تركيا الجديدة.. دولة هشة تزداد ضعفا

شهدت تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية انتكاسة كبرى لتجربتها الديمقراطية حتى باتت اليوم ما يمكن وصفه بالدولة الهشة.
فعلى سبيل المثال، جرت الانتخابات البلدية يوم الأحد في مناخ يفتقر إلى النزاهة إلى حد كبير، وذلك بسبب سيطرة الحكومة شبه الكاملة على وسائل الإعلام. ونتيجة لذلك، كانت النتيجة متوقعة: فوز حزب العدالة والتنمية مرة أخرى.
ويقود حزب العدالة والتنمية الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو زعيم شعبوي نجح في الهيمنة على المشهد السياسي بفضل قدرته على الفوز بقلوب وعقول أتباعه، وخاصة الفقراء والمتدينين، قبل كل جولة انتخابية. ومنذ عام 2002، وجد المهمشون والإسلاميون وغيرهم في أردوغان فرصة لإيصال صوتهم ومنحوه انتصارات ساحقة في الانتخابات. وفي حوالي ألف بلدة و81 مدينة، اختار الناخبون يوم الأحد رؤساء البلديات وأعضاء المجالس المحلية في تركيا الجديدة (أو كما يمكن أن يطلق عليها بلغة البرمجة تركيا 2.0).
لكن النتائج كانت شاهدة على تحقيق حزب العدالة والتنمية انتصارا مريرا مشوبا بخسائر كبيرة. فقد حصل حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية اليميني المتطرف على 51.6 في المئة من إجمالي الأصوات، لكنه خسر سباق رئاسة البلدية في أكبر ثلاث مدن في تركيا، إسطنبول وأنقرة وإزمير، أمام حزب الشعب الجمهوري المعارض.
ولأول مرة منذ عام 1994، خسر حزب مرتبط بأردوغان إسطنبول والعاصمة أنقرة التي تعد رمزا للجمهورية العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
أما إسطنبول فهي ليست فقط أكبر مدينة ومركز مالي في تركيا ولا تنبع أهميتها من أنها مسؤولة عما يقرب من ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ولكنها أيضا المدينة التي بدأ منها أردوغان مسيرته السياسية كرئيس بلدية في عام 1994. وبالتالي، فإن نتائج الانتخابات تعكس التناقص المتزايد في ثقة الأتراك في حكم أردوغان الفردي والتراجع الذي منيت به الحياة الديمقراطية في البلاد، ناهيك عن الانكماش الاقتصادي.
لكن دعونا لا نقع في خطأ التفاؤل المفرط: فنتيجة هذه الانتخابات لا تعني نهاية الهيمنة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية وحكم أردوغان الفردي. ومع ذلك، فإن نتيجة الانتخابات المحلية لها أهميتها لأنها تعكس فعالية شبكات حزب العدالة والتنمية التقليدية القائمة بشكل كبير على الحظوة السياسية.
ففي الماضي، استفاد أردوغان من ضعف حزب الشعب الجمهوري الذي فشل في تقديم بديل قوي لخطاب حزب العدالة والتنمية الشعبوي ونجاحه الاقتصادي. ففوق أي اعتبار آخر، كانت الأزمة المالية التي عانت منها تركيا في أواخر التسعينيات هي من أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في عام 2002، وكانت نجاحاته الاقتصادية هي من أبقت الحزب في السلطة طوال هذه السنوات.
اليوم، سيكون الركود الاقتصادي في تركيا هو العامل الأبرز في تحديد مستقبل الحزب. وبكل تأكيد، لن يساعد الفوز الضئيل الذي حققه حزب العدالة والتنمية يوم الأحد كثيرا في حل المشاكل السياسية والاقتصادية طويلة الأجل التي تعاني منها البلاد.
نعم، هناك مخاوف جدية حول مستقبل تركيا 2.0. وكما كتبت في أغسطس، ما حدث في فنزويلا هو خير مثال لما يمكن أن تتعرض له تركيا.
فعندما انتهى حكم الرئيس الشعبوي هوجو شافيز الذي دام 14 عاما بوفاته في عام 2013، لم تعد فنزويلا أغنى بلد في أمريكا الجنوبية، بل وكانت في طريقها بالفعل إلى الفوضى.
وركز نيكولاس مادورو، الذي اختاره شافيز بنفسه ليكون خليفته، على تعزيز سلطته التنفيذية أكثر من الإصلاحات الاجتماعية، على غرار تركيا 2.0. وزادت سياسات مادورو من معدلات البطالة والفقر والتضخم. وتحتل فنزويلا الآن المرتبة الثالثة في قائمة أسرع الدول تدهورا في مؤشر الدول الهشة الصادر عن صندوق السلام. وكانت تركيا تحتل المرتبة 92 من أصل 178 دولة في هذا المؤشر في عام 2008، لكنها تراجعت إلى المركز 58 في التصنيف الأخير.
ومن المنطقي أن تكون القضية الأكثر إلحاحا في تركيا اليوم هي الاقتصاد، والذي دخل في دوامة من الخسائر منذ إعادة انتخاب أردوغان رئيسا للبلاد وتوليه سلطات تنفيذية واسعة في يونيو الماضي. وشهدت البلاد تقلبات حادة في قيمة الليرة في أغسطس وبلغت البطالة 13.5 في المئة، في حين ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب لتصل إلى 24.5 في المئة في نهاية عام 2018. وفقدت الليرة ما يقرب من ثلث قيمتها مقابل الدولار في العام الماضي وتكبدت المزيد من الخسائر في الأسابيع الأخيرة.
وحذر أردوغان المصرفيين الذين يراهنون على انخفاض قيمة الليرة بأنهم سيدفعون "ثمنا باهظا للغاية"، وفتحت الهيئات التنظيمية تحقيقات بحق بنك (جيه بي مورجان تشيس) وبنوك أخرى بشأن مزاعم حول تقديمها معلومات مضللة وتأجيجها التقلبات المالية وتشجيع عملائها على شراء العملات الأجنبية.
وقال أولريتش لوشتمان، رئيس أبحاث صرف العملات الأجنبية في كومرتس بنك في فرانكفورت "من خلال انتهاج مثل هذه الإجراءات التي عفا عليها الزمن، سيتسبب أردوغان في إخافة حتى المستثمرين الأكثر شجاعة في تركيا. فببساطة، من الذي سيرغب في الاستثمار بعملة يتم تقدير قيمتها فقط على أساس الخوف؟"
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد دخلت تركيا في حالة ركود اقتصادي وبلغ معدل التضخم 20 في المئة. وفي الوقت الذي باتت البلاد فيه بحاجة ماسة إلى رأس مال أجنبي، عارض أردوغان بقوة فكرة الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، والذي سيأتي بطبيعة الحال مصحوبا بشروط صعبة. واليوم، يواجه الاقتصاد التركي المجهول في ظل هروب العديد من المستثمرين الأجانب.
ومثل فنزويلا، فإن علاقات تركيا 2.0 مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، تمر بمنعطف خطير. ويختلف هذا الوضع كثيرا عما كان عليه في عام 2004 عندما بدأت رسميا محادثات انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، بعد مرور عامين فقط من تولي حزب العدالة والتنمية الإسلامي السلطة. 
وفي شهر فبراير، دعا البرلمان الأوروبي إلى تعليق محادثات الانضمام مع تركيا رسميا بسبب مخاوف بشأن حقوق الإنسان وسيادة القانون وحرية الإعلام وتفشي الفساد وإنشاء "نظام رئاسي واسع الصلاحيات" في البلاد.
لكن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لم يعد هدفا مهما لتركيا 2.0، كما تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة، حليف تركيا في حلف شمال الأطلسي وشريكها الاستراتيجي لعقود، إلى مستويات غير مسبوقة بسبب مجموعة من القضايا، منها دعم أنقرة لمادورو وشراء تركيا لمنظومة (إس-400) للدفاع الصاروخي من روسيا.
ومع ذلك، واصل أردوغان خطابه المعادي للغرب وبلغ به الأمر حد استخدام لقطات للهجوم على مسجدين بنيوزيلندا، والذي أسفر عن مقتل 50 مسلما، كأداة دعائية انتخابية دون أي خجل أو احترام لمشاعر أهالي الضحايا. وكل انتقاداته للغرب بشأن تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا لم تكن سوى مجرد محاولة يائسة ورخيصة لاستغلال المشاعر المعادية للغرب والحصول على دعم فئات بعينها في الانتخابات المحلية. وكانت الرسالة ببساطة هي أن أردوغان وحده يهتم بالمسلمين.
ورويدا رويدا، يقود أردوغان تركيا بعيدا عن محيطها الأوروبي ويفكك الجمهورية الديمقراطية العلمانية التي أسسها أتاتورك. ولقد حقق بالفعل نجاحا كبيرا في الوصول بملف ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى طريق مسدود، بجانب القضاء على تقدمها الديمقراطي والإضرار باقتصادها الوطني وصورتها الدولية.
نعم، جميع الزعماء السياسيين تفسدهم السلطة، لكن لابد أن نعلم أيضا أنه لا يوجد زعيم خالد. وتماما مثلما حدث في فنزويلا تحت حكم شافيز وبعده، يشبه المسار السياسي لتركيا تحت حكم أردوغان مشاهدة حادث سيارة بالحركة البطيئة.
وعلى الرغم من أن تركيا لطالما تعرضت لانتقادات لكونها دولة قوية داخليا، يمكن القول إن تركيا الجديدة أو تركيا 2.0 ليست سوى دولة هشة تسير على نفس خطى فنزويلا لتصبح دولة فاشلة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/turkey-20-fragile-state-and-getting-worse
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.