جنكيز أكتار
يناير 18 2018

تركيا: الانتخابات.. الأمل الوحيد للبقاء في السلطة، والفوز بـ ِ"شرعية الشعب العزيز"

 

حق الانتخاب بالاختيار كلُّ ما تبقى من جيفة الديمقراطية، لكنه ليس للجميع...
ورغم أن تركيا أنهكتها الانتخابات لكنها تتحدث عنها بشهية مفتوحة.
السلطة والمعارضة والمجتمع... الجميع اقتنع بأهمية الانتخابات.
فَدَعُونَا ننظر للوضع عن قرب: إن الحصن الذي يستمد منه النظام شرعيته هو الأصوات التي يمنحها له "الشعب العزيز".
فالحاكم يعزو كل إجراءاته وخطاباته وشعاراته داخليًا وخارجيًا إلى تلك الأصوات التي حصل عليها.
إنه يقضي بواسطة هذه الشرعية على كل الاعتراضات والانتقادات الموجهة ضده.
لذلك تبدو الانتخابات مهمة جدًا بالنسبة له؛ فقد شمر عن ساعديه بهدف الفوز في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية وكل الانتخابات.
يبدو أنه قرر ألا يترك أيَّ شيء للصدفة والحظ، وأنه لا يخشى أيَّ شيء في سبيل ذلك.
إن حزب العدالة والتنمية يحاول تقوية قاعدته الشعبية عبر عمليات عدة أجراها ويجريها في مؤسساته.
فبعض أعضاء المحكمة العليا (محكمة النقض) ومجلس الدولة الذين عُيِّنوا حديثًا بفلسفة المراسيم الخاصة ذات قوة القانون سيتم تعيينهم قريبًا في اللجنة العليا للانتخابات، وبهذا تصبح هذه اللجنة تحت سيطرة النظام تمامًا.
وبفلسفة المراسيم الخاصة أيضًا أُعيد تصميم تأمين صندوق الانتخابات لصالح النظام، وضد المعارضين له.
وبواسطة تعديلات سيتم إجراؤها في قانون الانتخابات "سيتم تعديل" الدوائر الانتخابية لصالح النظام.
ومع إدخال تعديلات على قانون الأحزاب السياسية فإن مراقبة الأحزاب في مدى التزامها بالمبادئ الأساسية للجمهورية والانضباط المالي ستنتقل من سلطة المحكمة العليا إلى سلطة اللجنة العليا للانتخابات التي يسيطر عليها النظام. وليس ثمة ريب أنه في ظل هذه المراقبة ستمارس حيل وألاعيب شتّى على الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات، وتُحرم من حقها في الانتخاب.
سياسيًا يحشد النظام كل شيء ليمنع حزب الشعوب الديمقراطي من دخول الانتخابات.
الحزب الصالح أيضًا يقع في بؤرة هدف العمليات والمناورات التي يقوم بها النظام.
أما حزب الشعب الجمهوري فيبدو من جانب محاصرًا حصارًا شديدًا بالعمليات الموجهة ضد بلدياته القوية والتي يبدو أنها ستستمر، وبالمذكرات البرلمانية من جانب آخر.
علينا ألا ننسى أن الانتخابات -مبكرة كانت أو في وقتها- ستجرى في ظل قانون الطوارئ، وهذا فحسب كافٍ تمامًا لئلا تكون عادلة وحرة.
بل إنه حتى وإن تم إلغاء حالة الطوارئ فهذا يعني أن النظام ضمِن بقاءه في السلطة بحيث أصبح لا يحتاج إلى قانون الطوارئ.
وإن لم تكف كل هذه التدابير القانونية في الظاهر فسيحدث مثلما حدث علنا في انتخابات سابقة؛ فقد يلجأ النظام إلى الحيلة الشائعة المعروفة؛ قد يلجأ إلى قواته التنفيذية غير الرسمية.
إن الحزب الصالح الذي يتمتع بمصادر معلوماتية موثوقة يعمل على هذا الموضوع منذ أيام.
إن هدف النظام في الانتخابات المحلية هو الحصول على أكبر عدد ممكن من البلديات. غير أننا إذا تذكرنا رؤساء البلديات الذين سُجنوا والذين عُزلوا من وظائفهم، تأكد أنه لا يمكن الحديث أصلًا عن حكومة محلية تمتلك حكمًا ذاتيًا نسبيًا حتى الأمس في البلاد.
إن المأمول أن يتحقق في الانتخابات النيابية هو إفراز مجلس من حزبين، يخضع تمامًا لسيطرة "القصر" ويمثل فيه حزبُ الشعب الجمهوري الضعيف جناح المعارضة.
أما المخطط له بالنسبة للانتخابات الرئاسية فهو فوز النظام الرئاسي القائم فعلًا بـ"شرعية الشعب العزيز".
وإذا ما خاف من خسارة الانتخابات وتكونت الشكوك من هذا برغم كل هذه المساعي فقد يتذرع النظام بأية حجة كالانقلاب والهجمات الإرهابية والحرب... إلخ؛ فيُعطِّل الانتخابات، ويظل يدير البلاد كما هو الوضع حاليًّا.
علينا ألا ننسى أن الانتخابات مشروعة في مخيلة الحاكم السياسية إن فاز فيها هو (والمرشحين الذين سيختارهم) فحسب. و7 يوليو 2015 دليل دامغ على هذا.
وإذا ما رجعنا إلى المعارضة فإن حزب الشعوب الديمقراطية يخضع لضغوط هائلة. فقد تنازل صلاح الدين دميرتاش "الرهينة" عن منصب الرئاسة المشتركة. ويحاول الحزب الصمود والبقاء مهيض الجناح مكبل اليدين جراء اعتقال رئيس بلديته ونوابه.
إن حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة يخططون ويهندسون للانتخابات، بل إن حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح شرعا يتحدثان عما سيفعلانه إذا ما توليا السلطة.
غير أنه ليس هناك  أحد على الإطلاق من المرشحين الذين يحومون حول "الساحة" يمثل خطرًا بالنسبة لأردوغان. السبب في ذلك: ضعف شخصيات المرشحين، واستحالة حدوث توافق حولهم، وبالتالي كون برامجهم الانتخابية ليست إلا "معارضة لأردوغان".
ليس هناك خصم سياسي لـ"الجبهة المعارضة للفاشية" التي تثير حماس البعض أو "كتلة الخير" التي يتم إحياؤها من جديد. 
إن الجبهة لا تمثل نسبة 50 %، بل إنها تتكون من فصيل غير متجانس يبدو في صورة 25+10+10+5.
إن 7 يونيو 2015 دليل دامغ وقاطع على ذلك.
لقد "فازت" الكتلة بانتخابات 7 يوليو، ثم تفرقت.
وإذا نظرنا إلى المجتمع من هذه الزاوية وجدنا أنه ليست هناك مشكلة بين جموع الشعب التي تكاملت وامتزجت مع رئيسها، ولا بين رأس المال والنظام بالطبع.
وفي الجناح الآخر من المجتمع هناك حلم بــ"حدوث تغيير مع الانتخابات" يزداد انتشارًا بين المعارضة. إنَّه وهم تام. من قبيل "ما أن نتولى السلطة فانظروا كيف ستكون الأمور!..."
إنه مرض البحث عن حل للمشكلات عبر انتخاب الرئيس دائمًا وعبر حلول وحيل تأتي من الأعلى.
منذ أيام ظهر بكير إغدير في برنامج "إسطنبول لنا جميعًا" في ميديا سكوب، وقبل الحديث عن الانتخابات كان يشرح بشكل شامل وعامٍ أسباب الانحطاط الذي نعيشه ويؤكد على ضرورة التفكير فيما نريده.
الناس ليست لديهم النية في التفكير: "لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟" و"ما طبيعة النظام الحاكم الذي نريده؟"، ولا طاقة لهم لذلك أيضًا.
ثمة قناعة سائدة بأن المشكلات ستحل بحدوث معجزة انتخابية، وستعود الأيام الخوالي الجميلة، وأنه سرعان ما سيتم إصلاح وعلاج الدمار المؤسسي والفساد الاجتماعي خطير الأبعاد.
تسود حالة من اليأس العام؛ حتى إن جموعًا عديدة ترضى بالتصويت لمن يأتي مكان أردوغان أيًّا كان. إن معارضة أردوغان تبدو وكأنها مؤهلة لأن تصبح سياسة مستقلة بذاتها...
لا أحد يتحدث عن الانهيار الأخلاقي العميق، ولا عن رغبة نصف المجتمع على الأقل في الفاشية، ولا عن حل للقضية الكردية، ولا عن فرصة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي التي ولت إلى غير ذي رجعة، ولا عما تتعرض له الطبيعة والإنسان والحيوان والحضر والثقافة من قمع وضغوط وتخريب هائل، ولا عن الشكل الذي يجب أن يكون عليه العقد الاجتماعي الجديد؟.
دعكم من هؤلاء؛ بل إنه لا أحد يشغل باله كثيرًا بما يتردد من أخبار حول عِلم النظام مسبقًا بمحاولة الانقلاب أو حتى اعترافات رضا ضراب.
ودائمًا ما نسمع تحذيرات من فقدان الأمل.
بيد أن المشكلة أكثر بكثير من مجرد فقدان الأمل أو عدم فقدانه؛ إنها ربط هذا الأمل بالانتخابات والتغاضي عن الأسئلة والتحقيقات الأساسية.
النظام مسرور من عالم الأمل هذا؛ إذ يفرغ من ناحية الطاقة السلبية للمستائين من الوضع، ويحافظ على أحلامهم في نهاية طيبة للحياة الذليلة المضطرين لمواصلتها.
بينما أنَّ من علقوا آمالهم على الانتخابات لا يدرون أنهم يقومون بدورهم وفقًا للقواعد التي وضعها الحاكم.
إن النموذج الأكثر دراماتيكية هنا هو فرض النظام الرئاسي. فإبّان الحديث عن الحيل والألاعيب التي تمت قبل الاستفتاء وبعده كان هناك بضعة نفرٍ يقولون بضرورة رفض التعديلات الدستورية ونتيجة الاستفتاء.
لقد نُسيَ كل ذلك وانتهى، فهل هناك من يتحدث عمن سيكون الرئيس.
جاء حزب العدالة والتنمية بالانتخاب، ولن يذهب النظام بالانتخاب!
ذلك أنه في حال ذهابه سوف يُقدم كل المسؤولين وعلى رأسهم الحاكم الأعلى إلى محكمة أمن الدولة العليا. إن الأمر واضح وأكيد. علاوة على أنهم قد يمثُلوا في أي وقت أمام المحكمة الجنائية الدولية ليُحاكموا بسبب دورهم في الحرب الداخلية السورية.
من المفيد الاستيقاظ من الحلم والشروع حالًا في المحاسبة وطرح الأسئلة الأساسية.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: