تركيا.. الأكراد المحافظون من تقلب حزب العدالة والتنمية منزعجون

أدت ردود الفعل الحادة من جانب حكومة "العدالة والتنمية" تجاه استفتاء الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق، إلى إثارة العديد من التساؤلات، ففي الوقت الذي يحاول فيه الأكراد المؤيدون لحزب العدالة والتنمية تفهُّم هذا الموقف، فإنهم يرون هذه المرة انفتاحًا من العدالة والتنمية على الكماليين.

إذن، ماذا سيفعل الأكراد المؤيدون لحزب العدالة والتنمية؟ هل سيواصل التصويت لصالح الحزب؟ أم سيسعون للبحث عن حزب جديد؟ أم أنهم سيصوتون للأحزاب ذات الأغلبية الكردية مثل حزب الشعوب الديمقراطي، وحزب الدعوة الحرة، وحزب الحق والحقيقة؟

إن العلاقة بين الأكراد وحزب العدالة والتنمية تعود إلي بداية تأسيس الحزب. فقد فتح الخطاب الديمقراطي الذي تبناه حزب العدالة والتنمية عام 2001م الباب أمام تصويت الكثير من الأكراد لصالح العدالة والتنمية، حيث إن رجب طيب أردوغان -الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك- عبر في وسائل الإعلام أن الأكراد أحد المكونات الرئيسة للشعب التركي، ولا بد من أن يعيشوا ويمارسوا لغتهم وثقافتهم بحرية تامة. ونتيجة لذلك ازدادت شعبية أردوغان لدى الأكراد. ففي الخطاب الذي ألقاه عام 2005م في محافظة ديار بكر صرح قائلاً "إن القضية الكردية هي قضيتي أنا أيضًا"، كما قدم اعتذارًا رسميًا باسم الدولة التركية عن مذبحة درسيم التي وقعت عام 1938م. وهكذا فإن خطاب الأخوة في الدين والوطن الذي تبناه العدالة والتنمية آنذاك، وأن الحزب يحكم ولا يتحكم، قد جذب بسهولة توجهات الأكراد نحو حزب العدالة والتنمية.

والحقيقة أن الكثير من أعضاء العدالة والتنمية وعلى رأسهم أردوغان، قد انتقدوا سياسات حزب الشعوب الديمقراطي، وتوجهاته الكمالية، والخطاب اليساري الذي يتبناه. وفي المقابل أكدوا مرارًا وتكرارًا على أن الشعب الكردي شعب متدين.

وخلال فترة الانفتاح الديمقراطي التي تبنتها حكومة العدالة والتنمية لحل المسألة الكردية، أصبح الأكراد ومشكلاتهم وعلى رأسها القضية الكردية محلاً للاهتمام ومثارًا للنقاش؛ حيث قامت الدولة بتأسيس القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية الناطقة باللغة الكردية. كما أن الاستثمارات التي قامت بها حكومة العدالة والتنمية داخل المناطق التي يقطنها الأكراد، وإنشاء المطارات، والغاء حالة الطوارئ، وإقرار قانون العودة إلى القرى، والسماح بتدريس اللغة الكردية اختياريًا في المدارس، وافتتاح أقسام اللغة الكردية وآدابها، قد عزز كثيرا من ميل الأكراد نحو حزب العدالة والتنمية. وفي المقابل فإن الأكراد صوتوا لصالح الحزب وساعدوا في وصوله إلى السلطة.

ولكن خلال فترة عملية السلام الكردية التركية ازداد نفوذ حزب الشعوب الديمقراطي، وبدأت الأصوات الكردية المساندة الداعمة للعدالة والتنمية في الانخفاض. أما أردوغان فقد بدأ يغيّر خطابه الموجه للأكراد. فبعد أن صرح قائلاً "إن القضية الكردية هي قضيتي"، صار يقول "لا وجود للقضية الكردية، ولكن إخواننا الأكراد لديهم مشكلات". وفى انتخابات 17 يونيو نزل إلى الميادين وفي يده نسخة من ترجمة القرآن إلى اللغة الكردية.

وقد أثار هذا الموقف ردود فعل شتى لدى الأكراد حتي أن جزءًا منهم حوَّل أصواته من حزب العدالة والتنمية إلى حزب الشعوب الديمقراطي.. وهكذا لم يستطع حزب العدالة والتنمية الحصول على الأغلبية التي تمكنه من الوصول للسلطة. ولكنه نجح في تغيير سياساته خلال انتخابات 1 نوفمبر، وتمكن من استعادة جزء من الأصوات الكردية التي فقدها، حيث مكنته من الوصول إلى سدة الحكم.

لم تتوقف اتهامات الحكومة لحزب الشعوب الديموقراطي، حيث أكد حزب العدالة والتنمية على أن الشعب الكردي شعب متدين، وأن حزب الشعوب الديمقراطي يحاول ابعاد الأكراد عن الدين الإسلامي، كما صرح أنصار العدالة والتنمية بأن الأكراد أخوة لهم، متهمين حزب الشعوب الديمقراطي بالزردشتية والكمالية.

كان مسعود برزاني رئيس اقليم كردستان العراق الداعم الوحيد لحزب العدالة والتنمية في فترة العزلة التي عانى منها الحزب، كما وقع العديد من الاتفاقات مع أردوغان. وفي عام 2015م أثناء زيارة أردوغان لمدينة ديار بكر، ظهر وسط الحشود برفقة مسعود برزاني وبعض المشاهير الأكراد أمثال إبراهيم تاتلي سس، وشيفان برور، مصرحاً خلال الخطاب الذي ألقاه هناك بأن الأكراد سيكونون دوماً إلى جواره. ولكننا حين نظرنا إلى أرض الواقع بشكل عملي نجد أن العدالة والتنمية يفعل عكس ما قال، حيث عارض بشدة استفتاء استقلال اقليم كردستان الذي دعا له برزاني.

أما الأكراد الذين لم يستطيعوا تفسير موقف العدالة والتنمية فقد استمروا في دعم برزاني؛ حتى أن بعض نواب العدالة والتنمية وعلى رأسهم النائب عن مدينة ديار بكر غالب انصاري اوغلو قد عبروا عن ضرورة احترام قرار الشعب الكردي. كما أن موقف الحكومة وخطاب وسائل الإعلام الموالية للسلطة بحق الأكراد قد أثار غضب كل الأكراد وعلى رأسهم نواب العدالة والتنمية الأكراد.

وفي حين لم تهدأ زوبعة الاستفتاء حتي بدأ العدالة والتنمية بتبني خطاب كمالي. بَيْدَ اَنَّ الأكراد المؤيدين لحزب العدالة والتنمية معروفين ببعدهم عن الأيدولوجية الكمالية، واتهامهم لحزب الشعوب الديمقراطي بالكمالية، إلا أننا نتساءل ماذا سيفعلون تجاه السياسة الجديدة للعدالة والتنمية المنفتحة على الكمالية، وتصريح أردوغان الذي قال فيه: "إن طريقنا هو طريق الغازي مصطفى كمال أتاتورك"؟

وبحسب رفيق قارا قوتش رئيس حزب الحق والحقيقة فإن الخطاب القومي العرقي الذي استخدمه العدالة والتنمية بشأن الاستفتاء قد أثار قلق كل الأكراد، مشددا على أن ما يضر الأكراد يضر بمصلحة تركيا، ويعزو قاراقوتش التغير في سياسات العدالة والتنمية إلى حزب الحركة القومية والقلق من التصويت في الانتخابات. وقد علق قاراقوتش على هذا الأمر قائلاً "إن رد الفعل الذي أظهره حزب العدالة والتنمية تجاه الاستفتاء واللهجة القومية التي استخدمها قد أثارت غضب وقلق الأكراد كل تقريبًا. ولا شك أن هذا القلق سينعكس على الانتخابات. نحن نؤمن بأن ما يصب في مصلحة الأكراد يصب في مصلحة العدالة والتنمية والشرق الأوسط. وأن خسارة الأكراد تكون خسارة للشرق الأوسط أيضًا.

وأوضح قارقوتش أن الخطاب الكمالي للعدالة والتنمية نابع من القلق الانتخابي قائلاً: إن القلق الانتخابي من الممكن أن يحدث تغيرا في سياسات الأحزاب، فالعدالة والتنمية يتصرف بهذا الشكل ليتحرك مع حزب الحركة القومية. ويحاول كسب أصوات الكماليين حتي يتلافى أثر القلق الذي خلقه عند الأكراد. ولا بد من تقسيم المتغيرات في سياسة العدالة والتنمية إلى حقبتين مختلفتين: الحقبة الأول: ما قبل عام 2010م: حيث كان العدالة والتنمية يسعى بقوة نحو الاتحاد الأوروبي ويدافع عن السياسات الديمقراطية في البلاد، وكنا بصفتنا الحزبية نؤيد هذا التوجه، وأما الحقبة الثانية فهي ما بعد عام 2010م حيث حاول الحزب التراجع عن المكاسب الديموقراطية. ونحن نعارض هذا التوجه. والواقع أننا سنرى بوضوح نتائج التغيرات في سياسات العدالة والتنمية خلال الانتخابات. 

أما ميرال دانيش بشطاش النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي فتعتقد أن الأكراد لن يصوتوا لصالح العدالة والتنمية مثلما كان يحدث في السابق، وتوضح "ميرال" وجهة نظرها تجاه هذا الأمر قائلةً "لقد حان الوقت لكي يرى الأكراد الذين يصوتون لصالح العدالة والتنمية الحقيقة جلية أمامهم. فها نحن قد شاهدنا بأعيننا إهانة الأكراد، والموقف الرافض للغتهم وثقافتهم. لقد أدرك الأكراد أن مبدأ الأخوة في الدين والوطن الذي تبناه العدالة والتنمية لم يكن إلا شعاراً يخدم أهدافًا سياسية، وأعتقد أنهم سيفكرون عشرات المرات قبل أن يتحركوا، وأظن أنهم لن يصوتوا لصالح العدالة والتنمية بنفس القدر كما كان يحدث في السابق".

كما صرح ألطان طان المؤيد لحزب الشعوب الديمقراطي بأن الأكراد المحافظين الذين يدلون بأصواتهم لصالح العدالة والتنمية يشعرون بعدم الرضا، وأوضح أن الأكراد يشعرون بالقلق تجاه الاستفتاء، والانفتاح على الكمالية.

ويقول طان "ليس من الصحيح التحدث عن شيء في الوقت الراهن، فلا زالت هناك مدة طويلة لحين إجراء الانتخابات، ولكن الأمور ستتضح مع مرور الوقت. أما حين نُقيّمُ الوضع حالياً، فسنجد أن العدالة والتنمية يفقد الكتلة الناخبين الأكراد. فردود الفعل الحادة تجاه الاستفتاء، وتبني الخطاب الكمالي، قد أثارت حفيظة الأكراد داخل حزب العدالة والتنمية، في حين أن الأكراد الذين يصوتون لصالح العدالة والتنمية يشعرون بعدم الرضا تجاه هذا الموقف".

ويذكر شيهموس طانري قولو رئيس حزب الدعوة الحرة أن الخطاب القومي الذي استخدمه العدالة والتنمية قد أثار مشاعر الأكراد، مؤكدًا أن نتائج هذا الخطاب القومي ستنعكس من خلال صناديق الاقتراع. وقد أوضح وجهة نظره قائلاً "لقد أصدرنا بياناً نعبر فيه عن ضرورة احترام الجميع للاستفتاء الذي أجري في كردستان العراق، لأننا نؤمن بأن لكل أمة الحقُ في تقرير مصيرها. إلا أن الخطاب القومي الذي استخدمه العدالة والتنمية تجاه الاستفتاء قد أثار استياء 30 مليون كردي يعيشون داخل الأراضي التركية. فالناخبون المؤيدون للعدالة والتنمية لم يعبروا عن ردود فعلهم صراحة، ولكن أظهروا استياءهم وغضبهم في صمت. أما نحن فقد عبرنا عن ردة فعلنا بصوت عال. وستنعكس آثار الخطاب القومي الكمالي الذي استخدمه العدالة والتنمية من خلال صناديق الاقتراع. وبشكل خاص سيزداد عدد المتوجهين المنضمين لحزبنا في المنطقة.

أما مصطفي اوزتشليك رئيس حزب الحرية الكردستاني فيشدد على ضرورة ايجاد بديل للأكراد، ويعبر عن وجهة نظرة بشأن الأكراد، والعدالة والتنمية قائلاً "إن الموقف السلبي الذي تبناه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحزب العدالة والتنمية تجاه استفتاء الحكم الذاتي لإقليم كردستان، قد أدمى قلوب الأكراد وأثار مشاعرهم. كما أن الموقف المرن تجاه الكمالية يحمل في طياته رسالة مفادها استمرار السياسات القديمة للجمهورية التركية التي شاهدناها قبل أربعة وتسعون عاماً. والحقيقة أن تصريح أردوغان "لن نسمح بتكرار الخطأ الذي حدث في شمال العراق، جنوب سوريا"، كان يعبر عن القناعة المشتركة لدي كل الأحزاب التركية. إن الدولة التركية تضع بديلا لحزب الشعب الجمهوري وحزب الصالح كخطط بديلة. ومن أجل عزل الأكراد من كل تلك الأحزاب وإبعادهم عن التعلق بالأمل لا بد من ايجاد بديل للأكراد والأحزاب الكردية. وبالطبع لو حاول العدالة والتنمية الإصرار على السياسة التي يتبناها تجاه الأكراد فإنهم سيظهرون رد الفعل اللازم على هذا. أما من جهة الأكراد فيجب ألا يكون البديل للعدالة والتنمية هو حزب الشعب الجمهوري أو الحزب الصالح".

تشترك كل هذه الأحزاب في نفس النظرة مع العدالة والتنمية تجاه الأكراد. ويجب أن يشكل الأكراد وحدتهم الخاصة ولا يتصرفون باعتبارهم طرف مغاير. إن نوري المالكي الذي خلف الجعفري في شمال كردستان قد فاق الجعفري في عداوته للأكراد. كما أن حيدر العبادي الذي خلف المالكي قد فاق المالكي. ويجب الوضع في الحسبان أن هذه الحقيقة نراها تحدث في تركيا أيضا.

كما عبر رها روهاوي اوغلو المتابع لحركة الأكراد المحافظين منذ مدة طويلة أن الأكراد المؤيدين للعدالة والتنمية يشعرون بالقلق وعدم الرضا. وقد أوضح روهاوي أوغلو الذي لفت الانتباه إلى تأثير مسعود برزاني قائلاً "بعيداً عن الكتلة المحافظة في تركيا هناك من يقول للأكراد إن حزب العمال الكردستاني حزب لا دين له، ولو تحول إلى حركة محافظة سلمية كحركة برزاني فإن الأمور ستتغير. وها نحن قد نظرنا ووجدنا أن المسألة عندما أصبحت تتعلق بحق الأكراد فإن صديق الأمس مسعود برزاني قد تحول في بضعة أيام لعدو لدود مثل حزب العمال الكردستاني. إن الوضع جلي ومفهوم تمامًا. ليس مهماً أن يكون هناك ذريعة لاتخاذ موقف مناهض للقضية الكردية، فسواء كان حزب العمال الكردستاني، أو برزاني، أو حزب الله الكردي، فإن المجتمع التركي بطوائفه سواء الإسلاميين أو العلمانيين سيصدر رد الفعل نفسه، وهو رد الفعل الحالي....

إن القطاع المتبقي من الكتلة الكردية في المنطقة يميل إلى برزاني بشكل حقيقي، لأنه ليس مجرد شخص عادي، بل إنه يمثل منهجًا دينيًا أيضًا إلى جانب الدراما الكردية التقليدية.

وفي حال إخفاء كل طرف موقفه وسلوكه فإن كل العاملين في جميع المؤسسات المقربة من الحكومة بدءًا من رؤساء المدن التابعين لحزب العدالة والتنمية وصولًا إلى من هم أصغر من ذلك رتبة سوف يتضررون من هذه السياسة العدائية لبرزاني والتحقير المليء بالإهانة.

ينبغي أن يفهم هؤلاء الناس الأمر جيدًا؛ ذلك أن هوياتهم الكردية التي لا تمثل مشكلة بالأساس تقدم إليهم ويُذكّرون بها باعتبارها عاملًا وعنصرًا سياسيًا.

أرى وأشعر اليوم بوجود حالة استياء خطيرة، إلا أن الناخبين لا يولون أدبارهم في السياسة معرضين غاضبين، وإنما يصبرون حتى آخر قطرة وحتى يفيض الإناء بما فيه.

وفي هذا السياق فإنني أعتقد أن ثمة حالات انفصال عن حزب العدالة والتنمية ستحدث لهذا السبب، غير أنني لا أتوقع انفصالات كبيرة. تذكروا مذبحة روبسكي. لم يحدث انقطاع وانفصال في الناخبين بين من صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية ممن شهدوا على المرحلة بكاملها وهي مرحلة تزعج المظلومين دون توقفٍ؟ لم تتغير نسب الأصوات بحيث يقال إنها عاشت مرحلة من الانكسار، غير أن ما شاهدته شخصيّا هو أن: كثيرًا من الأكراد دائما ما يُذكرون بهوياتهم السياسة، وتقع حادثة يوميًا تقسم ظهر الإنسان على الأكثر، وإن تيار المحافظين الرئيسي الذي يمثله حزب العدالة والتنمية يذيب الثلوج بين السياسة والفكر الكمالي، حتى إنه تم وضع نفس الصورة في نفس الإطار للمسلمين والحركة الكمالية، وهو ما يزعج قطاعًا مهمًا من الناخبين، ولكنني لا أستطيع القول أنني تفحصت وراقبت ولاحظت أن هذا عامل يحدد الأمور بشكل مهم وقاطع ولو في المنطقة على الأقل.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية: