Ergun Babahan
مايو 22 2018

تركيا.. الصحافة أداة بيد النظام الفاشي للنيل من الخصوم

تعدّ صحيفة "حرييت" التركية، بمثابة صحيفة الدولة، ومن ثم فهي تضع أهدافها باسم الدولة وحسب توجهات القائمين عليها.

ولقد بيعت هذه الصحيفة، لأن الدولة القديمة ولت وذهبت، وهذا الرأي سبق وأن أفصحت عنه عند تعليقي على بيع الصحيفة ضمن صفقة بين مجموعة دوغان الإعلامية والتي يملكها آيدين دوغان من جهة، ومجموعة دميروران من جهة أخرى؛ مقابل 1.2 مليار دولار، في أكبر صفقة بيع إعلامية في التاريخ التركي الحديث.

وكانت مجموعة دوغان في الماضي تمتلك بمفردها حوالي أربعين في المئة من وسائل الإعلام التركية، بين صحف مثل "حرييت" و"ميلليت" و"فاناتيك" و"بوستا"، ومحطات تلفزيونية على رأسها "سي إن إن تورك" و محطة "دي".

واليوم باتت صحيفة "حرييت" تتحدث باسم الدولة الجديدة المتمثلة في رجب طيب أردوغان. ومن ثم يتعين عند قراءة العناوين الرئيسة، والأعمدة في الصحيفة المذكورة، أن تكون عندنا خلفية حول توجهاتها، وكيفية وضع أهدافها، ولمن يكون ولاؤها.

ولا شك أن تاريخ الصحيفة مليء بالنماذج التي سعت فيها باستمرار لتشويه صورة الأشخاص الذين تعتبرهم الدولة من الأعداء، فكانت "حرييت" لا تتوانى عن تشويههم، وتسفيههم، ووضعهم في مرمى أهداف النيل منهم بكافة الطرق إرضاءً للدولة.

والموضوع الذي حرصت على تسليط الضوء عليه من كتاباتي في عمود بصحيفة "صباح" هو علاقة صداقة الفراش التي تربط صحيفة "حرييت" بعقل الدولة العميقة وعلى رأسها العسكر..

ويمكننا في هذا المقام سوق الكثير من الأمثلة لشخصيات تعرضت لمضايقات إعلامية وأمنية بسبب اعتزامها فعل أشياء لا تروق الدولة. 

وفي هذا السياق تذكروا معي أحمد قايا الذي يعد من أبرز المغنين وكتاب الأغاني الأتراك في القرن العشرين، إذ تعرض للملاحقة الأمنية وسجن بعدما أعلن عن نيته إطلاق ألبوم غنائي بلغته الكردية التي كانت محظورة في الجمهورية، فهاجر إلى فرنسا فرارا من البوليس التركي.

فهذا الرجل تعرض لحرب إعلامية شعواء سوقت لها هيئة الاستخبارات التركية، وبات أحمد قايا يتصدر الصفحات الرئيسة للصحف بصور مزيفة عنونت بـ"عديم الشرف" واتهم فيها الرجل بخيانة تركيا.

أحمد قايا يتصدر الصفحات الرئيسة للصحف بصور مزيفة.

ولتتذكروا أيضًا هرانت دينك، ذلك الصحفي التركي الأرمني الذي نشر في فبراير من عام 2004، مقالًا في الصحيفة الأرمينية "أجوس" تحت عنوان "سر صبيحة كوكجن خاتون (قائدة طائرة تركية، وواحد من 8 أطفال تبناهم أتاتورك)" زعمت فيه واحدة من سكان عنتاب السابقين، وهي هريبسيم سيبيليسيان، إنها ابنة أخ لكوكجن، مما قد يعني أن الأخيرة من أصول أرمينية. وروج الكاتب في هذا المقال لحقيقة مفادها أن صبيحة طفلة أرمنية نجت من الإبادة التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الأرمن.

فبسبب زعمه وفكره الذي كشف عنه في هذا المقال بخصوص كوكجن، تعرض هرانت دينك في البداية لسيل من السباب على وسائل الإعلام، ثم سرعان ما راح ضحية جريمة قتل عام 2007، لا زالت حتى الآن مقيدة ضد مجهول.

ولا يمكننا أن ننسى هنا أيضًا الكاتب الكبير أورهان باموق الذي بات هدف العناوين الرئيسية للصحيفة ذاتها التي هاجمته لمجرد قوله إن ما يقرب من مليون ونصف المليون أرمني لقوا حتفهم وقتلوا في الإبادة التي تعرضوا لها..

لكن مع هذا كان أورهان باموق محظوظًا للغاية؛ لأن الدولة العميقة كانت تضعه وهرانت دينك ضمن الخيارات المطروحة للقتل، لكن القرار استقر في نهاية المطاف على قتل الأخير.

كما أن الصحيفة ذاتها سبق أن سلطت الضوء على قيام طلاب في جامعة "بوغازايجي" بالتمثيل في عمل مسرحي وهم يرتدون ملابس تقليدية كردية، تناول كتاب الصحيفة الحدث بعناوين رئيسة نالت ممن قاموا بهذا الصنيع.

وهناك الكثير من النماذج..

وفيما يلي يمكنكم مطالعة عنوان رئيس نشرته الصحيفة في الأول من شهر أكتوبر لعام 1998، والذي قالت فيه "انظروا لهذا المعتوه"..

"انظروا لهذا المعتوه"..

صحيفة "حرييت" في عنوانها هذا كانت تتحدث عن عثمان باي دمير، نائب رئيس جمعية حقوق الإنسان، وصفته بالمعتوه كما هو واضح لمجرد أنه قال إن "قانون حقوق الإنسان كان يقتضي توقيف خاطف إحدى الطائرات في ولاية وان، وهو حي دون قتله" وذلك حينما سئل عن رأيه في قتل خاطف الطائرة.

وأضاف باي دمير آنذاك قائلًا "لا أعرف التفاصيل الفنية للحادث، لكن باعتباري مدافعاً عن حقوق الإنسان، فإني أرى بضرورة القبض على المتهمين أحياء".

هذه النماذج التي سقتها هي نقطة من بحر الأخبار المخجلة التي تناولتها الصحيفة، نماذج لا تنتهي إن أردنا حصرها.

وكل من وقف وراء تشويه الأشخاص الذين ذكرناهم، حاليا وفي الوقت الراهن يجلسون في بيوتهم التي شيدت بنقود ملطخة بالدماء، يجلسون ويخططون لإيجاد سبل تمكنهم من الاستفادة من عناصر الدولة العميقة الجدد..

لقد تغيرت الدولة، وكذلك تغير مالك صحيفة "حرييت". وقريبًا سيتغير كادر العاملين بها؛ لكن الفرق بين الصحيفة في ثوبيها القديم والحديث هو، أنها في السابق كانت تلبي رغبات رجال الدولة العميقة، وكانت تحارب أعداءهم. أما في النسخة الجديدة فقد حولت منصب عسكري الأوامر المرتزق إلى نوعٍ من العبودية الطوعية بوقاحة وبلا خجل. ولعل موضوع أحمد قايا خير مثال على ذلك.

أحمد حقان.

أحمد حقان الذي أخذت منه وظيفة مذيع الأخبار في قناة "دَ"، يدب الخوف في أوصاله حاليًا خشية أن يخسر العمود الذي يكتب فيه بصحيفة "حرييت"، والبرنامج الذي يقدمه في قناة "سي إن إن ترك".

طاهر ألجي.
طاهر ألجي.

فأحمد حقان امتلكه الخوف والرعب، ورغم هذا يسعي للاستفادة من "أسياده" من خلال استهداف البشر بشكل يدعو للخزي والخجل. بالفعل هو حر فيما يمارسه من شعوذة لكن شريطة ألا يكون ذلك بإلحاق الضرر بالآخرين.

فهذا الرجل أحمد حقان لا زالت الأذهان تتذكر دوره في مقتل السياسي والمحامي التركي من أصول كردية "طاهر ألجي" الذي تولى في السابق منصب نقيب المحاميين في ولاية ديار بكر، والذي اغتيل في العام 2015. والآن نرى حقان يستهدف من عموده الصحفي الذي يكتب فيه، باريش آطاي، في مسعى منه لإرضاء سيده في القصر، وبالتالي الاستفادة منه قدر الإمكان.

والآن دعونا نوضح لماذا يقوم أحمد حقان باستهداف باريش آطاي؟

هذه الاستهداف بسبب التغريدة التي كتبها باريش آطاي بشأن "يوسف يَرْكَل" مساعد رئيس القلم الخاص لرئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان، بعد أن قام يوسف، بركل أحد عمال المناجم أثناء كارثة منجم فحم سوما بولاية مانيسا غربي البلاد عام 2014 والتي راح ضحيتها أكثر من 300 قتيل من العمال.

فكما تعلمون "يَرْكل" رجل أردوغان المقرب، ومن أجله قام هذا الرجل بركل أحد عمال المنجم كما أوضحنا. لذلك فإن أحمد حقان، باستهداف باريش آطاي، يسعي للدفاع عن أردوغان من خلال الدفاع عن "يركل"، ولا يعنيه فيما يفعله سلب الرجل حرية التعبير المكفولة له بحكم القانون والدستور، التركيز الأكبر لدى حقان هو استهداف باريش آطاي بأي طريقة كانت..

أي أن أحمد حقان يستهدف باريش آطاي؛ بسبب التغريدة التي كتبها بحق "يركل" الذي اعتذر مؤخرًا وبعد أربع ساعات عن الركلة التي وجهها لعامل المنجم، لكن لا شك اعتذاره جاء بشكل غير صميمي. أحمد حقان بتناوله هذا وكأنه يبلغ النيابة العامة عن آطاي.

ومن كل هذا يتضح لنا أن أحمد حقان يقف بجنب المسؤول المعتدي، هذا فقط من أجل مصلحته الشخصية، ليدلل لنا ولمرة أخرى أنه باع شرف مهنته من أجل النقود والمناصب، وجعل شرفه شيئًا ممتهنًا.

هذا الرجل لم يزعجه أنه بات بهذه التصرفات في وضعية بائسة سقط فيها بسبب حرصه الشديد على الاحتفاظ بمكانه وعموده الصحفي على حساب أي شيء، حتى ولو كان شرفه، وشرف مهنته.

أحمد حقان فعل تمامًا كما فعلت جانان قفطانجي أوغلو، رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري المعارض بمدينة إسطنبول، لكن الشيء الذي يفرق بينهما هو أن الأول قام هذه المرة بإبلاغ الشرطة والنيابة العامة عن الشخص الذي يضعه في دائرة استهدافه.

وخلاصة القول يمكننا أن نقول إن هذا الرجل يستعمله النظام كيفما يشاء، ينتظر التعليمات من القصر من أجل استهداف شخصيات أخرى، فمن عاقل يرفض أن يستخدم كاتب عمود صالح للاستخدام كهذا الرجل.
وفي حقيقة الأمر كان باريش آطاي على حق..

فلا شك أننا كما قال آطاي، يوما ما سنحاسب رجل أردوغان، المدعو "يوسف يركل" الذي ركل أحد الأشخاص لمجرد أنه كان يحتج لمقتل أكثر من 300 شخص راحوا ضحية الإهمال في حادثة المنجم..

كما أننا سنحاسب كل المسؤولين الذين ارتكبوا عمليات فساد، لا سيما قضية الفساد والرشوة التي تم اكتشافها عام 2013، حيث شهدت البلاد آنذاك أكبر عملية من هذا النوع في تاريخها عندما استيقظت على وقع حملة اعتقالات طالت عشرات الأشخاص، من بينهم أبناء بعض الوزراء ورجال أعمال مقربين من حكومة حزب العدالة والتنمية. وحينها عثرت فرق الشرطة على مبلغ 4.5 مليون ليرة (2.5 مليون دولار) مخبأة داخل صناديق الأحذية في منزل المدير العام لبنك الشعب التركي "خلق بنك".

سنحاسب يومًا ما كل المتورطين في قتل الأبرياء في أحداث متنزه غيزي عام 2013، وغيرهم في مدينتي جزرة  بولاية شرناق، وصور بولاية دياربكر.

فهذه المحاسبة من مقتضيات الديمقراطية ودولة القانون التي امتهنها القائمون على البلاد.

علينا حتمًا أن نحاسب كل من استخدموا القوة الممنوحة لهم من أجل امتهان القوانين، والمبادئ الرئيسة للقانون.

فنحن نعيش على أرض لم تشهد محاسبة أحد ممن ارتكبوا المجازر، والجرائم منذ عهد جماعة "الاتحاد والترقي" حتى يومنا هذا. أرضٍ يُحابى فيها من يصوبون بنادقهم تجاه صدور الأبرياء، خدمةً للدولة. أراض تتم فيها المطالبة بعفوٍ من أجل قتلة أيديهم ملطخة بالدماء تراهم الدولة أبطالًا.

لكن آن الآوان للحساب والمساءلة. أم أن حزب العدالة والتنمية سيرحل، ويأتي حزب عدالة وتنمية جديد وتستمر الدورة كما كانت.

لكن فصل القول ونهايته، ستتم محاسبة الفساد والظلم الذي ارتكب على مدار 16 عاما منذ وصول العدالة والتنمية للحكم. لن نحاسب أنصار هذا الحزب فقط، بل سنحاسب أيضًا المشعوذين الدجالين المتسترين بعباءة الصحافة، الذين تلطّخت أيديهم بالدماء، وباتوا بمثابة مخبرين للإبلاغ عن خصومهم لدى الجهات الأمنية.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/medya/cem-kucukun-kotu-bir-kopyasi-olarak-ahmet-hakan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.