تركيا.. الرجل الوحيد الذي ترأس اتحاد الغرف التجارية والبورصات 20 عامًا

اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية (TOBB) منظمة شبه رسمية، تم تأسيسها بموجب قانون خاص في دنيا الأعمال والاقتصاد التركي، وبها 1 مليون و 300 عضو، وتضم تحت مظلتها العديد من الغرف الصناعية والتجارية والبورصات التجارية يصل إجمالي عددها إلى 365 غرفة في 81 ولاية ومئات المراكز التركية.
وقد عقدت اللجنة العمومية المنتخبة الـــ 74 في 15 من مايو الجاري، وفيها تم انتخاب رفعت حصارجيقلي أوغلو رئيسًا للاتحاد للمرة الخامسة لمدة 4 سنوات أخرى، وذلك بإجماع 1300 مندوب يمثلون الغرف التجارية والصناعية المنتشرة في عموم البلاد ومعهم رؤساء تلك الغرف.
يشار إلى أنه في أعقاب الإطاحة بـ"فؤاد ميراث" من رئاسة اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية في 2001 بتمثيلية "الاستقالة" التي لا تزال لغزًا وتعتبر انقلابا يشبه التمثيليات البيزنطية، تولى رفعت حصارجيقلي أوغلو رئاسة الاتحاد مؤقتًا بموجب قرار مجلس الإدارة، ولا يزال حصارجيقلي أوغلو يرأس مجلس إدارة الاتحاد منذ 16 سنة دون انقطاع، والذي تولى إدارته في الجمعية العمومية المنعقدة عام 2002. وسيكون الآن أيضًا الرجل "الوحيد" الذي سيدير الاتحاد حتى عام 2022.
ولكن أهم وظيفة بالنسبة له خلال مدة رئاسته لاتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية، والتي تصل إلى 20 عامًا، تتمثل في أنه سلم إلى حزب العدالة والتنمية هذه المنظمة الأكبر والأغنى في تركيا، وتمتلئ خزانتها بمليارات الدولارات والليرات، والأكثر تنظيمًا وكذلك الأقوى تشغيلًا وتوظيفًا في تركيا، وقدمها للعدالة والتنمية لـ"استغلالها" كما يشاء.
إن اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية هذا يتمتع بثقل ومكانة كبيرة سياسيًا واقتصاديًا على حد سواء، وهو مستهدف وحاضر في جدول أعمال كل الأحزاب السياسية تقريبًا منذ أن تأسس في 8 مارس 1950 وحتى اليوم. وقد مدَّ السياسة التركية بأسماء مهمة. فلما أُخرج نجم الدين أربكان مؤسس حركة الرؤية الوطنية من الأمانة العامة للاتحاد دخل السياسة، وأسس حزب السلامة الوطنية (MSP).
ومن مديري اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية الأسطوريين هناك ممتاز زيتن أوغلو رئيس الغرفة الصناعية في أسكي شهر، حيث كان يتبنى مفهوم "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي يوفق بين الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق، وهو واحد من أوائل آباء هذا الفكر والمفهوم في تركيا.
أما في فترة الصمت والقمع التالية لانقلاب 12 سبتمبر 1980 فكان محمد يازار رئيس الاتحاد في تلك الفترة أكثر من تصدى للحكم العسكري بفاعلية من خلال الاقتصاد. 
من المعروف أن يازار تولى المهمة السياسية لليمين الليبرالي-العلماني في فترة منع الرئيس التركي الأسبق سليمان دميرل من ممارسة السياسة، فأسس الحزب الديمقراطي الحر، ثم اتحد مع حزب الوطن الأم (ANAP) لاحقًا.
هناك أيضًا علي جوشقون أحد رؤساء الاتحاد حيث أخذ مكانه بين مؤسسي حزب الوطن الأم، ثم حزب الرفاه، وأخيرًا بين مؤسسي حزب العدالة والتنمية. فكان واحدًا ممن كان أردوغان يخاطبهم "أخي الأكبر"، وعمل وزيرًا للصناعة مدة طويلة في حكومات حزب العدالة والتنمية.
من الأسماء التي خرجت من اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية أيضًا باليم أرز رئيس الاتحاد الذي جاء بـــ/ تانسو جيللر إلى رئاسة حزب الطريق القويم (DYP)، ثم رئاسة الوزراء. ولقد تولى أرز وأرسين فاراليالي -سلفه في رئاسة الاتحاد- مناصب ووظائف مهمة في الحياة السياسية والحكومات التركية باعتبارهما من أبرز الشخصيات المؤثرة في حزب الطريق القويم.
وحتى تفاقم تحقيقات قضايا الفساد في 17-25 ديسمبر 2016 كان ظفر جاغليان وزير الاقتصاد الأبرز في حكومة حزب العدالة والتنمية نائبًا لرئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية تحت إدارة حصارجيقلي أوغلو ورئيسًا للغرفة الصناعية بأنقرة في الوقت ذاته. وقد مارس السياسة أيضًا عديد من رؤساء الغرف التجارية والبورصات التركية مثل نجات قوجر نائب رئيس الاتحاد ورئيس الغرفة الصناعية في غازي عنتاب السابق ممثلًا عن حزب العدالة والتنمية، وسنان أيغون نائب رئيس الاتحاد ورئيس الغرفة التجارية في أنقرة، ممثلً اعن حزب الشعب الجمهوري.
وبالنظر إلى كل هذه الأمثلة فإن اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية يمثل واحدًا من المحاور الأساسية في السياسة والاقتصاد التركي على حد سواء، ويتمتع بمكانة مفصلية فيهما.
ولكنه وبعد أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فقد اتبع استراتيجية طويلة الأمد كي يكون المهيمن على اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية الذي يديره حصاريجقلي أوغلو. وقد مثَّل ربط لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية (DEİK) إحدى لجان الاتحاد والتي تأسست منذ 27 عامًا، ويتم عبرها إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية ورسم الاستراتيجية التجارية الخارجية -مَثَّلَ ربطها- بالحكومة وفقًا لمادة أُضيفت في منتصف الليل إلى حزمة القوانين الصادرة في 2014 واحدة من أهم مراحل تلك الاستراتيجية.
وفي ليلة واحدة استولى حزب العدالة والتنمية وسيطر على لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية التي تولى رئاسة مجلس أعمالها أسماء بارزة في دنيا الأعمال مثل: رحمي قوج، وغولر صبانجي، وفريد شاهنك، ومحتار كنت، ورونا يرجالي، وسوزان صبانجي، وطونجاي أوزليخان بالإضافة إلى الراحل مصطفى رحمي، وقام بتعطيل عمل رؤساء جميع المجالس، وعين لرئاستها أولًا عمر جهاد وردان الرئيس السابق لجمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التركية (MÜSİAD) ، ثم جاء ب/ نائل أولباق الرئيس التالي لجمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التركية خلفًا له.
وجدير بالذكر أن حصاريجقلي أوغلو التزم الصمت حيال هذه الحملة وعملية انتزاع إدارة اللجنة المعنية (DEİK) من اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية التي قام بها العدالة والتنمية.

رفعت حصارجيقلي أوغلو، أردوغان

تجدر الإشارة إلى أنه إلى جانب الموارد المالية التي يحققها اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية من محال العمل والمصانع والمشاغل الأعضاء فيه والبالغ عددها 1 مليون و300 ألف مثل مصروفات التسجيل التجاري لرجال الأعمال، وتصاريح العمل، وتسجيل الغرف، والعضوية وما شابه ذلك والمدفوعات الإلزامية والنشر والإعلان في جريدة السجل التجاري فإنه يعتبر شريكًا وصاحب حصة مالية فيما يحصل من معالجة البيانات إلى تحديد الرسوم الجمركية، ومن قطاع التسويق العام (UMAT) إلى السياحة والنقل البري، وصندوق ضمان الائتمان (KGF)، إلى بورصات العقود الآجلة (VİB)، والشركات التجارية والمالية . وهو يمتلك سيولة مالية نقدية في خزانته تتجاوز 6 مليار دولار، ولذلك فهو مؤسسة طمع فيها حزب العدالة والتنمية منذ توليه السلطة، ورغب في السيطرة عليها، واستهدف التحكم فيها.
وقد عُرف حصاريجقلي أوغلو بأنه سعى إلى الانتقال من رئاسة الاتحاد إلى السياسة، وشرع في بعض الاستعدادات في الفترة الماضية لتأسيس حزب جديد، وأن سنان آيغون رئيس الغرفة الصناعية بأنقرة ثاني أكبر غرفة تجارية في تركيا ونائب رئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية عُرف عام 2008 كأحد أبرز الأسماء المقربة من حصاريجقلي لسنوات، وبأنه صديقه الحميم بل وشريكه في بعض الأعمال، ولذلك فقد ذُهل الأخير وارتجَّ باعتقال سنان في عملية "أرغنه قون".
وبعد عامين من ذلك قام رئيس الغرفة الصناعية في إسطنبول -والتي هي أكبر الغرف التجارية في تركيا وفي أوروبا حيث بلغ عدد أعضائها ما يقرب من نصف مليون- بالتخلي عن آماله السياسية، في أعقاب اعتقال مراد يالجين طاش نائب رئيس اتحاد الغرف بتهمة "تقديم رشوة إلى القضاء"، وراح يتقرب من حزب العدالة والتنمية. وفي نهاية تلك العمليات والمراحل أصبح اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية الخاضع لإدارة حصارجيقلي أوغلو "مهيأً لحزب العدالة والتنمية".
وكي تقوي حكومة حزب العدالة والتنمية وتعزز من سيطرتها على كافة الغرف والبورصات أرجأت إجراء انتخابات اختيار المندوبين وإدارات الغرف والبورصات التي يجب استكمالها حتى نهاية نوفمبر، وذلك بموجب المراسيم التي لها قوة القانون الصادرة في شهر سبتمبر من السنة الماضية، أرجأتها ستة أشهر، أي إلى أبريل 2018. وبينما كانت الشركات الأعضاء في الغرف التجارية تستطيع التصويت مباشرة في انتخابات الغرف عقب حصولها على العضوية مباشرة، تم إجراء تعديل اشترط مرور "سنتين على الأقل حتى يمكن للشركات التصويت في انتخابات الغرف".
هذه التعديلات تم تقييمها في تلك الفترة بأن المقصود منها مليح غوكجك المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية والذي أُجبر على الاستقالة من رئاسة بلدية أنقرة العامة وابنه عثمان غوجك. وتم تحليل الموقف على أنه إجراء مضاد لمحاولة عثمان غوجك السيطرة على إدارة الغرفة الصناعية بأنقرة، وتأسيس العديد من الشركات الصورية للدخول ضمن إدارة اتحاد الغرف والبورصات التجارية التركية؛ حيث يجعلها أعضاء في الاتحاد ويحاول من خلالها الحصول على حق التصويت.
وفي أعقاب الانتخابات التي أُجلت ستة أشهر عن موعدها بموجب التعديلات التي نفذتها الحكومة بهذه الحجج تحققت هيمنة حزب العدالة والتنمية على كافة إدارات الغرف ومندوبيها تقريبًا.
وكمكافأة على التزام حصارجقلي أوغلو الصمت إزاء كل تلك الأعمال تم توفير كل الإمكانيات له ليواصل رئاسته للاتحاد أربع سنوات أخرى. إلا أنه وضع في قائمة الانتخابات التي أعدها من أجل مجلس إدارة اتحاد الغرف والبورصات التجارية المكون من 14 عضوًا باستثناء الرئيس، 9 أعضاء من رؤساء الغرف والبورصات المقربين من حزب العدالة والتنمية. وبعد انعقاد الجمعية العمومية في 15 مايو أصبح الاتحاد بالكامل تحت سيطرة حزب العدالة والتنمية.

رفعت حصارجيقلي أوغلو

وقد ألقى حصارجقلي أوغلو الرئيس "الأساسي" الذي مدد فترة "الرجل الواحد" في رئاسة اتحاد الغرف والبورصات كلمة في الجمعية العمومية، ذكر فيها أن المندوبين اكتسبوا الحق في التمثيل بقوة الديمقراطية والصندوق، قائلًا "نتيجة لانتخابات الغرف والبورصات فقد تغير 42% من رؤسائنا، و50 % من أعضاء المجلس."، وتحدث عن "فضائل الديمقراطية والصندوق في الاتحاد".
وحيث قام حصارجقلي بتسليم الاتحاد إلى السلطة أصبح مضطرًا للوفاء بطلبات الحكومة دون أي اعتراض. فتم نقل أموال من خزائن الاتحاد والغرف التجارية إلى رجال الأعمال المقربين من حزب العدالة والتنمية عبر البنوك العامة قبيل استفتاء 16 أبريل من العام الماضي، وإلى المصانع والشركات والجمعيات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وإلى قروض "ماء الحياة" المضمون من "صندوق ضمان الائتمان" بقيمة 7.5 مليار ليرة تركية، وكذلك إلى "قرض التيسير" ذي الفائدة المنخفضة، والبالغ 5 مليارات والذي أعلن عنه الشهر الماضي وقبل انتخابات هذا العام.
وفي اجتماع الاتحاد الذي شارك فيه أردوغان رئيس الجمهورية دعا حصارجقلي أوغلو مباشرة إلى تحويل حملة ""التوظيف وكذلك "حملة الاستخدام +2" السابقة على الاستفتاء العام الماضي إلى حملة "توظيف + 2" قبيل الانتخابات هذا العام. وسيقوم الاتحاد وأعضاؤه بتحمل عبء قيادة الحملة وجزءٍ من العبء الاقتصادي كذلك، وبذلك تم توفير الدعم المالي للحكومة في الانتخابات.
أما حملة "راتب 400 ليرة للجدات العائلات أحفادًا" التي دخلت حيز التنفيذ قبل الاستفتاء الدستوري في 16 أبريل 2017 فيقوم بتمويلها الاتحاد أيضًا ومعه بعض المؤسسات مثل الغرفة الصناعية بإزمير والغرفة التجارية بإسطنبول والغرفة التجارية بأنقرة والغرفة التجارية والصناعية في بورصة.
وقد وقع حصارجقلي أوغلو على تعهد بأن يكون اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية واحدًا من أهم الشركاء والممولين ماليًا لمشروع "السيارة الوطنية والمحلية" الذي تقدر تكلفته ب3.5 مليار، والتي طرحت على جدول الأعمال بطلب أردوغان، وكان التوقيع على ذلك في حفل نظم في الكلية الرئاسية أجري في شهر نوفمبر الماضي.
يشار إلى أن قاعة جامعة التقنية الاقتصادية (ETÜ) التي عقدت فيها الجمعية العمومية الـــ 74 والتي مددت رئاسة حصارجقلي أوغلو للاتحاد لتصبح 20 سنة قد زينت بلوحات "وطنى ومحلي"، وبينما رسم حصارجقلي أوغلو مشهدا اقتصاديا جديدًا يوم الخميس، وأعلن "بيان" الحملات الاقتصادية الوطنية والمحلية في خطاب ألقاه دون أن يتحدث عن مشكلات وأزمات رجال الأعمال والمصانع والمؤسسات، ولا عن أبسط الانتقادات والتحذيرات.
لم يكن على جدول أعمال رئيس الاتحاد لا العملات الأجنبية المرتفعة، ولا الديون المتنامية، ولا تفاقم نسبة التضخم، ولا الليرة التركية المتضائلة قيمةً، ولا القطاع الخاص المدين بالعملة الصعبة والذي وصل مرحلة الأزمة، ولا مصانع المتوسطة والصغيرة الحجم التي أوشكت على الإغلاق.
وفي ظل هذه الظروف تتعمق الأزمات الاقتصادية قبيل انتخابات 24 يوليو، وتتزايد مؤشرات الأزمة، وقد بلغت أزمة الموارد المالية الذروة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، وعليه فليس من الخطأ القول بأن خزانة اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية التي تراصت فيها الأموال بالمليارات سوف تفتح على مصراعيها لصالح حزب العدالة والتنمية؟

رفعت حصارجيقلي أوغلو

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/tobb/tobbu-ve-kasasini-akpye-teslim-eden-20-yillik-tek-adam
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.