اومت اوزكرملو
مايو 14 2018

تركيا.. انتخابات أم اندلاع "أزمة إنسان"؟

ألقى الكاتب والمفكر الفرنسي الشهير ألبير كامو في جامعة كولومبيا عام 1946 محاضرة بعنوان "أزمة الإنسان" أشار فيها إلى أن هناك أزمة إنسان تتجلى في الانحطاط الأخلاقي الذي جعل مآسي الحرب العالمية الثانية، من موت وتعذيب وتهجير لملايين الأشخاص، أمرا ممكنا.

في تلك المحاضرة، اقترح كامو أيضا سبلا لمقاومة النظام القائم، والذي يدوس على كل القيم التي تجعلنا بشرا. فعلى الرغم من كل شيء، هناك أناس حول العالم – ولتكن البداية من بلده فرنسا – مستعدون للتضحية بأرواحهم في المعركة ضد البربرية والعنف. وما يوحد هؤلاء الناس، ويخلق مقاومة عالمية عابرة للحدود، هو قيمة "كرامة الإنسان". ومن يحترمون الكرامة هم من لديهم الرغبة والاستعداد لاتخاذ موقف. وهدف هؤلاء هو إنهاء جدلية السيد والعبد التي تفرز عدم المساواة. فالاستعباد يدفع إلى السكوت، والسكوت المولود من رحم العبودية هو أسوأ أنواع الصمت. ومن ثم فإن الاستعباد يجب أن ينتهي، ويجب أن يصبح كل إنسان حرا، فالحرية هي الطريق الوحيد لحماية كرامة الإنسان.
يقول كامو إن هناك خطوات ملموسة يجب أن تتخذ من أجل بناء نموذج جديد للإنسان على هذا الأساس الفلسفي المجرد.

والخطوة الأولى هي تسمية الأشياء بمسمياتها، والإقرار بأن أي نظام تهيمن عليه إيديولوجية واحدة سيفضي في نهاية المطاف إلى مذابح ومعاناة. "فالناس لا يفكرون في أمور سيئة لأنهم قتلة، لكنهم يصبحون قتلة بسبب أفكارهم السيئة. لهذا السبب من الممكن أن تصبح قاتلا دون أن تكون قتلت شخصا واحدا، ولهذا كلنا قتلة بشكل أو بآخر".

والخطوة الثانية هي أن نتخلص من فكرة القدرية. فقد يكون من غير الممكن الوصول إلى النظام المثالي في نهاية المعركة، أو ربما يتصدع النظام الجديد بأشكال أخرى، لكن هذا يجب ألا يثنينا عن المثابرة على مقاومتنا. يجب علينا ببساطة أن نحاول أن نبذل أقصى ما في وسعنا في ظل الظروف القائمة لكي نضع توقعات واقعية ونقف على أرض ثابتة.

لكن ما الذي تقوله لنا مقترحات كامو بشأن تركيا اليوم في أعقاب الإعلان عن انتخابات مبكرة جديدة؟

لو أننا نسمي الأشياء بمسمياتها، يجب علينا الإقرار بأن النظام الحالي في تركيا هو نظام مستبد. فالاختلاف الوحيد بين تركيا والأنظمة الشمولية مثل الصين وكوريا الشمالية هو المساحة المحدودة من المعارضة التي ما زالت تتمتع بها بعض الجماعات.

وواضح أيضا أن انتخابات الرابع والعشرين من يونيو المقبل لن تكون انتخابات ديمقراطية، ونتيجة تلك الانتخابات الشعبوية معروفة بالفعل. فربما لن يُنتخب "الزعيم" بأغلبية 80-90 بالمئة من الأصوات كما كان الحال في روسيا أو مصر مثلا، لكننا نعرف أن الانتخابات ربما ستُعتبر "باطلة" إذا لم تحقق نتائجها توقعات المؤسسة، كما شهدنا في حالة الانتخابات البرلمانية في يونيو عام 2015.

لكن هذا لا يعني أن الانتخابات ليست مهمة. فحقيقة أن الانتخابات لم تُلغَ تماما تحت ذريعة حالة الطوارئ تُظهر الأهمية "الرمزية" المعطاة للدعم الشعبي ولوجود هالة من الشرعية الديمقراطية.

وبالنظر إلى ذلك، يتعين علينا أن نتخلص من فكرة القدرية وأن نكون مثابرين في معركتنا. ومقاطعة الانتخابات، على الرغم من كونها تغري بأن تكون نموذجا مثاليا، ليست خيارا ذا جدوى، وسيكون من شأنها فقط تعزيز قبضة الزعيم طالما أن الأغلبية ما زالت غير مقتنعة. 

كما أن الالتفاف حول مرشح واحد هو أيضا خيار مستحيل في ظل تشرذم المجتمع التركي بطبيعته، فهو أرخبيل من المجتمعات، كما ذكرت في وقت سابق. فإذا كان ذلك المرشح مدعوما من الليبراليين (الذين كانوا في السابق يقفون إلى جانب الحكومة الحالية)، فإنه لن يحظى بدعم اليساريين أو الأكراد أو العلويين. أما إذا كان هناك مرشح ما يستطيع أن يوحد العلويين والكماليين العلمانيين، فإنه لن يحصل على أصوات الجماعات القومية المحافظة (المسلمون السنة). وأي مرشح يطرحه الأكراد أو اليساريون سترفضه الأغلبية الكاسحة من الشعب، بما في ذلك القوميون العلمانيون.

وحتى إذا كانت هناك إمكانية للالتفاف حول مرشح واحد، فإن تغيير القيادة سيظل أمرا مستحيلا بالنظر إلى اللاديمقراطية التي يتسم بها النظام الحالي كما أوضحنا في هذا المقال.

والخيار الوحيد ذو الجدوى، وإن كان غير مثالي، هو أن يطرح كل حزب مرشحه الذي سيحصل على أصوات معظم مؤيدي الحزب. وإذا ما أفضى ذلك إلى جولة ثانية يكون على الزعيم أن يواجه فيها مرشحا واحدا للمعارضة، سيتعين وقتها أن يكون الهدف حشد أكبر عدد من الأصوات لصالح مرشح المعارضة. وليس بغير المعقول، بالنظر إلى كآبة الحالة الراهنة، أن يستطيع الناخبون من كل جماعة التغلب على الانقسام المجتمعي ودعم مرشح المعارضة. 

والمؤكد بصورة أكبر هو أن بعض الليبراليين، والعلمانيين غير القوميين، بل وحتى بعض المحافظين قد تذهب أصواتهم لمرشح حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش. 

وبالمثل، فإن بعض اليساريين والأكراد قد يفكرون في دعم مرشح من يمين الوسط إذا ما وصل إلى الجولة الثانية. وعلى الرغم من أن ذلك قد لا يغير نتيجة الانتخابات في نهاية الأمر، فإن المعارضين قد يشكلون كتلة خطيرة تكون كبيرة بما فيه الكفاية لكي يصبح صوتها مسموعا.

وعلى أي حال، ففي ظل مثل هذه الظروف الصعبة، يجب أن يكون أقصى هدف هو الوصول إلى استعراض رمزي للقوة قد يكون من شأنه تعزيز ثقة المعارضة في نفسها وزيادة فرص التخلص، بعض الشيء على الأقل، من الطائفية.

وعلى هذا النحو، ومع استمرار أزمة الإنسان الكبيرة، ستستمر المقاومة أيضا.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: