إدوارد لمون
مارس 20 2018

تركيا.. إساءة استغلال الإنتربول لملاحقة المعارضين في الخارج

في أواخر فبراير 2018، ألقت الشرطة التشيكية القبض على صالح مسلم، الرئيس المشارك السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري الذي كان يحضر مؤتمرا بشأن سياسات الشرق الأوسط في براغ. وتتهم الحكومة التركية مسلم بالإرهاب. وجرى احتجازه بناء على مذكرة حمراء من الشرطة الدولية (الإنتربول) وهي مذكرة ترسلها إلى الدول الأعضاء لمطالبة الشرطة باعتقال مجرم مطلوب. وتم إطلاق سراحه بعد يومين من الاحتجاز.
لم يكن الجميع محظوظين لهذا الحد. ففي أكتوبر 2016 تم ترحيل الطبيب مراد أكار (46 عاما)، الذي كان يعمل أستاذا واستشاريا في قسم طب الأشعة بجامعة الملك حمد في البحرين، إلى تركيا برغم حصوله على حق اللجوء من خلال الأمم المتحدة. وسُجن أكار بتهم بالضلوع في محاولة الانقلاب في 2016.

ومنذ الانقلاب الفاشل في 2016، زادت تركيا محاولاتها لاستخدام الإنتربول في ملاحقة منتقديها في الخارج، لاسيما أولئك المرتبطين بحركة غولن التي تتهمها أنقرة بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب. وبعد فترة وجيزة من محاولة الانقلاب، ذكرت تقارير أن الحكومة التركية أرسلت أسماء 60 ألف مواطن مطلوب يعيشون في الخارج إلى الإنتربول.

وبعد اعتقال الكاتب التركي دوغان أخانلي في إسبانيا في أغسطس 2017 بناء على مذكرة حمراء، انتقدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أنقرة لما وصفته بإساءة استغلال الإنتربول. لكن ليس فقط الدول ذات النفوذ مثل الصين وتركيا وروسيا هي التي تسيء استغلال الإنتربول لملاحقة منفيين، فجمهورية طاجيكستان الفقيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي أصدرت أكثر من 2500 مذكرة حمراء ضد مواطنيها، أي أقل فقط بواقع 500 مذكرة عن الصين فيما أسفر عن اعتقال نشطاء في اليونان وإسبانيا وتركيا ومولدوفا وأوكرانيا.
ويبقى الإنتربول من حيث نظامه الأساسي محايدا سياسيا. فالمادة الثالثة من النظام الأساسي للمنظمة تقول إنه "يحظر تماما" على الدول الأعضاء استخدامه لملاحقة مجرمين يواجهون تهما "ذات طبيعة سياسية". وتقول المنظمة على موقعها الإلكتروني إن المذكرات الحمراء تصدر بشأن من "يشتبه في ارتكابهم جريمة لكن لم تتم بعد محاكمتهم ومن ثم تجب معاملتهم كأبرياء إلى أن تثبت إدانتهم". لكن ليست كل الدول الأعضاء يمكن أن تضمن محاكم عادلة لمن يتم ترحيلهم من خلال نظام الإنتربول وكثير من تلك الدول يسيء استغلال هذا النظام.
وأثار انتخاب مينغ هونغ وي نائب وزير الأمن العام الصيني رئيسا للمنظمة في نوفمبر 2016 قلقا واسع النطاق داخل مجتمع حقوق الإنسان. ولن يكون هونغ وي، الذي لاحق معارضين من خلال الإنتربول، معنيا بإدارة الشؤون اليومية للمنظمة. لكن المنظمة قالت إنه سوف "يقدم إرشادات وتوجيهات للمنظمة".

وأغلب الحكومات الديمقراطية غير مستعدة لترحيل أفراد إلى الدول التي يمارس فيها التعذيب على نطاق واسع وذلك اتفاقا مع مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي. وملاحقة المنتقدين من خلال الإنتربول تبدو بلا فائدة. لكن وضع شخص ما على قائمة الإنتربول للمطلوبين يمكن أن يدمر حياته، حيث يصعب عليه فتح حساب مصرفي أو العثور على عمل أو السفر.

وكثير من اللاجئين يبقون على قوائم الإنتربول بالمطلوبين لفترة طويلة بعد حصولهم على وضع اللجوء. ووضع معارض سياسي على قائمة الإنتربول له بعد رمزي مهم لدى الحكومات الاستبدادية، إذ أنه يعطي شرعية لفكرة أن هؤلاء الناس مجرمون وخونة وإرهابيون.
وتوجد مشكلتان كبيرتان فيما يتعلق بكيفية تعامل الإنتربول مع مذكرات الاعتقال. فهو لا يراجع بشكل ملائم طلبات الحكومات قبل إصدار مذكرة حمراء. ورغم إجراء فحوص، إلا أن العملية تستند إلى حد بعيد على الاعتقاد بحسن نوايا البلد مقدم الطلب. ويكمن جزء من المشكلة في مسألة الطاقة الاستيعابية. فقد زاد عدد المقيدين بقاعدة بيانات الإنتربول بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية.
فبينما تم إصدار 1277 مذكرة اعتقال في 2003، تمت إضافة 10718 اسما إلى قاعدة البيانات في 2014. وفي الوقت الحالي، تضم قاعدة بيانات الإنتربول أكثر من 120 ألف اسم. وبالنسبة لمنظمة يعمل بها زهاء 700 موظف، فإن تطبيق الفحوص اللازمة يبقى أمرا صعبا. وثانيا، لم يؤسس الإنتربول نظام استئناف ملائم يمكن من خلاله للمستهدفين تفنيد التهم الموجهة ضدهم.

ولجنة الرقابة على محفوظات الإنتربول، المسؤولة عن حماية بيانات المنظمة، تفتقر للشفافية وبطيئة فضلا عن أن كاهلها مثقل بالأعباء. وكثير من المنفيين لا يعرفون أن مذكرة حمراء صدرت بحقهم إلى أن يتم اعتقالهم على الحدود أو يتم رفض منحهم بطاقة اتئمان. كما أن إزالة اسمهم من قاعدة البيانات عملية طويلة ومضنية.

وفي السنوات القليلة الماضية، وبعد انتقادات من منظمات منها (المنظمة الدولية للمحاكمات العادلة)  ومن شخصيات بارزة مثل بيل براودر، اتخذ الإنتربول خطوات إيجابية للحيلولة دون إساءة استغلال النظام. ففي 2015، استحدثت المنظمة سياسة تهدف لمنع التعامل مع المذكرات الحمراء إذا تم منح الشخص حق اللجوء في البلد الذي يستضيفه أو أو إذا كان الشخص يخشى التعرض للاضطهاد في بلده.
ورغم أن تلك السياسة لا تطبق بشكل ثابت، فقد استفاد منها بعض من يواجهون اتهامات. فقد صدرت مذكرة حمراء بحق محي الدين كبيري زعيم حزب المعارضة الرئيسي في طاجيكستان، حزب النهضة الإسلامية، في سبتمبر 2016. وصنفت حكومة طاجيكستان الحزب منظمة إرهابية في 2015. كما اتهمت الحكومة كبيري بالفساد وهي تهم تقول منظمة هيومن رايتس ووتش إنها "ذات دوافع سياسية".
وفي مطلع 2018، حذف الإنتربول المذكرة الحمراء الخاصة بكبيري من قاعدة بياناته بعدما قدم طعنا يستند إلى حصوله على حق اللجوء في بلد تابع للاتحاد الأوروبي. 
وينبغي للإنتربول عمل المزيد لحماية نفسه من إساءة استغلال الحكومات المستبدة له. وتعكف قوة مهام جديدة تابعة للإنتربول حاليا على مراجعة 40 ألف مذكرة حمراء لتحديد ما إذا كانت دوافعها سياسية أم لا. وسيشكل حذف الآلاف من طلبات الاعتقال تلك خطوة مهمة لمنع الحكام المستبدين من إساءة استغلال النظام لاستهداف المعارضين في الخارج.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: