كال اورتون
مارس 01 2018

تركيا.. احتمال حقيقي لنشوب حرب بين قوى خارجية في سوريا

في صيف عام 2017 وخريفه قيل إن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا تضع أوزارها. لكن الصراع المستمر منذ نحو سبع سنوات لم يعد قريبا بأي حال من الأحوال من النهاية، بل إن الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة ترجح أنه قد يتصاعد.
في ديسمبر من عام 2016، سحقت قوات بشار الأسد بمساعدة إيران وروسيا ووحدات حماية الشعب الكردية آخر معاقل المعارضة السورية في حلب وقامت بترحيل الناجين. ومع بقاء جيش الأسد آمنا، سرَّعت روسيا وتيرة الجهود الرامية إلى إعادة التأهيل السياسي لعميلها الإجرامي. وكان هناك جانبان في جهود موسكو.
أولا، شملت عملية أستانة في بدايتها كلا من روسيا وإيران وتركيا وكانت تركز ظاهريا على الحد من العنف و"مناطق عدم التصعيد" المقترحة -- مثل ما سبق من "تجميد" "ووقف للأعمال العدائية" "ووقف لإطلاق النار". لكنها استُخدمت لترتيب أوراق حرب الأسد وحاولت روسيا، وقد كتب لها قدر من النجاح في هذا، استخدام هذه الحقاق على الأرض من أجل "أستنة" عملية السلام المعترف بها دوليا في جنيف معدلة الشروط لتناسب الأسد.
الأمر الثاني أنه بعد تجاهل تنظيم الدولة الإسلامية بشكل مؤثر -- في واقع الأمر استولى التنظيم على أراض خلال الجزء المبكر من التدخل الروسي في سوريا، والذي استهدف بشكل كبير القواعد الأساسية للمعارضة المسلحة -- بدأت القوات الموالية للأسد حملة مدبرة في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية أوائل عام 2017. ومن خلال خوض حرب ضد تنظيم إرهابي يلفظه العالم، كان مأمولا أن يحظى الأسد بشرعية دولية وما يكفي من الزخم والأراضي ليبدو في أعين الناظرين المنتصر الذي لا غنى عنه.
وفي نهاية عام 2017، هيمنت القوى الخارجية على سوريا كما لم تفعل من قبل. عملت تركيا من خلال جماعات المعارضة في إطار نموذج مشابه لمنطقة درع الفرات في شمال حلب لبسط نفوذها من خلال "مواقع مراقبة" في إدلب. وفي غربي سوريا، كان الأسد يملك بينما كانت إيران وروسيا تحكمان. وفي الجنوب، ترك الأردن إلى حد كبير مهمة التعامل مع جماعات المعارضة هناك إلى إسرائيل التي كانت تحاول استخدامهم لإبعاد ميليشيات إيران عن حدودها. ولدى الولايات المتحدة منطقة حماية على الأرض، وإن كان بشكل غير معلن، في شمال شرقي سوريا من خلال وحدات حماية الشعب.
ونتيجة للتركيز المشترك من جانب القوات الموالية للأسد والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، توقف الكثير من مظاهر الحرب الرئيسية في سوريا خلال العام وتجنبت مناطق النفوذ المتعددة إلى حد كبير الاصطدام ببعضها البعض. البعض اعتبر خطأ أن هذه الهدنة الهشة كانت حلا، لكن في حقيقة الأمر -- ومع تلاشي "خلافة" تنظيم الدولة الإسلامية -- استؤنفت الحرب التي كان يخوضها الجميع باستثناء الولايات المتحدة، وهي الحرب من أجل نظام إقليمي، بمثل هذه الضراوة، حتى إن واشنطن نفسها لم تكن قادرة على أن تتجنب الانجرار إليها جزئيا.
ولعبت تركيا دور "الشريك الصغير" لروسيا في سوريا تحت مظلة عملية أستانة، لكن في نهاية عام 2017 حدثت هوة مهمة -- وإن كانت صغيرة -- بين روسيا وتركيا بسبب جهود موسكو المتكررة لإقحام وحدات حماية الشعب في العملية السياسية. وتعرضت القاعدة الروسية في حميميم على الساحل السوري لوابل من نيران الطائرات بدون طيار وقذائف المورتر عشية رأس السنة. ويعتقد أن هذا الهجوم كان أداة تركيا للتعبير عن رفضها لما تفعله روسيا.
انجرت تركيا إلى عملية أستانة في المقام الأول لأن الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب في إطار القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية كان قد غير نظرة أنقرة للتهديدات، إذ باتت وحدات حماية الشعب الآن تحظى بأولوية لدى تركيا على الأسد. وفي منتصف يناير، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منطقة عفرين التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب مجددا، وفي العشرين من يناير شن هجوما عابرا للحدود على المنطقة.
البعض قال إن عملية عفرين مضت على نحو سيء، لكنها مضت بكل تأكيد على نحو كان متعمدا أن يكون حذرا لأسباب سياسية من أجل تجنب إثارة الكثير من الإدانات الدولية. ويوم الاثنين، أزاحت تركيا وحدات حماية الشعب الكردية من جميع المناطق الحدودية في عفرين. وهناك جدل بشأن ما إذا كانت تركيا ستستولي على مدينة عفرين. وتستند وجهة النظر التي تقول إنها لن تفعل إلى الحسابات السياسية التي ذكرتها آنفا. أما الاعتبار المقابل فهو معنويات الرأي العام في تركيا التي أخذتُ نبذة عنها الأسبوع الماضي خلال زيارة،  والتي تقول إن الرأي العام من غير المرجح أن يكون راضيا من دون تحقيق مكاسب تركية كبيرة على الأرض في مواجهة وحدات حماية الشعب في عفرين، بما في ذلك طردها من المدينة. فضلا عن ذلك، وبعيدا عن أي دور قد تكون الحكومة التركية تستهدف به أي جمهور غير جمهورها في الداخل -- والمستهدف هنا هو الولايات المتحدة -- فإن هذه العملية نجحت في لفت أنظار واشنطن إلى أنقرة.
تجد تركيا نفسها وبشكل متزايد على خلاف مع إيران. وفي إدلب، المقايضة بها عفرين، اتفقت أنقرة مع روسيا على دخول تحالف النظام إلى شرق المحافظة وحتى قاعدة أبو الظهور الجوية. وتكافح تركيا داخل محيط نفوذها في إدلب من أجل تقويض فرع تنظيم القاعدة السابق، وقد حقق حلفاء تركيا من المعارضة بعض النجاح في الآونة الأخيرة على هذه الجبهة وإن كان سؤال إلى متى سيستمر هذا يظل بحاجة إلى إجابة. وأثار خرق خطوط ترسيم الحدود من قبل الميليشيات التي تسيطر عليها إيران في الخامس من فبراير ردا عنيفا من جانب تركيا وأوقف إيران. من ثم، حالت الضربات الجوية التركية في العشرين من فبراير دون انتشار ميليشيات إيران في عفرين إلى جانب وحدات حماية الشعب. ووصف أردوغان هؤلاء الوكلاء الإيرانيين بأنهم "إرهابيون" لكنه قال إنهم تحركوا بشكل منفرد ومن ثم ظلت عملية أستانة الثلاثية مع إيران وروسيا قائمة. بيد أنه بات من الصعب جدا الهروب من حقيقة تضارب المصالح المباشر بين أنقرة وطهران وعدم قدرة موسكو على التوسط بشكل فعال.
كما يتزايد إدراك إسرائيل أن رهانها على روسيا لاحتواء إيران قد فشل، فروسيا لن -- أو قد لا تستطيع -- إبقاء القوات التي تديرها إيران بعيدا عن الحدود الشمالية لإسرائيل. وبعد استفزاز إيراني صارخ بشكل مخصوص في العاشر من فبراير، تحركت إسرائيل لوضع خطها الأحمر.
في غمار ذلك، وبالتحديد في السابع من فبراير، قصفت الولايات المتحدة رتلا متقدما من القوات الموالية للنظام على مدار ثلاث ساعات من أجل حماية القوات الأميركية المتواجدة مع وحدات حماية الشعب حول حقل خشام النفطي في دير الزور. وقدمت رويترز وواشنطن بوست ومحللون مثل نيل هاور صورة أوضح لما حدث، إذ بلغت خسائر المجموعة التي قصفتها الولايات المتحدة 300 شخص من بينهم مئة سقطوا قتلى. وكانت القوة المهيمنة على تلك المجموعة من فاغنر، وهي من المفترض أن تكون شركة "مرتزقة" على صلة وثيقة بمديرية الاستخبارات الرئيسية (الاستخبارات الحربية) الروسية تسمح لموسكو بنشر قواتها بتكلفة سياسية أقل من خلال إمكانية التنصل من تلك المجموعات.
والسؤال الرئيسي هنا هو ما الذي كان الكرملين يعرفه ومتى؟ تعتقد الاستخبارات الأميركية، بحسب (ذا بوست)، أن يفغيني بريغوجين -- وهو أحد مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المقربين -- هو المسؤول عن فاغنر في سوريا. ويبدو من خلال الاتصالات التي تم رصدها أن بريغوجين "أبلغ مسؤولين سوريين بأنه 'حصل على إذن' بهذا الهجوم من وزير روسي غير محدد الهوية. ومعنى عدم توجه أي طائرات روسية لإنقاذ فاغنر أن موسكو كانت تريد أن تكون بعيدة بشكل رسمي على الرغم من علمها المسبق بأن الهجوم سيحدث وأنها ذهبت لاختبار عزيمة الولايات المتحدة في استعراض يقترب من الكمال لنموذج فاغنر "التي يمكن التنصل منها".
وبعد أقل من شهرين على بداية عام 2018، من الواضح أنه أيا ما كان الاستقرار الذي رُصد في العام الماضي هو استقرار زائف تماما، فقد كان من شأن سياسة مكافحة الإرهاب الأميركية أن جعلت التحالف الموالي للأسد طليق اليد يرتكب ما يشاء من عمليات قتل جماعي، كما جعلت الولايات المتحدة ذاتها منعزلة إذ باتت روسيا وإيران وتركيا تفضل انسحابها، وهو وضع لا يمكن الإبقاء عليه. وقد يكون من شأن إعادة التوازن للعلاقات مع وحدات حماية الشعب إعادة تركيا من جديد إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة وتمهيد الطريق أمام المزيد من التسويات القابلة للاستمرار والتي تبقي تنظيم الدولة الإسلامية منكفئا.
وفيما يتعلق بالمسار الحالي، فإن احتمال حدوث تصعيد خطير بين طرفين أو أكثر من الأطراف الخارجية على الأراضي السورية واقعي جدا. وإذا حدث ذلك، فحتى المكاسب التي تحققت في مكافحة الإرهاب ستتبدد في ظل الفوضى التي ستنتج عن ذلك التشرذم.

 

 يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: