فيجين غيونز
مارس 23 2018

تركيا.. الوصاية على بلدية ديار بكر تثير السخط.. شهادات من "سور"

 

رئاسة دائرة شؤون المخاتير التي تم تشكيلها في البلديات الكبرى بعموم تركيا، بدأت تمارس نشاطها أيضًا في بلدية ولاية ديار بكر التي يتولى إدارتها مسؤول غير منتخب بعد فرض الوصاية من الحكومة عليها. الهدف من تشكيل أو تأسيس هذه الرئاسة هو تعزيز التواصل والاتصال بين المخاتير من جهة والبلدية من جهة أخرى؛ لا سيما أنها تضم تحت بنيتها العديد من الإدارات المختلفة. كما أن هناك إدارات للمخاتير داخل 17 بلدية صغرى في ديار بكر.
لكن مع هذا فإن جزءاً ممن يقومون بوظيفة المختار منذ سنوات طوال بديار بكر، لا علم لهم برئاسة الدائرة المذكورة. ويقولون إن العلاقة بين المواطنين والبلديات في ديار بكر وصلت لدرجة الانقطاع، وأنه ليس هناك أي تواصل بين المواطنين ورؤساء البلديات المعينين بعد فرض الوصاية عقب فترة الاشتباكات والصدامات بالولاية. ولا شك أن استغلال المخاتير سياسيًا في عموم تركيا، ودعوتهم لحضور اجتماعات رئاسة الجمهورية، أمر من شأنه تغيير التصور الموجود داخل المجتمع بشأن هؤلاء المخاتير.
 
الأشهر القليلة الماضية، شهدت تعرض أحد المخاتير لهجوم ببندقية، وآخرون مثله يتلقون تهديدات باستمرار. بعض المخاتير الذين فقدوا مكاتبهم في فترة الاشتباكات اضطروا للانتقال خارج الحي أو المنطقة التي يمثلونها، والبعض الآخر يتعرض لانتقادات شديدة من قبل الأحياء والمناطق الفقيرة بسبب عدم قيامهم بتوزيع المساعدات والمؤن بشكل عادل وفيه إنصاف.
في مقهى "عباس" بمنطقة "سور" التاريخية بديار بكر، التقينا عددًا من المخاتير الذين رفضوا الإفصاح عن هوياتهم. وتحدثوا معنا عن عدة أمور، إذ قال أحدهم:
"في فترة ما قبل مجئ الوصي، كان ساكن الحي يذهب إلى البلدية، ويتناقش بل ويتشاجر إن لزم الأمر مع المسؤولين، بشكل أو بآخر كان المواطن بإمكانه الحديث عن مشكلته ونقلها للمسؤولين هناك. أما الآن فلا يدخل المواطن بناية البلدية مطلقًا. فقوات إنفاذ القانون تحيط بالمكان، وهذا أمر من شأنه إرهاب الناس وتخويفهم، لأنه لا قبل لهم بالذهاب إلى هناك والعودة بكل أريحية. ونحن أيضًا قبل قدوم الوصي، كنا نتقابل مع رؤساء البلديات، ومساعديهم وننقل لهم المشكلات التي تؤرق المواطنين، أما الآن فلا يحدث هذا، ولا يمكننا الوصول إليهم".
مختار آخر فضل عدم كشف هويته، تحدث إلينا وشدد على "ضرورة فتح البلدية أبوابها أمام المواطنين"، وتابع قائلًا في ذات السياق:
"بالجهة اليسرى خارج مبنى البلدية الكبرى في ديار بكر تم إنشاء مكتب من أجل الاستماع لمشكلات الناس، وذلك حتى يمنع المواطنون من دخول مقر البلدية. المنطقة التي أعمل مختارًا لها كانت بها اشتباكات ضارية، فلم يبقَ أحد بها، إذ رحل الجميع منها تقريبًا. المدينة تشهد حاليًا حالة استقطاب كبيرة لم تكن موجودة من قبل. فالناس لديهم انطباع مفاده أنه طالما عين حزب العدالة والتنمية الحاكم وصيًا على البلدية، فإن هذا الوصي لا بد أن يكون منتميًا للحزب؛ لا سيما أن معظم أهالي منطقة سور من أتباع حزب الشعوب الديمقراطي. ومن ثم فإنهم وفق منطقهم يقولون إنهم حتى لو ذهبوا للبلدية لن تحل مشكلاتهم. وبالتالي فإنه إذا كان قبل تعيين الوصي، يذهب ألف شخص للبلدية الكبرى، فإن هذا العدد لا يتعدى الآن مائة شخص".
في إطار حديثنا مع المخاتير سألناهم عن الفترة التي تمر بها المدينة، وما إذا كان بالإمكان أن تكون رئاسة دائرة المخاتير جسرًا في تلك المرحلة التي يعزف فيها المواطنون عن الذهاب للبلديات التي يديرها أشخاص معينون أي الأوصياء. في الأحياء الستة بمنطقة "سور" لا زال حظر التجوال مستمرًا، حتى وإن لم تبقَ الشوارع والمنازل على حالتها القديمة بعد فترة الاشتباكات. فالناس غادروا مناطق الاشتباكات بـ"سور"؛ لكن لا زال المخاتير مستمرون في عملهم. أهالي "سور" الذين شردوا في المدينة التي ولدوا وكبروا فيها، لم يتم الاعتراف بوضعهم دوليًا كنازحين رحلوا عن أماكنهم بشكل يمكن أن يمهد الطريق لهم للحصول على المساعدات المادية.
 
وفي سياق ذي صلة يقول مختار ثالث لموقع "أحوال تركية": "الناس الذين اضطروا للهجرة والنزوح من سور، يجب أن يتم الاعتراف لهم بوضع مختلف في هذه المدينة. وأنا تساورني الشكوك فيما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستتم في أجواء ديمقراطية أم لا. أعمال الرصف التي تتم في الشوارع جيدة، لكن يجب في ذات الوقت فتح المناطق التي يشملها حظر التجوال. نحن ننقل مشاكل الناس للبلديات؛ لكنها لا تُحل. فهناك العديد من المشكلات المتعلقة بالمساعدات التي تقدم للناس من أجل الأمتعة التي لحق بها ضرر بسبب الاشتباكات، وغيرها من المستلزمات المنزلية، ودفع الإيجار. فحاليًا توجد مشاكل في مسألة مساعدات المؤن، آخر مؤن تم توزيعها في شهر رمضان الماضي. قبل الوصي كانت لا شك هناك سلبيات في أداء عمل البلديات، لكن كنا نتردد باستمرار على تلك البلديات، وقبل مجيء ذلك الوصي أيضًا كنت أعمل في بلدية "سور" كعامل في الكادر الوظيفي طيلة 26 عامًا. أما الآن فلم أتواصل مع رئاسة البلدية سوى مرة واحدة طيلة 14 شهرًا، وفيما بعد ذهبت مرة لكني لم أعرف أحدًا هناك، إذ تم فصل الكثيرين عن عملهم".
 
مختار رابع كان يعمل في أحد الأحياء الستة التي كانت تشهد اشتباكات في "سور"، أضاف في ذات السياق قائلا:
"ثمة مخاوف موجودة عند المواطنين. فلقد كانت هناك 5500 عائلة في الأحياء الستة التي نتحدث عنها، لحق ضرر بـ3900 عائلة. ووصل بهم الخوف لدرجة أجبرتهم على عدم الاعتراض على دفع الدولة 5 آلاف ليرة فقط لهم كبدل للأمتعة والأثات التي تضررت في منازلهم التي تهدمت بسبب الاشتباكات، وإلا فإنهم كانوا سيعترضون لو كانوا في ظروف طبيعية، لكنه الخوف كما قلنا هو الذي منعهم من ذلك. وحتى لو ذهبوا إلى البلدية، فلا جدوى من ذلك. وهنا بعض العائلات التي لم تحصل على هذه المساعدات من البلديات".
مختار خامس التقيناه في أحد الشوارع الفرعية بالمنطقة، وبدأ حديثه معنا قائلًا "سور باتت منطقة أشباح وأنقاض، تفتقد الأمان والاستقرار الذي كان موجودًا من قبل. فيا ترى كم سيكون اهتمام الوصاة المعينين بمشاكل المواطنين هذه؟".
نفس المختار يشدد على ضرورة التحرك من أجل ضبط مسألة التواصل والاتصال بالمواطنين في المؤسسات والهيئات الأخرى، وليس في البلدية فحسب. وذكر كذلك أنه تم هذا الأسبوع عقد لقاء بين المواطنين ومسؤولي وزارة البيئة والتخطيط العمراني المسؤولين عن إعادة إعمار "سور"، وتم إلغاء تسجيل ما مجموعه 29 بناية في أربعة أحياء من الأحياء الست التي تشهد حظرًا للتجوال.
 
مختار آخر بدأ الحديث مؤكدًا أنه يعمل في هذه الوظيفة منذ 28 عامًا، ولفت أنهم لا يعلمون شيئًا عن رئاسة دائرة شؤون المخاتير الموجودة داخل البلدية الكبرى بديار بكر. وذكر أن الناس في السابق كانوا ينتخبون رؤساء البلديات. لكن هؤلاء الرؤساء كانوا يواجهون عراقيل في تحويل المنطقة وتنميتها بالشكل الذي يريدون بسبب روتين الوزارت والمؤسسات المركزية الأخرى. وشدد على ضرورة أن يكون الهدف من أية تغيير هو التنمية والنهوض بالمكان.
وتابع قائلا:
"ديار بكر مدينة بلا صاحب، وكان ينبغي أن تجري عمليات الترميم الخاصة بالأماكن التاريخية في "سور"؛ لجذب السياح إليها، من أجل تنميتها ونهضتها بالشكل الذي يليق بها. لو فعلنا ذلك لجاء للمدينة عدد من السياح يقدر بثلاثة أو أربعة ملايين سائح سنويا، فعندنا هنا العديد من المعالم التاريخية مثل سد الصين، وأحد أقدم الكنائس الأرمينية، فضلا عن الحمامات التاريخية، لكنها أماكن لا تجد عناية، ولا تتم الدعاية لها بالشكل اللائق. فلا شكّ أنّ أي عمل سيتم في هذا السياق سيكون له مردود مادي ينعكس بالإيجاب على حياة المواطنين. وهذه الخطوات يجب أن تتخذها البلديات التي ينبغي ألا يقتصر دورها على إنشاء الأرصفة، ومواقف السيارات. ومن المؤسف أننا ذات مرة قرأنا في الصحف مناقصة بخصوص إنشاء أحد الأرصفة بلغت قيمتها 360 تريليون ليرة، فبدلًا من هذا كان يتعين تشييد المصانع، وترميم الأماكن السياحية كنزل حسن باشا الشهير، لتستفيد شريحة كبيرة من المواطنين. لكن كما تعلمون فإن مكاسب رجال الأعمال شيء، والمكاسب التي يتحصل عليها المواطنون شيء آخر."
تجدر الإشارة أن بلدية "سور" عين لها وصي عام 2007، لتكون بذلك أول بلدية من نوعها في تاريخ تركيا يعين لها من يدير شؤونا بنظام الوصاية. عبد الله دميرباش الرئيس السابق لتلك البلدية، يؤكد أن المخاتير في عهد الحكومة الحالية ينظر إليهم على أنهم موظفون يمثلون الدولة بشكل أكبر من قيامهم بالمهام المنوطة بهم بحكم مناصبهم.
وتابع رئيس البلدية السابق قائلا:
"منصب المختار يعتبر أصغر إرادة منتخبة. لأن المختار يمثل أصغر وحدة تعتبر نواة مصغرة للمجتمع ككل. وكان من الممكن أن تعتبر تركيا نموذجًا للعالم أجمع في نظام المخاتير المعمول به عندنا؛ لكن الإدارات المحلية هنا باتت مغلفة بنوع من المركزية. لذلك يتعين أن يتم تسليم الإدارة لأصغر وحدة محلية. لكن ما نراه في الواقع عكس ذلك تمامًا، إذ بدأت سلطات وصلاحيات المخاتير تتناقص بشكل مستمر. وكما تعلمون فإنه في المرحلة التي تلت العام 2009، تم إغلاق بلديات البلدات، وزيادة عدد البلديات الكبرى، وهذا لا شك صاحبه نوع من المركزية. كما أن تأسيس رئاسة دائرة شؤون المخاتير في البلديات الكبرى، له علاقة بالسياسات التي تشهدها تركيا في الآونة الأخيرة. فلقد كان هناك مخاتير من قبل، كنا نقيم معهم حوارات مهمة للغاية داخل البلديات؛ لحل مشاكل المواطنين، وتذليل العقبات أمامهم. ولقد زاد الاهتمام بالمخاتير بعد تطور النظام الرئاسي. وللحكومة أهداف سياسية تتمثل في سعيها للسيطرة على كافة المنتخبين".
في سياق متصل يصف مختار أحد أحياء "سور"، الحي الذي يعمل به بـ"مستنقع المخدرات"، مؤكدًا أنه نقل للبلدية والجهات الأمنية خطورة الوضع في الحي، لكن دون جدى، حيث إن المشكلة لا زالت قائمة، على حدّ تعبيره.
وأضاف المختار قائلا:
"فعند القبض على لص ما أو مُتعاطٍ للمخدرات، يعطونه اسمي، ما يجعلني عرضة للتهديدات التي توجّه لي أثناء مروري من أمام مقر عملي. وصلت خطورة الأوضاع بالحي إلى درجة سرقة متعلقات المساجد. وأصبحت الشوارع بلا أمان. وكانت هناك آلية لمراقبة عمال النظافة في الشوارع، لمعرفة مدى قيامهم بعملهم كما ينبغي. لكن الآن قلما ترسل البلدية عمال نظافة للشوارع. وأنا عن نفسي لا أذهب إلى مقر البلدية؛ لأن ذهابي إلى هناك بلا فائدة إذ يبقى ما نتحدث فيه حبيس المكاتب والأدراج. فلا توجد الآن أية إمكانية لحل المشاكل التي نعرضها".
مختار آخر يتدخل في الحديث، ويقول إن المخاتير في عهد الحكومة الحالية مسؤولون فقط عن حضور الاجتماعات التي تعقدها رئاسة الجمهورية. ويضيف قائلا:
"الدولة تجعل من المخاتير جواسيس، ونحن منزعجون من ذلك. ففي فترة الاشتباكات عام 2015 طلب مني أن أكون جاسوسًا. قالوا (لن يكون هناك دفع أموال نظير ذلك، لكن إذا تم توقيفك سننقذك، وستلف الدولة يدها الحانية وتمسك بك)، لكني لم أقبل بهذا العرض.  فالدولة ترانا حفّار خنادق، بينما يرانا حزب السلام والديمقراطية جواسيس. وحقيقة الأمر أننا بقينا في المنتصف."
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: