جَم أوزْدَمير
يناير 19 2018

تركيا: النفاق والازدواجية في عملية الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي

رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برجب طيب أردوغان في باريس هذا الشهر في محاولة لسد الفراغ الذي تركته واشنطن وبرلين والحيلولة دون أن يبعد الرئيس التركي، الذي يتقرب بشكل مطرد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نفسه تماما عن الغرب.
وحتى إذا لم يكن ماكرون مستعدا لدعوة أردوغان إلى زيارة دولة رسمية، فقد كان على اتصال مستمر بأنقرة بل وتفاوض على الإفراج عن صحفيين فرنسيين معتقلين.
ووجه ماكرون خلال اجتماع باريس رسالتين ناقدتين. الأولى كانت موجهة لأردوغان. قال ماكرون إن العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي لا تسمح حتى لتركيا بالتفاوض على الفصول القائمة حاليا، ناهيك عن فتح صفحة جديدة. ولا شك في أن مثل هذا التصريح مبرر ومهم في وقت تقف فيه سيادة القانون وحرية الصحافة على المحك في تركيا.
أكد ماكرون أيضا أن النهج السياسي للاتحاد الأوروبي ليس متسقا ولا صادقا. وقال "قطعنا وعودا لم يسعنا الوفاء بها".
ربما كان ينبغي للرئيس الفرنسي الحديث بشأن الموقف السياسي لسلفه نيكولا ساركوزي بخصوص محادثات عضوية تركيا في الاتحاد. فقد بدأ مع ساركوزي أخطر صدع على الإطلاق في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وكذلك إنهاء عملية هلسنكي فضلا عن تدهور مصداقية الاتحاد فيما يخص سياسته صوب تركيا، وتفاقم ذلك بدعم من برلين.
وفي الوقت الحالي، أوصلتنا كل تلك السياسات المنافقة إلى طريق مسدود. وبرغم ذلك فإن اقتراح وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل بأن "اتفاقا ذكيا مع بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يصبح نموذجا" للعلاقات بين تركيا والاتحاد هو نهج لم يتم التفكير فيه بروية.
ويعد اقتراح جابرييل بأنه يمكن للدولتين استئناف تجارة الأسلحة بمجرد إطلاق سراح الصحفيين الألمان فضيحة، إنه مثال آخر على ازدوجية الاتحاد الأوروبي. السياسي الذي يتبنى معايير مزدوجة والذي يكون مستعدا لفعل أو قول أي شيء هو فقط من يمكنه اقتراح استئناف تجارة الأسلحة بين الدولتين بينما يقبع مئات الصحفيين والنشطاء المؤيدين للديمقراطية في تركيا، مثل عثمان كوالا، في السجن في تركيا. ويتضح جليا من مفاوضات تشكيل الائتلاف في ألمانيا أن هذا لا يعكس توجهات برلين بشأن هذه المشكلة أيضا.
وهناك حقيقتان جوهريتان ينبغي عدم التغافل عنهما عند تقييم سياسات باريس وبرلين تجاه تركيا. وأي سياسة للاتحاد الأوروبي تتجاهل تلك النقاط الحيوية ليس محكوم عليها بالفشل فحسب وإنما لن تسفر عن شيء سوى الخروج بعواقب كارثية.
دعونا نبدأ بالحقيقة الواقعة في تركيا. فحتى مجرد نظرة عابرة إلى تاريخ تركيا كافية لمعرفة أنها بلد مستقطب سياسيا. وسلط الاستفتاء الأخير الضوء على الخلافات الاجتماعية والسياسية بين قطبي تركيا. فالمدن الكبرى، ومناطق سواحل البحر المتوسط وبحر إيجه والناخبون الذين ينعمون بدرجة أعلى من التعليم والأهم من ذلك كله الشباب يرفضون بأغلبية ساحقة "النظام المستبد" الذي طرحه أردوغان بوصفه "النظام الرئاسي". ترغب هذه المجموعة من الناخبين في تركيا متكاملة مع باقي العالم، ويريدون استمرار عملية الاتحاد الأوروبي وسيادة القانون التي تستند إلى الديمقراطية وحرية الصحافة وحقوق الإنسان.
فتحت عملية هلسنكي الباب أمام تركيا هذه، دولة ديمقراطية ومتقدمة اقتصاديا وقادرة على إفراز حل سياسي داخلي للمشكلة الكردية. وأيد الكثيرون في تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعملية هلسنكي معتقدين أن تركيا الديمقراطية يمكن أن تكون عنصر استقرار، ونموذجا يحتذى بل وقوة رائدة في المنطقة. كانت الديمقراطية هي الهدف، والعضوية مسألة ثانوية.
وتختلف تركيا الثانية بشدة عن الأولى. فالجماعات المحافظة والقومية المتشددة والعثمانيون الجدد في تركيا، ممثلون في أردوغان، لا يأبهون بسيادة القانون وحرية الصحافة والديمقراطية البرلمانية وهم على خلاف مع الغرب ولم تكن لديهم آمال من عضوية الاتحاد الأوروبي. وهم لا يزالون كذلك.
هذه المجموعة لا يزعجها حتى متطلبات تأشيرة السفر الأوروبية. لا يريدون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. بل على النقيض، يريدون الصراع. لم يؤمن أردوغان قط بعملية هلسنكي وهو يبحث عن وسيلة ماكرة منذ سنوات للخروج. لكنه لا يريد أن يدفن عملية العضوية دون التفاوض على بعض الاتفاقات المالية والتجارية. يدرك أردوغان جيدا أن التعديلات الدستورية الأخيرة ونظام الأمر الواقع في تركيا لا ينسجمان مع القيم الأوروبية.
سيكون من قبيل الخيانة لتركيا الديمقراطية أن يتم دعم نظام أردوغان المستبد ونهجه لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والذي يقتصر فقط على الصفقات التجارية. ليس هذا فقط، وإنما ستخسر أوروبا تركيا تماما.
وماكرون على صواب فيما يتعلق بوجهة نظره الخاصة بأوروبا. فسياسة الاتحاد بشأن تركيا ليست متسقة وكانت تنطوي على نفاق. وما يجعل تلك القضية أشد خطورة هو حقيقة أن هذه الأحاديث من جانب السياسيين الأوروبيين أصبحت مناهضة أكثر وأكثر لتركيا بشكل تدريجي من أجل جذب أصوات اليمين المتطرف. ليس فقط في فرنسا، وإنما أيضا في النمسا وهولندا وألمانيا وغيرها. 
وأصبحت سياسات الاتحاد بشأن تركيا رهينة لدى الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا. فلا يمكن لسياسي في هذه الدول أن يتحدث عن سياسة متسقة يمكن أن تنال أيضا استحسان الديمقراطيين في تركيا.
ولهذا السبب فقد تُركت سياسة الاتحاد تجاه تركيا لأمثال جابرييل وخطاباتهم االشعبوية. لكن نظرة فاحصة ستكشف أن اليمين المتطرف الأوروبي لم يأخذ سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا رهينة فقط، ولكنه أخذ الديمقراطيات الأوروبية أيضا. هؤلاء المتطرفون في أوروبا يهددون أيضا حقوق المهاجرين وحقوق المرأة وحقوق الأقلية ومبدأ المساواة عموما. إنهم يتطلعون إلى صراع.
وبغض النظر عن مشكلة تركيا، تحتاج أوروبا للدفاع عن قيمها وينبغي لها تهميش الجماعات السياسية العنصرية واليمينية المتطرفة المناهضة للأجانب. هذا هو الشرط المسبق للديمقراطية والسلام في أوروبا. إنه شرط مسبق لدمج وكسب قلوب الأتراك وغيرهم من الأقليات في مجتماعتهم.
ينبغي لأوروبا أيضا التمسك بقيمها فيما يتعلق بالسياسات المتعلقة بتركيا. أوروبا وحدها هي من يمكنه إحلال السلام والهدوء في الشرق الأوسط، ليست روسيا أو إيران أو الولايات المتحدة. والخطوة الأولى والشرط المسبق لذلك هو وجود سياسة متسقة للاتحاد الأوروبي تجاه تركيا تتفق مع المبادئ المؤسسة للاتحاد.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: