أحمد كولوسوي
فبراير 20 2018

تركيا: الحمالون في إسطنبول.. مهنة توشك على الاندثار

في سنوات الماضي، عندما كان الفقراء يهاجرون من المناطق الريفية في الأناضول إلى اسطنبول ولا يجدون الشوارع ممهدة بالذهب، كان كثير منهم ينضمون لجموع الحمالين الذين كانوا ينتشرون في الأسواق المزدحمة ومخازن البيع.
وفي الماضي، كان أطفال الحمالين يقتفون آثار آبائهم في المهنة، لكن الجيل الصغير لم يعد اليوم مهتما بمهنة الآباء واختفى كثير منهم ليحل محلهم المركبات والآلات.
في البداية، لم يكن للحمالين زيا محددا، وارتدى كل منهم الزي التقليدي لقريته لكن ومنذ القرن الثامن عشر، فرضت نقابة الحمالين على أعضائها ارتداء سروال أزرق وصدرة من الجبردين مزينة بحواف زرقاء خلال الصيف.
وبجانب ظهورهم التي تشبه السرج لحمل البضائع وحبل للإمساك بها، يحمل كل حمال أيضا مرآة وممشطا كي يتباهى بشاربه الطويل وهو ينتظر الزبائن.

old porter

لا تزال اسطنبول الضخمة التي يقطنها 15 مليون نسمة الوجهة الرئيسية للمهاجرين الوافدين من الريف ومن المدن الأصغر والأفقر بالمناطق الداخلية. وتبعث الأزمات المالية التي تحدث بين الحين والآخر بموجات جديدة من المفعمين بالأمل إلى المدينة.
حي أمينونو على شواطئ القرن الذهبي في اسطنبول يعج بالشوارع الضيقة من البازار المصري والورش التاريخية والمخازن صعودا حتى جراند بازار. وتشير تقديرات إلى أن ما يتراوح بين ألف و 1500 حمال يعملون في أمينونو لكن الحصول على وظيفة بهذه المنطقة ليس أمرا سهلا.

Old Istanbul

في بادئ الأمر، ينبغي أن يكون معك رأسمال. الراغب في العمل ينبغي أن يقدر على دفع رسم شهرة إلى "وسطاء مفوضون" علاوة على "رسم حزمة" ضخم بآلاف الدولارات يدفع مرة واحدة. وبعد ذلك تنضم إلى فرقة حمالين.
في أمينونو ثماني فرق حمالين بكل منها 180 عضوا. ومن لا ينضم إلى فرقة يمنع من العمل في الحي ولو بالقوة في بعض الأحيان، وأصحاب المتاجر يستأجرون فقط الحمالين الأعضاء في الفرق.
يطلق على أكبر عضو في الفرقة اسم "سرجنت" ومهمته هو توجيه وإدارة الفريق. ويبدأ العمل في الثامنة والنصف صباحا وينتهي في السادسة مساء. وتوزع العائدات بالتساوي على أعضاء الفرقة، لكن السرجنت يحرم الذين يتهربون من العمل من الأجر.
ويكسب الحمالون ما يتراوح بين 25 و50 دولارا في اليوم لكن ليس لديهم ضمان اجتماعي ومنهم من يشتري برامج تأمينية خاصة، والغالبية الكبيرة منهم يعانون من فتاق وانحناءات في أكتافهم سبب الأحمال الكبيرة.

حمال في تركيا

لكنهم اختفوا تقريبا من معظم اسطنبول ناهيك عن أحياء مثل أمينونو حيث الشوارع مزدحمة للغاية وشديدة الضيق بدرجة يتعذر معها مرور السيارات. ويزيد الإحجام الشائع عن الاستعانة بالحمالين من معاناة المهنة التي "لم تعد مثل الأيام الخوالي".
عبد القادر أوك، 54 عاما كان واحدا من مجموعة رغبت في الإجابة على أسئلتي:
سؤال: منذ متى تعمل في هذه المهنة؟
جواب: أقوم بهذا العمل منذ 20 عاما؟.
س: هل كان والدك حمالا أيضا؟
ج: لا. لقد كنت مزارعا. كنت أزرع القمح والعدس. وكان حقلي صغيرا جدا وقررنا بيعه. ولا أعتقد أننا قمنا بالأمر الصائب.
س: كم تكسب كل يوم؟
ج: لا يوجد عمل. عندما بدأت هذه المهنة كنت أكسب جيدا. في هذه الأيام 150 ليرة (40 دولارا) في اليوم الجيد على أقصى تقدير.
س: ما هو الوزن الذي تحمله في كل مهمة؟.
ج: أحمل حتى مئة كيلوجرام. لم نعد نحمل على ظهورنا هذا الوزن بعد الآن. نستخدم عربات.
س: هل أصبت بمرض؟ هل لديك أي ضمان اجتماعي؟.
ج: ليس عندي تأمين. لدي تأمين البطاقة الخضراء (وهو تأمين للمواطنين محدودي الدخل يوفر خدمات صحية مجانية). الحمد لله.
س: كم قدر نفقاتك في اليوم؟.
ج: عشرون إلى 25 ليرة.
س: هل تدفع إيجارا للسكن؟.
ج: هو أشبه بإيجار لقد اشتريناه بقرض. وعلينا مدفوعات شهرية.
س: قلت إن عندك أربعة أطفال، هل هم في المدرسة؟.
ج: لا ليسوا في مدرسة. أطفالي كانوا في المدرسة عندما كنا نعيش في القرية وليس هنا. الآن اثنان منهما يعملان في المنسوجات والآخران يعملان في مصنع لحقائب اليد.
س: هل تقرأ أو تكتب؟
ج: نعم (لكن) ليس بالشكل الذي أتمناه.
س: هل ذهبت من قبل للسينما في اسطنبول؟.
ج: لا.
س: هل تقرأ الصحف؟.
ج: لا.
س: هل تتابع الأخبار؟.
ج: لا، أنا لا اهتم بالسياسة. إنني أسعى لكسب قوت يومي.

حمال في تركيا

حمال آخر يدعى ضيا دميرطاش
س: منذ متى تعمل حمالا؟.
ج: منذ عام 1976.
س: هل هذه مهنة والدك أيضا؟.
ج: لا. لقد انضممت إلى أصدقائي من القرية. ولم نجد عملا آخر ولم يكن لدينا خيار غير ذلك. لذلك أصبحت حمالا. وبلدتنا لم يكن بها مدرسة. أما القرى المجاورة فكانت بها مدارس لكنها كانت بعيدة. وفي الشتاء كانت الثلوج تغطي الطرقات...فكان أمرا صعبا.
س: هل لا يزال يعمل الناس في قريتك بالزراعة؟.
ج: لا. لا يوجد شيء الآن. مجرد اسم.
س: هل تدفع أجرا على منزلك؟.
ج: الحمد لله. منزلي ملكي.
س: كم عدد الحمالين في اسطنبول؟.
ج: ربما ألف أو نحو ذلك. كان الحمالون يحظون بتقدير كبير في أيام أتاتورك. خلال حرب الاستقلال كان الحمالون ينقلون الذخيرة للجنود حتى أن أتاتورك أعفى الحمالين من الضرائب.
س: هل لديك تأمين صحي؟.
ج: البعض لديهم. أسوأ جانب في مهنتنا هو أنك تعمل منفردا. البعض منا أجرى جراحتي فتاق. وبعد الجراحة لا تعود للعمل إلا بعد ستة أشهر.
س: هل ترغب في قول أي شيء؟.
ج: كان يوجد عدد كبير من الحمالين في الماضي لكنهم يختفون الآن. كان الحمالون في كل أنحاء اسطنبول والآن تؤدي الآلات وظائفنا. يحتاجون فقط الحمالين للأماكن التي لا يمكن أن تصلها الآلات. توجد الرافعة الشوكية والمصاعد. وفي الماضي كان العمل يحظى بتقدير. وبكل أمانة، لا أحب عملي كثيرا. لكن هذا كل ما لدي. ولا أعتقد أن هذه المهنة ستستمر بعدنا بأي شكل. يبدو لي أننا آخر ممثلين لهذه الحرفة القديمة. والآلات ستحل قريبا محل كل الحمالين.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: