تركيا-البلقان: حالة غموض في علاقات معقدة للغاية ومتعددة الأبعاد

 

تأتي العلاقات بين تركيا والبلقان على رأس المواضيع التي تحظى باهتمام ومتابعة حثيثة ودائمة من قبل الخبراء، وذلك لما بين الدولتين من انتماءات جغرافية وتاريخية وأواصر قرابة ثقافية ودينية.
ومع ذلك فإنه وتزامنًا مع تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا فقد تحررت مقالات أكاديمية، حظيت بشعبية كبيرة، وحملت عناوين مثل "تركيا تعود إلى البلقان"، وتشاركت مؤسسات مختلفة تقاريرها البحثية ذات الصلة مع الرأي العام، وصار الحديث لا ينقطع عن أن عودة تركيا من جديد إلى البلقان تحققت فحسب مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، وكأنها كانت قد أنهت وجودها هناك فيما قبل.
ولكن حقيقة هذا الوضع هي رفض هذا الطرح من قبل العديد من الأكاديميين مثل ديميتار بتشو الذي يعمل حول هذه القضايا منذ سنوات، وتم التأكيد في كل وسائل النشر المهمة تقريبًا على أن تركيا لاعب مهم لطالما تواجد في منطقة البلقان.
وفي ضوء كل ما سبق فإن آخر حادثتين وقعتا في البلقان مؤخرا قد تسببتا في أن تنحصر الصورة الذهنية لتركيا هناك في قطبين أو اتجاهين مختلفين. أولهما: قيام المخابرات التركية بخطف سبعة مدرسين ينتمون إلى حركة غولن في كوسوفو خلال الأشهر الأولى من العام الحالي 2018 وجلبهم إلى تركيا، واستياء الدول الأخرى وإبدائها ردة فعل علنية ضد تركيا مثل ألبانيا وكوسوفو بدرجة كبيرة في أعقاب قيام تركيا بفعلتها تلك.
أما القطب أو الاتجاه الثاني: فهو قيام أردوغان في مؤتمره العادي السادس (للاتحاد الديمقراطي للأتراك الأوروبيين (UETD) بالحديث إلى أنصاره القادمين من أوروبا كلها وليس من اللبقان فحسب، وانتقاد العديد من الحركات السياسية، صغيرة وكبيرة الموجودة داخل البوسنة، ذلك الحدث انتقادًا حادًا ولاذعًا.
هاتان الحالتان تسببتا في ظهور تحليلات وتعليقات كثيرة مختلفة للغاية عن بعضها البعض، وذلك بالطبع تأثرًا بمناخ الاستقطاب السياسي المهيمن على تركيا. أحد تلك التحليلات وجهة نظر تقول إن تركيا حزب العدالة والتنمية صارت قوية في البلقان قوة لم تتوفر لها من قبل عبر تاريخها، وفي هذا السياق فإنها مؤهلة لكل شيء بدءًا من العمليات الاستخباراتية وصولًا إلى الدعاية السياسية. أما وجهة النظر الأخرى فهي أن حزب العدالة والتنمية قد تجاوز حدوده الطبيعية بأساليب غير لائقة تمامًا، وأنه صار لاعبًا "مزعجًا" في البلقان إلا أنه لا يمكن إزاحته تمامًا.
ومن المفيد التأكيد على موضوعين اثنين في هذه النقطة أيضًا. أولهما: أن الخطأ الذي وقع فيه العديد من الخبراء في تركيا يقع في هذه التحليلات التي ينتمي كل منها أيضًا إلى قطب مختلف عن الآخر؛ ألا وهو رؤية البلقان وكأنها كيان ووحدة واحدة. لكن جغرافية البلقان تمتلك معادلة متقطعة ومتنوعة ومعقدة بحيث يستحيل أن تشكل كلًّا واحدًا.
وفي هذا السياق أيضًا فإن تحليلات عديدة تبدأ بعبارة "في البلقان...." ليست صالحة ولا تنطبق على بعض المناطق الجغرافية من تلك المنطقة. والخلاصة أنه يجب تقييم ودراسة علاقة كل دولة مع تركيا على حدة وفي سياقها الخاص. أما النقطة الثانية فهي أن كلا التحليلين القطبين المذكورين أعلاه يحتوي على مواقف سياسية أكثر من الطبيعي. وبعبارة أخرى فإن أصحاب تلك التحليلات حين يتناولون الموضوع يقرأون البلقان من خلال تحليلاتهم وتعليقاتهم الخاصة في مواجهة أردوغان.
وباعتباري أحد من أجرى مقابلات مع أشخاص ينتمون إلى تيارات سياسية ودينية وعرقية مختلفة في البلقان مدة حوالي عامين، فإنني أستطيع القول إن كلا التعليقين الواردين أعلاها في هذه النقطة يحتوي على "خطأ" وعلى "صواب" في الوقت نفسه.
وباختصار يحتوي الكأس على قسمين: ممتلئ وفارغ، ولكن لا الماء الموجود في القسم الممتلئ صاف وبراق تمامًا، ولا القسم الفارغ نظيف تمامًا. وعليه فإن هذا الوضع يجعل الموضوع متعدد الأبعاد ومعقدًا على حد سواء. وأقصد بتعددية الأبعاد هنا أن للموضوع أبعاد اقتصادية وثقافية وسياسية ودينية. أما بالنسبة لكونه معقدًا فهو أنه لا يمكن تعريف أي بعد من أبعاده على الإطلاق ولا وصفه بأنه "أسود" أو أنه "أبيض".
وإذا بدأنا تحليل الأمر بالقسم البسيط والإيجابي فيه وجب علينا أن نعطي الكلمة إلى غنج بوللو أحد وزراء الثقافة والتعليم السابقين، والذي لا يزال يحتفظ بوزنه وثقله وتأثيره في السياسة الألبانية. ففي المقابلة التي أجريتها معه شخصيًا في 20 أبريل 2017 قال العبارات الآتية بشكل يلخص الوضع: "أجل، لقد كانت تركيا دولة مهمة، ومؤثرة جدًا على حد سواء، ولكن الأمور صارت أكثر وضوحًا مع حزب العدالة والتنمية..."
تلك العبارات قيلت في مدينة تيران التي أنشأت فيها رئاسة الشؤون الدينية التركية أكبر جامع في البلقان. ولكن فعالية وتأثير تركيا حزب العدالة والتنمية في البلقان ليست محدودة ولا تقتصر على هذا. ففي كل ركن وزاوية، وفي كل موضوع يتعلق بتركيا، يتحدث المواطنون العاديّون والنخبة السياسية أيضًا عن أجهزة دولة مقرها ومحورها تركيا مثل رئاسة الشؤون الدينية ووكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) ومعهد يونس أمره، ومن تلك الأجهزة ما ينخرط في علاقات عمل بشكل من الأشكال مع فروع بنك خلق التي وصل عددها 65 فرعًا في مقدونيا وصربيا في المقام الأول.
الاقتصاد التركي مع أنه عاش فترة ازدهار ونهضة نسبية ما بين 2004-2011؛ إلا أن الاستثمارات التي تم عملها للبلقان في عهد حزب العدالة والتنمية والمساعدات واتفاقيات الشراكة لم تتأثر كثيرًا من اقتصاد تركيا الهش. ومهما كانت الليرة التركية تفقد قيمتها حتى أمام الدينار المقدوني في الآونة الأخيرة إلا أن اقتصادها لا يزال أكبر من جميع الاقتصاديات الموجودة في البلقان.
وفي هذه الحالة يصبح تأثيرها أكثر وضوحًا. فمثلًا تسهم رئاسة الشؤون الدينية إسهامات جادة في دور إفتاء دول بلغاريا ومقدونيا وألبانيا عبر مكاتبها الاستشارية الرسمية هناك. ومن ذلك على سبيل المثال أن بلغاريا تحصل سنويًا على مساعدات نقدية بقيمة 2 مليون ليف، وتقوم رئاسة الشؤون الدينية التركية بسد حاجة معظم الجوامع التي يزيد عددها عن 1400 في عموم البلاد من تدريس القرآن. وفي هذا الصدد اعترف مصطفى عليش حاجي المفتي الأول في بلغاريا في 9 أبريل 2017 قائلًا ندفع " حتى رواتب الأئمة بصعوبة لولا وجود تركيا..."
ومع كل هذا فإن وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) لا تقتصر أعمالها على تجديد الآثار العثمانية القديمة فحسب كما يُظن. فبالرغم من كل مسيرة الركود الاقتصادي إلا أن هذه المؤسسة (تيكا) تخصص ما يقرب من 20 % من ميزانيتها السنوية للبلقان، وتصل إلى جميع دول البلقان تقريبًا بما فيها كوسوفو ومقدونيا؛ حيث تحسن العديد من الأماكن بدءًا من مباني الحكومة إلى المستشفيات، ومن المدارس إلى بعض التعديلات في البيئة الطبيعية.
كما أن معهد يونس أمره، ورئاسة الأتراك في الخارج والمجتمعات الشقيقة يوفران منحًا دراسية سنوية لأكثر من 2000 طالب من البلقان، فتمكنهم من الدراسة في تركيا.
وخلاصة القول إن تركيا بدأت مع مجيء حزب العدالة والتنمية تنتهج سياسة يمكن أن يُطلق عليها "القوة الناعمة" كأحد أبعاد الموضوع. غير أن تعدد أبعاد القضية وكونها معقدة أمر نابع من عدم القدرة على توضيح وتوصيف نشاطات تركيا حزب العدالة والتنمية بأنها مجرد قوة ناعمة.
وجدير بالذكر أن الخيارات السياسية المتغيرة لحزب العدالة والتنمية الذي يتبع سياسة استبدادية وإسلامية في الداخل، والانكسار الذي حدث في خيارات السياسة الخارجية التي بدأت مع أحمد داود أوغلو، والنضال العابر للحدود الذي دخله الحزب مع حركة غولن ينعكس على البلقان بشكل سلبي نسبيًا ومختلف جدًا.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: