أويغار غولتَكِن
ديسمبر 12 2017

تركيا: الخطر الداهم.. ازدياد التسلح الفردي

تعد منطقة الشرق الأوسط جغرافيًّـا إحدى بؤر العنف، حيث انتشار الحروب والصراعات والانقلابات... إننا -سكانَ هذه المِنطقةِ- نعيش وسط عنف لا نهاية له.

وقد شهدت تركيا -إحدى دول هذه المنطقة الجغرافيَّـة- كثيرًا من القلاقل والاضطرابات الدامية على مدار السنوات العشر السابقة؛ ما بين انقلابات أو محاولات للانقلاب على السلطة.

ونحن -سكانَ تركيا- عانينا ولا نزال نعاني على مدى ثلاثة عقود من الزمن من ويلات تلك الصراعات التي كادت أن تعم كافة أنحاء بلادنا، ولا يكاد يمر يوم إلا وتطالعنا فيه أنباءٌ عن حالات وفاة يشوبها الغموض والريبة.

غير أن تركيا مشهورٌ عنها أن لديها جيشًا من أقوى جيوش العالم؛ ذلك أنَّ كل شابٍّ تركي يبلغ من العمر 20 عاما يأخذ مكانه في هذا الجيش القويّ.

وبخلاف بعض الاستثناءات، فإن كل الذكور من الأتراك يكونون قد تمرَّسوا على استخدام الأسلحة على اختلاف أنواعها؛ فقد كانوا خلال أداء خدمتهم العسكرية يتدربون على السلاح في صحوهم ومنامهم؛ فنحن نعيش في بلد يكاد كل الرجال فيه أن يتقنوا فنون القتال عند العِقد الرابع من أعمارهم.

لقد صار السلاح جزءًا أساسيًّـا من الحياة في بلادنا؛ نراه رَأْيَ العين في الأعراس، وفي حفلات التوديع والتشييع العسكرية، وفي أماكنَ ومناسباتٍ أخرى، حتى أنه صار مستخدما كذلك في النزاع على الأراضي وفيما يحدث من خلافات ذات صلة بالمعاملات التجارية، بل بلغ بنا الأمر أن يُستخدمَ السلاح عندنا في أمور تافهة من مثل استعمال سائقي السياراتِ والحافلاتِ آلاتِ التنبيه، ومثل عدم السماح للسيارات بالعبور ... الخ.

ولا شك أن استخدام السلاح على هذا النطاق الواسع صار خطرا كبيرا يهدد الأمن والاستقرار في تركيا، وليس أدلَ على ذلك من قراءتِنا اليوميةِ أخبارًا عن الوفيات الناجمة عن التسلح الفردي.

ووفقا لبيانات وزارة الداخلية، فقد بلغ عدد الأسلحة المرخصة التي يستخدمها المدنيون في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2017  338 ألفًا و52 سلاحا، بنسبة 10 في المائة من إجماليّ السلاح المستخدم داخل الدولة.

وقد رُتِّب توزيع استخدام الأسلحة وفقا للمدن كما يلي:

اسطنبول 71 ألفًا 202 من قطع السلاح.

أنقرة 50 ألفًا 84 قطعةَ السلاح.

إزمير 12 ألفًا 574 قطعةَ السلاح.

طرابزون 10 آلاف 273 قطعةَ السلاح.

غازي عنتاب 10 آلاف 63 قطعةَ السلاح.

أنطاليا 8 آلاف 171 قطعةَ السلاح.

قوجه إيلي 7 آلاف 918 قطعةَ السلاح.

قونيه 7 آلاف 462 قطعةَ السلاح.       

ديار بكر 6 آلاف 119 قطعةَ السلاح.    

ووفقا لبيانات الوزارة، فإن أكثر من 300 ألف مدني يحوزون أسلحة.

وتشير مؤسسة "أوموت" الخيرية المعروفة بأنشطتها المناهضة للتسلح الفرديّ، إلى أبعاد هذا الخطر الداهم. ووفقا لما أعلنته المؤسسة فإن  أكثر من  4 أشخاص يفقدون حياتهم سنويًّـا من جرَّاء التسلح الفردي.

وطبقا لتقرير المؤسسة المذكورة لعام 2016م، فإنَّ في تركيا ما لا يقل عن 20 مليون قطعة سلاح (في أيدي المدنيين)، بلغت نسبة غير مُرخّص منها 85%، أي أن ما يقارب 2.5 مليون منها هي المُرخّصة، بينما حوالي 17 مليونًا منها غير مرخصة.

وقد أُصدِرت خريطةٌ للعنف المسلَّح موزعةً حسب المناطق. وهي توضح أنَّ ثمَّةَ 647 حادثةً ناجمة عن العنف المسلَّح في منطقة مرمرة وحدها، وأنه -داخل هذه المنطقة– فقد احتلت مدينة اسطنبول المركز الأول من حيث عدد الحوادث الذي بلغ 246 حادثة.

خريطة للعنف المسلَّح
خريطة للعنف المسلَّح موزعة حسب المناطق في تركيا

وتتْبع منطقةُ البحر الأسود منطقةَ مرمرة من حيث عدد حوادث العنف المسلَّح الذي بلغ 422 حادثة، بينما وقعت في منطقة وسط الأناضول 404 حادثة عنف.

وفيما يخصُّ منطقةَ البحر الأبيض، فقد وقعت فيها 393 حادثة. ومعظم هذه المناطق تشهد زيادةً مطَّردةً في تلك الأعداد.

أما إذا نظرنا للخريطة من حيثُ توزُّع حوادث العنف المسلَّح على المدن، فسنجد أن مدينتي "سامسون" و"أضنة" تليان مدينة "اسطنبول" من حيث عدد الحوادث فيهما. والصورة في كافة مناطق تركيا على نفس هذه الشاكلة.

ووفقا لبيانات نفس المؤسسة، فقد لقى ما يقرب من  575 ألفَ شخصٍ مصرعهم وأصيب ألفان و670 شخصًا في ألفين و525 حادثةً بسبب إطلاق الأعيرة النارية حتى سبتمبر 2017م.

وأفادت هذه البيانات كذلك بأن ما نسبتُه 74 % من الجرائم المرتكَبةِ بالسلاح الفردي كانت من خلال استخدام الأسلحة النارية، وأن هذه النسبة قد ارتفعت إلى حواليّ 80 % خلال عام 2017م.

ومما يدعو للعجب أن المسلسلات والألعاب الإلكترونية وحدها كفيلة بأن يتعلَّم منها الناس أمورًا كثيرة تتعلق باستخدام تلك الأسلحة! بل إن الأمر يتعدَّى الأسلحة النارية العادية ليشمل كذلك القنابل والمتفجرات! حتى إن أمر التمرس على استخدام كل تلك الأنواع من الأسلحة يكفيه أن تكون شغوفا بتعلُّمِها؛ صار الأمر إذن بهذه السهولة!

خلال العام الماضي بتركيا تم إلقاء قنبلة يدوية على منزل أحد الأشخاص الذين عاشوا النزاع على الأراضي. وتم إرسال علبة مفخخة إلى مكان عمل والده.

إن إجراءات ترخيص السلاح ليست صعبة. أعلى رسوم لها حوالي 4 آلاف ليرة لمدة 5 سنوات. فالأوراق في الأساس سهلة إلى حد ما. ومن السهل جدا ترخيص أسلحة لبعض المجموعات المهنية. أما شراء الأسلحة فهو أمر بسيط.

السلاح متاح عبر الانترنت

يُحظر بيع الأسلحة عن طريق الإنترنت في تركيا. ولكن هناك مواقع إنترنت تجمع بين بائعي السلاح وشاريئيه. لا يمكنكم شراء الأسلحة ولكن يمكنكم الوصول لمن يريد بيعه. أي أن الوصول إلى السلاح سهل جدا.

هناك علامات تجارية معروفة في بيع الأسلحة. يمكنكم الذهاب إلى محلات بيع الأسلحة والشراء. كما تقوم المؤسسة الرسمية للدولة ببيع السلاح. وهناك جماعات مدنية تدافع عن أحقية شراء الأسلحة عن طريق الإنترنت، وضرورة تنفيذ تسهيلات في موضوع بيع الأسلحة.

في الواقع الخطر كبير جدا. من الممكن وجود أسلحة مع الأشخاص وفي المنازل بشكل لا يمكن تخمينه. يكفي التجول بمحيطكم لمعرفة ما يحدث.

يوسف بك تاجر (70 عام) يعمل بالدكان والوظيفة ذاتها لمدة 40 عام. أخرج لنا مسدسه من مكان بالدكان ليس من الصعب العثور عليه. سألته عما إذا كان يستخدمه أم لا فأجابني بعدم استخدامه قائلا: "لا أحب هذه الأشياء". وعندما سألته لماذا يحمله أجابني "ليس من الواضح ما الذي يمكنه الحدوث لك بهذه الحياة" فسألته السلاح ليس مرخصا، من أين وجدته؟ أجابني "هذا أمر سهل. كان أحد الأصدقاء التجار مدينا لي. أخذته مقابل هذا الدين."

ليس الموضوع حدوث أي شئ يلزمه حمل سلاح في حياته، باستثناء دخول لص إلى المنزل.

هناك طبيب لا يريد الإفصاح عن اسمه، يوجد بمنزله بندقيتين. ولكونه طبيبا فمن السهل ترخيص سلاحه. عندما تروهما ستخافون أكثر. إحداهم بـ 1500 ليرة تركية، أما الأخرى يقول عنها إنها نوع أفضل سعرها 3 آلاف ليرة تركية تقريبا.

يقول الطبيب إنه اشتراهم للصيد، عنده مجموعة من الأصدقاء يذهبون إلى الصيد أحيانا. إن الهدف الأساسي لشرائه لهما هو الشعور بالأمان وقت الصيد. كانت مسألة الأمان هي المسألة الأساسية التي تحدثنا عنها أكثر من الصيد:

"السلاح بحوزتي من أجل الأمان. ليس واضحا ما الذي يمكن حدوثه بهذه الدولة. يجب توفير الأمان لعائلتي. بالطبع ليس لارتكاب جريمة. لا يرتكب أحد جريمة بسلاحه المرخص. في الحقيقة أن الأسلحة الغير مرخصة هي التي تشكل خطرا. ولكن ماذا سنفعل في المستقبل عندما تتعقد الأمور وتبدأ عمليات السلب والنهب والاشتباكات بالشوارع. يجب توفير الأمان بنفسي."

ولا يمكن القول أن الحكومة لديها سياسة فعالة لمنع التسلح الفردي بتركيا.

قد أطلق مصطفي ياتجين (21 عام) بمقاطعة بنديك، النار ببندقية على هالين بالاندوكان (17 عام) وجميل يلديز ودنيز مورسمبل.

فقد بالاندوكان حياته بينما أصيب يلديز ومورسمبل. تحدث الجميع بالموضوع لعدة أيام، وبعدها تم طرح نقاشات السلاح الفردي بجدول الأعمال من جديد. وقد تم رفض اقتراح نقاش التسلح الفردي الذي قدمه حزب الشعب الجمهوري إلى البرلمان. علاوة على أن سهولة شراء تلك الأسلحة وعدم وجود عقاب رادع لهذا من أكبر المؤشرات لتفاقم هذا الخطر. أما الحكومة فتكتفي بالتفتيش عدة مرات.

ستستمر عملية شراء الأسلحة ما لم يتم إتخاذ التدابير المناسبة. حيث تُستخدم الأسلحة المرخصة وغير المرخصة في أبسط الاشتباكات، فتتسبب في حدوث وفيات. تقع عمليات قتل جماعي يقوم بها الأفراد في كثير من الأحيان. ولم تعد  عملية مكافحة التسليح أمرا مجديا الآن. حيث تتزايد أبعاد الخطرتدريجيا في تركيا.

وسنستمر بسماع أخبار الوفيات الناجمة عن تلك الأسلحة حتى تقرر الحكومة التركية ضرورة إتخاذ التدابير اللازمة بموضوع التسلح الفردي.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا: