Nesrin Nas
نوفمبر 23 2017

تركيا .. إضفاء الطابع المؤسسي على الفقر

ووفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن توزيع الدخل في البلدان الأعضاء وصل ذروة اللا عدالة على مدى السنوات الثلاثين الماضية، حيث تحتل تركيا المركز الثالث بعد تشيلي والمكسيك.

ووفقا لتقرير الثروة العالمية لمصرف كريدي سويس، ارتفع عدد أصحاب المليارات بتركيا ضمن "الخماسي ذو الاقتصاد الهش"، في حين انخفضت الثروة الإجمالية بتركيا.

إذا كانت الغالبية العظمى من مواطني دولة ما تعيش على خط الفقر، وإذا معظم الدخل يقع في أيدي أقلية صغيرة جدا، وإذا يتم فرض الضرائب والحوافز الأخرى فيما يتعلق فقط بأولويات واحتياجات هذه الأقلية، وإذا تم إضفاء الطابع المؤسسي على البطالة، وإذا انهارت البنية التحتية الصناعية التي تخلق توزيعا مساو للدخل – حيث خرجت تركيا من قائمة الدول الصناعية العالمية عام 2010م -، وإذا كان الكسب بغير عمل هو مصدر الثراء بالدولة فهذا يعني هذه الدولة تتلوى بين مخالب الظلم.

فمثل هذه الدول ليست غنية أو ذات اقتصاد متطور.

ليس السبب في فقر هذه الدول هو جغرافيتها أو ثقافتها أو جهل مواطنيها ورجالها السياسيين. بل السبب الرئيسي هو عدم شفافية ومساءلة وتعددية المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية التي تتمتع بها الدولة.

وقد تجاوزت تركيا دول المنظمة الـ 34 بمعدل الفقر البالغ 28.5%.

أصبحت حصة أفقر 10% في بلادنا من الدخل 2.5%، أما حصة أغنى 10% من الدخل 31.7%. وهكذا وصل فرق الدخل بين أغنى 10% وأفقر 10% بتركيا إلى أكثر من 15 ضعف.

والأسوأ من ذلك هو فقر الشباب المتزايد.. حيث بلغت نسبة البطالة بين الشباب 25% وعلى هذا أصبح الفقر النسبي للشباب في تركيا هو أسوأ ما في المنظمة.

إن 28.5% من الفئة العمرية 0 – 17 فقراء. وهذا الفقر على مستوى يحرمهم من أي نوع من الفرص لتغيير حياتهم، مثل التعليم المؤهل والصحة والعمل والبيئة.

أي إنهم فقراء لأنهم فقراء.

أما السلطة السياسية حبيسة جدول أعمالها الغير مُجد، ترى هذا الفقر وسيلة تُحصٍن به سلطتها حتى لو كان لتدمير مستقبل مجتمع ما عمدا، الأمر الذي من شأنه أن يعجل بكل نوع من أنواع الراديكالية.

وحلقة مُفرغة مثل هذه تُقيٍد نمو عدم المساواة في الدخل، وعدم المساواة في الدخل في النمو المنخفض أيضا.

وفقا للمنظمة فإن تركيا فقدت بين عامي 1985 – 2000 نسبة 4.6% من نموها بسبب عدم المساواة في الدخل. لأن عدم المساواة في الدخل يُقلل من فرص تعليم الفئات المحرومة. كما إنه يُقلل من تواتر تغيرات الفصول الدراسية. فالأفراد لا يستطيعون تطوير مهاراتهم ولا يمكنهم خلق قيم مضاعفة.

فكلما انخفض الإنتاج ذو القيم المضاعفة، انخفضت القدرة التنافسية للدولة، وتتحول الحواجز التجارية ضده، ويتزايد العجز الخارجي والداخلي.

وفي النهاية ليس هناك خيار سوى أن ينتهي الأمر بالقوة التنافسية العالمية ومؤشر الحياة الكريمة أن يسقطا إلى الحضيض بسبب القوى العاملة الغير مؤهلة المتبقية بالدولة.

إن الاضطراب الاجتماعي الناجم عن الفقر الدائم ونموه في الدول التي لا تملك موارد طبيعية مثل تركيا والتي رأس مالها البشري هو مصدر ثرائها الوحيد، يُمهد الطريق أمام السياسة لإلقائها على حدود الراديكالية وحتى العنصرية أيضا. كما تفتح مجالا واسعا للاستبدايين والشموليين والشعبويين الذين يقولون إنهم سيعيدون توزيع الدخل والثروة. 

والأهم بالنسبة للقادة الشعبويين هو أرقام النمو المذهلة قصيرة المدى، وليس التنمية طويلة المدى. ولهذا السبب، لا يركزون على النمو المستدام، بل يركزون على الأرباح دون عمل ونموها نموذج مهم يُركز على الإنشاء والتعمير.

ولكن الاقتصاد الذي يعتمد على الربح بدون عمل وأسواق الاقتراض ورغبة عدد قليل من الأغنياء في الاستثمار والاستهلاك بدون تأمين النمو الاقتصادى المستدام، لا يمكنه تأمين الثروة المناسبة، مثل عدم تأمينه العدالة في الدخل؛ لأن النمو الاقتصادي المستدام يتطلب دائما الجهد والأرض والابتكارات التكنولوجية التي تجعل من رأس المال الثابت (المباني والآلات) أكثر إنتاجية.

لا تعني التكنولوجيا آلات أفضل وأسرع فقط. بل تعني الموارد البشرية المؤهلة والمدربة، والمعلومة العلمية التي تمكننا من التقدم وخلق قيم مضاعفة، والتدريب الوظيفي الذي يمكننا من تطبيق هذه التقنيات في ساحات العمل المختلفة.

وهنا تبرز أهمية قيام منظمة حكومية واضحة مُساوية في الشروط وشفافة وخاضعة للمساءلة وديمقراطية وتعددية.

والنمو الاقتصادي المستدام هو أيضا نمو ينتج قيمة مضاعفة. وإذا انخفضت حصة الصناعة التي تخلق قيم مضاعفة في الاقتصاد الكلي، فإن الدخل الحقيقي لغالبية العاملين يقل أيضا بنفس المقدار. ومع ذلك فإن نمو الإنشاءات يعتمد على قوى عاملة غير مدربة. والقوى العاملة الغير مدربة تعني أجر أقل.

وعلاوة على ذلك إذا تم تدوال الثراء مع الكسب الغير مشروع من الإنشاءات بمقياس كبير مثلما نعيش في تركيا، فإن التعمير والضرائب والحوافز والسياسات المالية ستفتح الطريق أمام تجمع الثروة وبالتالي القوى السياسية في أيدي معينة.

وهذا يُقوٍض توزيع الدخل من ناحية، ومن جهة أخرى يمهد الطريق لبناء هيكل سياسي يجمع القوة التي لا تُجبر توزيع الدخل على التغير في أيدي سلطات معينة والدخل الغير عادل. وتنتهي هذه العملية باستمرارية القضاء الغير نزيه، والإدارة الغامضة التي لا تتحمل مسؤولية المساءلة.

تُطبٍق النخب السياسية والذين يكسبون المال بلا عمل سياسات قمعية للمحافظة على ثرواتهم. ولأن هذا القمع ونموذج النمو المختار المعتمد على الكسب بدون عمل لا يتطلب الابتكار، لا يتطلب أيضا قوى عاملة متعلمة ومنتجة. وبينما يتم تخريب المؤسسات مثل القضاة النزيه والعدالة الشاملة، يتم استدامة الفقر وإضفاء الطابع المؤسسي عليه وتأسيس الدولة القمعية. وعلاوة على ذلك، فإنه يقلل أيضا من تكلفة الانقلابات العسكرية - المدنية، التي تقوم على تغيير النظام بحكم الأمر الواقع. وهذا الأمر مهم جدا.

لأن الانقلابات في دولة ما لا تعني فقط تغيير يد الإدارة وشكلها. بل في الوقت نفسه تداول الثروة والدخل. إن تكلفة الانقلابات في المجتمعات الصناعية ـ التي تتطلب توزيع عادل للدخل، وقوى عاملة مؤهلة، وإنتاج عالي للقيم المضاعفة، وتجارة معقدة، وشبكة تمويل ـ عالية. ولهذا السبب فإنه ليس أساسا للصراع بل للاتفاق.

وهذا يجبر المؤسسات على أن تكون تعددية وديمقراطية. أما في الاقتصاد الذي يعتمد على الكسب بدون عمل والاقتصاد المعتمد على الأراضي فإن تكلفة الانقلابات الاقتصادية منخفضة. غير إنها وسيلة لتداول الثروة والدخل أو إضفاء الطابع المؤسسي على الظلم القائم.

وعندما ننظر إلى المجتمعات التي لا يوجد بها توزيع عادل للدخل، نرى تجمع القوة في أيدي شخص أو مجموعة غير شفافة، وضعف الهيكل المؤسسي في موازنتها ومراقبتها، واعتماد نموذج للنمو الاقتصادي الغير مستديم والغير مُؤهل الذي ينجم عنه الإنشاء الذي يخلق الكسب بدون عمل. وعلاوة على ذلك، فإن الموارد التي ينتجها هذا الهيكل الاقتصادي تتيح الفرصة لإنشاء منظمات عسكرية وأمنية وقضائية خاضعة للدفاع عن السلطة السياسية المطلقة للنخبة الحاكمة. وهذا يخلق بطبيعة الحال عقبة رئيسية أمام الكثيرين للمطالبة بحياة أفضل.

وعلى سبيل المثال، استمراية حالة الطوارئ، وزيادة أجرة العاملين خلالها، وفرض القيود على حق الإضراب، ومنع الشعب عن حقه في المعرفة، وتشبيه النقد والاستجواب بخيانة الوطن، ونقل الأصول العامة من الإشراف البرلماني إلى صندوق الثروة السيادية الذي لا يتحمل مسؤولية المساءلة العامة.

أنصحكم بقراءة تقرير المنظمة بهذه العين.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا: