجراؤها، مرهون بقدرة أحزاب المعارضة على تحريك تلك الغالبية من الجماهير وإثارتها بشكل فعال خلال الفترة الزمنية المقبلة، والتي تبلغ أقل من شهرين.
ومن ناحية أخرى فإن مُعامِلات الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية ستتغير إلى حد كبير حسب نتائج العمليتين الانتخابيتين السابقتين عليها، حتى وإن ظهرت أمامنا كمعادلة مختلفة يلزم حلها. ومهما كانت قوة الرغبة في تنظيم الاستراتيجية الانتخابية مسبقًا في إطار تناسق مبني على الانتخابات الثلاث؛ فإن السياسة ليست عملًا يمكن اختزاله في مجرد حسابات؛ فإمكانية تغيير الأرضيات السياسية نتيجة للأعمال التي يضطلع بها مختلف الفاعلين السياسيين عملية "أدائية".
الأكثر من ذلك أن قانون الانتخابات الجديد يسمح للمرشح الذي يأتي في الترتيب الثاني بالتنازل عن ترشحه نفسه لصالح المرشح الذي يأتي الثالث. وعند وضع هذه الحرية في عين الاعتبار فإنه يكفي كافة الأحزاب المعارضة أن تقول هذه الجملة: عديد من المرشحين في الجولة الأولى؛ ومرشح ديمقراطي واحد في الجولة الثانية.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/hdpyi-disarida-birakan-ittifak-basarisizliga-mahkumdur