محرم أربي
ديسمبر 29 2017

تركيا.. الدولة هي الخاسر الوحيد من اختبار الأكراد بالقيود والأغلال

 

ديار بكر (تركيا)-  قديماً التقطوا صوراً فوتوغرافية  للشيخ سعيد الكردي، وسيد رضا بعد أن قاموا بشد وثاقهما، وكرروا الأمر نفسه مع المثقفين الأكراد في أحداث 49، وأكراد معارضين عام 1980، فضلا عن النواب الأكراد بالبرلمان عام 1992؛ سجلوا ذلك من خلال صور تاريخية، في مسعى منهم لإظهارهم أمامنا على أنهم ضعفاء لا حول لهم ولا قوة.
وفي تاريخنا القريب، وتحديدًا يوم 24 ديسمبر عام 2009 أي قبل تسع سنوات من الآن، فعلوا نفس الشيء مع أسماء لها ثقلها على الساحة السياسية الكردية، إذ قاموا في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم بالتقاط صورة لا زالت محفورة في أذهاننا لتلك الأسماء، بعد أن أوقفوهم صفًا في حديقة القصر العدلي بولاية ديار بكر. صورة لم تخلُ منّي لأنني كنت أشغل حيزًا فيها. ولا يمكنني أن أنسى ليلة هذا اليوم حينما اقتحموا منازلنا مع بزوغ الصباح، وقاموا بتفتيشها.
عمليات التفتيش جرت بشكل غير قانوني، وشملت بيتي، وسيارتي، ومكتبي، وكافة الغرف في "جمعية حقوق الإنسان"، ووصل الأمر لدرجة أنهم منعوني من التواصل مع المحامين، أمضيت الليلة في مديرية أمن ديار بكر، وفي الصباح الباكر اقتادوني للقصر العدلي، وهناك جعلونا ننتظر في صفوف.
اختبار الأكراد بالقيود والأغلال

 

وبقدر ما أتذكره، فإنه في الوقت الذي كنا نلتفت فيه يمينًا ويسارًا متسائلين عما يجري، وسبب القبض علينا، إذا بصحفيين من وكالة الأناضول، قد جاءوا مهرولين وبأيديهم كاميرات التصوير الخاصة بهم، وأخذوا يلتقطون الصور لنا بشكل مستمر.
وفيما بعد أدركنا أن وقوفنا آنذاك في صف واحد، وأيدينا مكبلة بالقيود البلاستيكية والمعدنية الباردة، ما كان إلا جزءاً من مسرحية هزلية.
ظلّ الصحفيون يلتقطون لنا الصور حتى ولجنا القصر العدلي. وفي الداخل بدأ المحققون يستجوبوننا من خلال طرح أسئلة سخيفة منافية للمنطق، ليقوموا فيما بعد بعرضنا على المحكمة مطالبين باعتقالنا، وهو ما قررته المحكمة بعد مثولنا أمامها، ليتم إيداعنا سجن ديار بكر الخاص بالمحكومين من الفئة (د).
أول سؤال طرحه المُدّعي العام، عليّ، كان غريباً ومثيرًا بحق. فما أن دخلت  إلى غرفته بصحبة المحامي الخاص بي حتى  قال لي "أووو ...ألست أنت محرم آربَي المرشح السابق لانتخابات البرلمان عام 2011؟ ". وما أن قال ذلك إلا وجدتني أنظر إلى المحامي، ورددت على المدّعي قائلًا "ما علاقة هذا بالأمر؟".
السؤال الثاني كان موجهاً لي كذلك، إذ قال المدّعي العام "يقولون إنك تتردد كثيراً على بلدية ديار بكر، هل هذا الكلام صحيح؟"، وما أن فرغ من كلامه، ظننتُ في البداية أنه يقول ذلك على سبيل المزاح، فرددت قائلًا " معذرة ! لم أفهم قصدكم ؟ " لكنه لما كرر ذات السؤال على مسامعي، أدركت حينها أن الأمر ليس بمزحة. 
ومع هذا رردت على السؤال موضحًا له أنني أتردد على البلدية لكوني مستشاراً لرئيسها عثمان باي دمير. وعلى إثر ذلك سألني قائلاً "حسناً، وهل تتقاضى أجراً؟". فرددت قائلا "أنا مستشار رسمي، أتقاضى راتبًا لقاء عملي تماماً كما يفعل مستشارو رؤساء البلديات الآخرين". 
لا شك أن أقدارنا لم تتغير باعتقال ومعاقبة المدعي العام والقضاة المنتمين للجماعة (فتح الله غولن)، الذين أمروا بالقبض علينا، وحاكمونا بشكل غير قانوني طيلة 5 أعوام.
جدير بالذكر أن الأمر عندما يتعلق بالأكراد، فإن الرأي السياسي الذي يتبناه الشخص الذي يصدر الحكم، لا يفرق في شيء. فمن المعروف أن كافة المصادمات والخلافات بين المؤسسات السياسية اليسارية واليمينية في تركيا، سرعان ما تتلاشى في لحظة واحدة، عندما يتعلق الأمر بالأكراد كما قلنا.
لقد ألفنا حالة نشوة السلطة التي لا يصل إليها أحد ممن يستجمعون في أيديهم القوة إلا بعد أن يستشري السم بداخلهم. لكن من عجزوا عن الوصول لتلك المقاربة التي وصلنا لها من خلال ممارسة عملية كتلك التي عشناها، لم يألفوا تلك الحالة مثلنا.
السياسيون المعتقلون، ادّعوا بإصرار أثناء محاكمتهم، أنهم يحاكمون فقط لأنهم يمارسون السياسة، ويقومون بأنشطة لأحزاب سياسية.
وبالنسبة لي فإن محاكمتي استمرت 4 أعوام ونصف العام، وانتهت بعقوبة السجن لمدة 6 أعوام وثلاثة أشهر، المحاكمة جاءت على خلفية خطابات وتصريحات وتقارير قمت بها بصفتي رئيس فرع "جمعية حقوق الإنسان" في ديار بكر، ونائب الرئيس العام للجمعية، وذلك فضلًا عن قيامي بأعمال مدنية أخرى.
انتهت الدعوى الرئيسية لتنظيم "اتحاد المجتمعات الكردية" (KCK) بإصدار عقوبات مُشدّدة في 28 مارس 2017، بعد أن ظلت تنظر منذ العام 2010 أمام المحكمة الجنائية العليا الثانية في ديار بكر.
قضية تنظيم "اتحاد المجتمعات الكردية" استمرت سبع سنوات، وقُدِّمَ للمحاكمة فيها 191 متهمًا، احتوى ملفها الرئيس على 850 "دوسيهًا"، استبعدت منها سابقًا دوسيهات 37 شخصًا، من بينهم 8 نواب بالبرلمان عن حزب "الشعوب الديمقراطي".

تفاوتت مدّة عقوبات السجن الصادرة بحق 107 متهمين من أصل 154 تمت محاكمتهم، كما صدرت أحكام ببراءة 43 آخرين. وفي يونيو الماضي، اُرسِل ملف قضية تنظيم "اتحاد المجتمعات الكردية"، إلى القضاء العدلي بمنطقة غازي عنتاب . ولا زال مصيره مجهولًا إلى يومنا هذا. ولم يعد أحد يسمع صوت من قالوا مارسنا السياسية مُصرّين.

فبدلاً من مكافحة الظلم، نجدهم يعملون على نشره. وفيما بعد تم توقيف القضاة والمدعين العامين التابعين للجماعة.
وذات مرة اتصل بي صحفيون، وسألوني عما إن كنتُ أريد أن أرى هؤلاء في موقف مشابه لمشهد الأغلال التي كُبّلنا بها، فكان ردي عليهم جميعاً "لا".  فنحن لم يُطبّق علينا القانون، لكني أطلب بتطبيقه عليهم، وإلا فلن يكون هناك فرق بيننا وبينهم. 
في 21 يونيو 2017 ألغت دائرة الجنايات الـ16 بمحكمة النقض، الحكم الصادر في الدعوى الرئيسية المرفوعة في ولاية فان، تحت اسم "اتحاد المجتمعات الكردية".
ورأت محكمة النقض أن النظر إلى الخطب التي أُلقيت في مناسبات عدة مثل زيارات العزاء، و عيدي النيروز، واللغة الكردية، وفي التجمعات الجماهيرية في 8 مارس، وتلك التي جاءت لمقاطعة الاستفتاء على الدستور، على أنها جريمة، أمر يتنافى مع القانون.
المحكمة التي نظرت التماسًا لدفاع المتهمين، تقدموا به بسبب عدم تقديمهم رأيًا قانونيًا لوجود حالات غير قانونية بالقضية، أفادت أنّ حق الدفاع تمّ انتهاكه من خلال عدم منح فرص الدفاع للمحامين المعارضين للرأي القانوني الخاص بالادعاء العام في القضية.
وذكرت النقض في حيثيات قرارها أن العقوبة التي حكم بها على المتهمين، تعتبر من الحد الأعلى للعقوبة. وشددت على أن معظم الأعمال والأنشطة الثابته في ملف القضية بأكمله تقريبًا، عبارة عن أنشطة لحزب سياسي، ومن ثمّ قامت بإعادة ملف القضية إلى المحكمة المحلية. وينتظر الجميع بترقب ما ستسفر عنه المحاكمة من نتائج.
لا شك أن كافة جوانب المحاكمة، مليئة بالثغرات الناقصة. وإذا ما قلنا إننا نتوق لمحاكمة عادلة، فهذا هو القول المناسب. دعونا نلقي نظرة على أكثر دولة في محكمة حقوق الإنسان الأوروبية انتهاكًا لحق المحاكمات العادلة.
بالطبع هذه الدولة هي تركيا. فوفق آخر الأرقام والبيانات، فإن المحكمة الأوروبية حكمت في 88 % من القضايا التي قدمت إليها بشأن وجود انتهاكات في المحاكمات بتركيا، حكمت بوجود انتهاك للحقوق بالفعل. وحتى الآن لم تبت المحكمة في حوالي 25 ألف طلب مُقدَّم إليها بعد 15 يوليو 2016.
محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، انتهت عام 2017 من نظر طلب تقدم به مديرو فرع "جمعية حقوق الإنسان" في ولاية آضنة، وعاقبت تركيا بانتهاك حقوق الإنسان.
السلطات التركية كانت قد عاقبت 3 صحفيين بغرامة مالية قدرها 143 عن كل تصريح صحفي أدلوا به، كان هذا السبب الخفي للعقوبة، لكن الذريعة التي كشفوا عنها لهذه العقوبة هي أنهم خرقوا حظراً فرضته ولاية آضنة ضد القيام بأية أنشطة أو فعاليات. القضية لما نظرت أمام المحكمة الأوروبية، زعمت الحكومة في دفاعها أن "الغرامات المالية (المذكورة) ضئيلة للغاية". لكن اُدينت تركيا للمرة الثانية بتأكيد المحكمة على أنّ "حق التظاهر السلمي، هو اللبنة الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي". 
ومن الواضح والجلي أن تركيا لن تتوانى عن استخدام القضاء لحل مشاكلها التي أُصيبت بالغرغرينا، وستستمر لمدة طويلة على هذا النهج. 
ولهذا السبب نجد أن تركيا تخسر باستمرار في الداخل والخارج. لأن السلطة السياسية الحاكمة منذ قيام الجمهورية حتى الآن؛ دائمًا ما تسعى لاستخدام القضاء في التخلص من القطاعات التي تصنفها بالآخر، وتعيد ترتيبها من جديد كيفما تريد.
وعندما تأذن تلك السلطات للسياسيين الذين غلَّت أيديهم بالقيود، بالحديث، فإن أشياءً كثيرة ستتغير عندما يعبرون عن أنفسهم بهوياتهم واختلافاتهم.
ومع قدوم العام الجديد، باتت تركيا عند مفترق طرق. وفي هذا السياق قال رجل أعمال شهير كلامًا أوضح من خلاله ما تعانيه البلاد من فرقة واستقطاب إذ قال "أنا في الخمسين من عمري، لكني لم أرَ في أي فترة ما أراه الآن من استقطاب وتفكك".
وإذا كان الأكراد يعاقبون في تركيا لأنهم يمارسون السياسة، والمدافعون عن حقوق الإنسان، يعاقبون لأنهم يدلون بتصريحات صحفية، والصحافيون لأنهم ينشرون أخبارًا، والأكاديميون لرغبتهم في عقول حُرَّة، وإذا كانوا يعتقلون جميعًا على خلفية كل هذه الأشياء، فلن يلتفت أحد إلى ما تفشى من فساد وفقر وعدم مساواة وظلم. وإذا اعتقل من يتحدثون، وإذا ضاعت سلامة الأشخاص، فعندئذ علينا أن نعيد التفكير في هذا من جديد.
الجميع يشعرون باليأس، وهم على وشك الإنفجار، معدمون، متوترون، يترقبون المستقبل بقلق وغموض. وربما لأني أعلم، ما من إنسان أشاهده في شوارع ديار بكر، إلا ويسألني عن المصير والمآل قائلين "ما الذي سيحدث؟". فأرد عليهم قائلا "لا أعرف".
وعندما يسألني آخر بعيونٍ زائغة حائرة قائلًا "إلى متى سيستمر هذا الوضع؟". فلا أستطيع إجابته. فكل شخص ينتظر أن تنقشع  أجواء الخوف. لذلك ينبغي أن ندرك أن هناك مجتمع على وشك الانفجار.
لا شيء يحدث بين عشية وضحاها. هناك لافتة لا نراها موضوعة على صدور الناس وقد كُتِبَ عليها عبارة "اهتم بي". القائمون على إدارة البلاد وكبار المسؤولين هم دون غيرهم القادرون على رؤية هذه العبارة. وفي عام 2014 أُفرِجَ عن بعض من السياسيين المعتقلين في قضية تنظيم "اتحاد المجتمعات الكردية". 
بعد ذلك بدأت عملية السلام في البلاد، لكنها لم تكتمل؛ بسبب مقتل شرطيين اثنين في قضاء "سروج" بـ(ولاية شانلي أورفة)، بالإضافة لأحداث أخرى. ومن ثم أُعيد اعتقال السياسيين المنتسبين لحزب "الشعوب الديموقراطي"، ونواب برلمان من الأكراد، وكذلك رؤساء بلديات منتمين لذات الحزب. اختبار القيود الذي مارسوه مع الأكراد جعلهم يخسرون. آن الآوان الذي ينبغي أن نراهم فيه يقرأون تاريخ ذلك.
وختامًا أقول إنه يتعين على الدولةِ أن تتصالح مع نفسها، والأكراد، مع حلول العام الجديد، يجب أن تتحدث مع الجميع، عليها أن تقبلهم كما هم، وأن تفتح صفحةً جديدة معهم.
يتعين على كل من يعيشون في تركيا، على اختلافاتهم العرقية والدينية، وكذلك الفئات المهنية المختلفة، أن يجتمعوا بمبادرات شعبية، ينبغي الاستماع بروح مشتركة لآراء وطلبات ممثلين عن كافة الفئات من رئيس الحي حتى أصغر جمعية ووقف، ولا بدّ من إعادة طرح دستور 1921 للنقاش. السلام متعدد الاتجاهات. السلام هو أن تتصالح مع نفسك أولًا.
ينبغي على الدولة أن تُنحِّي غضب الحكومة جانباً، وتبدأ بالتصالح مع نفسها أولاً ثم الآخرين.
السلام ليس خيارًا، بل هو اسم آخر للاستقرار.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: