تركيا: انتخابات مباغتة، وغير متكافئة، ولا عادلة...

 

ستنظم تركيا انتخابات رئاسية وبرلمانية مرة واحدة وفي آن واحد. ولا أحد يسأل الشعب عن النواب المرشحين لتمثيله في البرلمان. أما المرشحون لرئاسة الجمهورية فأحدهم معتقل، والأربعة مرشحين الآخرين يتنقلون ويتحركون بحرية؛ وسيشارك أحدهم في سباق الانتخابات الرئاسية من نقطة النهاية.
تتجه تركيا نحو إجراء الانتخابات العامة للمرة الثالثة خلال ثلاث سنوات اعتبارًا من يونيو 2015 وحتى اليوم. علاوة على ذلك فسوف تُجرى الانتخابات الرئاسية أيضًا هذه المرة بالتزامن مع الانتخابات العامة. يحدث هذا في حين أنه تبقى 20 شهرًا على الموعد الطبيعي لإجراء الانتخابات العامة، و18 شهرًا على الموعد الطبيعي لإجراء الانتخابات الرئاسية.
الغريب في الأمر أنه لم يعترض على هذه الانتخابات المباغتة أي طرف من الأطراف على الإطلاق اعتراضًا جادًا وحقيقيًا؛ بما في ذلك أحزاب المعارضة نفسها. ويبدو الأمر كما لو أن إجراء الانتخابات في وقت مبكر إلى هذا الحد سيسمح للمعارضة بالتخلص من السلطة في أقرب وقت ممكن.
إن تقديم مواعيد الانتخابات أنقذ المقار العامة للأحزاب من التزامات ما قبل الانتخابات؛ فجميعها يحدد مرشحيه بواسطة استطلاع رأي المقر الرئيسي لها. وبهذه الطريقة فإن الأحزاب التي تبذل الوعود بأنها ستحقق مزيدًا من الديمقراطية للبلاد قد نالت رفاهية تعطيل الديمقراطية داخل أحزابها؛ حيث إنها ستتذرع بأن الانتخابات كانت مباغتة ومفاجئة لها.
ومع ذلك ففي الانتخابات العامة التي أجريت في 1987، على سبيل المثال، توجه حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي (SHP) أحد أحزاب المعارضة في تلك الفترة إلى المحكمة الدستورية العليا اعتراضًا على تلك الانتخابات؛ حيث إن الجدول الزمني للانتخابات لم يسمح بإجراء الانتخابات الأولية، وكذلك على قانون الانتخابات لإقراره بتحديد المرشحين من خلال استطلاع رأي المقار الرئيسية للأحزاب. وقد ألغت المحكمة الدستورية العليا القاعدة التي تقضي بقيام المقر الرئيسي باختيار المرشحين، وبهذه الطريقة تم تأجيل الانتخابات لوقت لاحق.
 
انتخابات مباغتة بدون انتخابات أولية: في هذه المرة لم يعترض أي شخص على طريقة تحديد المرشحين بواسطة استطلاع رأي المقار الرئيسية للأحزاب.
ستقوم الأحزاب بإبلاغ اللجنة العليا للانتخابات بقوائم المرشحين الخاصة بها حتى مساء 21 مايو. ومن المرجح أن يقوم مديرو المقار الرئيسية للأحزاب بوضع أسماءهم أنفسهم في المواقع التي سيقع عليها الانتخاب والاختيار، بينما سيتم توزيع طلبات الترشح الأخرى بحيث يتم تمريرها عبر هيئات صنع القرار.
أما بالنسبة للناخبين من المواطنين الذين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع في 24 يونيو فسيصبحون وقد أقروا بتلك القوائم التي تم إعدادها خلف الأبواب المغلقة للمقار الرئيسية للأحزاب، دون أدنى اعتراض منهم، ولا مشاركة فيها، ولا حتى امتلاك لإمكانية تعديلها.
وبالتالي فإن الشعب سيبدو كما لو أنه هو من اختار بالفعل أعضاء البرلمان الــ 600 الذين سيضعون القوانين نيابة عنه. والحقيقة أنه لن يتطرق أحد للحديث عن كون هؤلاء الـــ 600 شخص قد تم اختيارهم وانتخابهم من بين فئة حددها 10-15 شخصًا من كل حزب.
في 24 يونيو أيضًا سوف يتم انتخاب رئيس الجمهورية عبر الاقتراع العام للمرة الثانية في تاريخ الجمهورية التركية. فرؤساء الجمهورية التركية الذين تولوا منذ 1923 وحتى عام 2014 (وهي فترة تبلغ 91 عامًا) كانوا ينتخبون من قبل البرلمان دائمًا. ونتيجة للبدعة رقم 367 التي أقرها بعض السياسيين والحقوقيين في 2007 تم تغيير هذا النظام؛ حيث تم التخلي عن انتخاب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان، وبهذه الصورة تحقق الانتقال إلى نظام انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام.
 
رئيس الجمهورية المنحاز: لقد رأينا نماذج من المخاطر التي تسبب فيها انتخاب شخص تأثرًا بخطاباته الميدانية ولغته الحماسية وشهرته ليتولى منصبًا كمنصب رئيس الجمهورية الذي يفترض أن يوحد الأمة من خلاله، ويؤلف بين أفرادها ويكون مسؤولًا عن "تمثيل وحدة الدولة والشعب". علاوة على ذلك فإنه، وقبل عام من الآن، تم إجراء تعديل دستوري يسمح لذلك الشخص بأن يكون "حزبيًّا".
وفي الانتخابات الحالية أيضًا فإننا نجد جميع الأحزاب-تقريبًا- التي تقول إنها تعارض هذا النظام بكامله قد شاركت في هذا السباق بأكثر الأسماء "تحزبًا وحزبيةً" لتنافس بها رئيس الجمهورية "الحزبي"، بدلًا من أن تبحث عن أسماء غير حزبية، وقادرة على تحقيق التصالح بين أفراد الشعب وتوحيد صفوفه.
وهكذا فإن الانتخابات الرئاسية التي ستجرى تزامنًا مع الانتخابات العامة تحولت إلى سباق بين الأحزاب نفسها، بعيدا عن مناقشة الهيئة والصفات والقيم التي يجب أن تتوفر فيمن يشغل هذا المنصب، ويبدو أنها ستستمر هكذا أيضًا.
 
سباق غير متكافئ: علاوة على ما تقدم فإن هذا السباق يتم إجراؤه في ظروف غير متكافئة لأقصى درجة. فأحد المرشحين الرئاسيين معتقل، ويُنتظر منه أن يركض ويجري على قدم المساواة مع الآخرين. فصلاح الدين دميرطاش الذي كان مرشحًا للرئاسة في أغسطس 2014 وحظي بتعاطف أكثر من عدد الأصوات التي حصل عليها مرشح للرئاسة من جديد أيضًا. إنه مرشح للرئاسة، ولكنه معتقل في أدرنة.
إن المرشحين الآخرين غيره، والذين يذكرون بمناسبة هذا السباق الانتخابي فحسب أن أحد رؤساء الأحزاب معتقل منذ أكثر من سنة -دون معرفة السبب الحقيقي لاعتقاله- يسعون حاليًا إلى جمع النقاط (الأصوات الانتخابية) والقبول في أعين مؤيديه، وذلك عبر زيارته في معتقله أو المطالبة بالإفراج عنه.
لكن لا أحد منهم يقول إن هذا السباق الانتخابي الذي ينتمي إليه أحد المنافسين ليس مشروعًا ولا مبررًا.
إن الاعتقال لا يُعتبر عُقوبة في القانون، إنه مجرد إجراء. إن الاعتقال أحد الطرق لاحتجاز متهم (يُعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته قطعيًا) مدعىً عليه، إلا إنه لم تتأكد بعد إدانته من عدمها، ويُتخذ ذلك الإجراء تحسبًا لمجموعة من الاحتمالات مثل هروبه ومحو أدلة إدانته.
حين يتم إخلاء سبيل رجل سياسي معروف، ومرشح لرئاسة الجمهورية، خلال مرحلة الانتخابات تُرى هل سيهرب إلى دولة أخرى، وأي نوع من الأنشطة أو الشعارات سيخفيه، وأي دليل سيطمسه إنسان معتقل منذ أكثر من عام؟.
وبينما كل هذه الحقيقة ماثلة للعيان؛ فكيف سيكون الاتجاه لإجراء الانتخابات سباقًا ديمقراطيًا كما لو أن جميع المرشحين فيه يتسابقون في ظل ظروف متكافئة ومتساوية؟
 
سباق غير عادل: فأحد المرشحين المشاركين في السباق مكبل اليدين والقدمين، ولا يستطيع ولو حتى الحراك. لدرجة أنه في ظل ظروف المعتقل لا يملك أية إمكانية ولا فرصة كي يوصل إلى جماهيره صوته ورسالته ورأيه وتوصياته ومقترحاته.
أما الآخرون فإنهم يستطيعون التجول في البلاد، وعقد اجتماعات في القاعات أو لقاءات ميدانية مع جماهيرهم كما يحلو لهم.
إنهم يستطيعون التصريح بآرائهم وأفكارهم حتى ولو كان ذلك عبر شاشات 3-5 قنوات من بين 30 قناة تليفزيونية، ويمكنهم مناقشة القضايا والمشاركة في المناقشات.
لا يبدو أنهم مستاؤون من الوضع، فهم يعملون، ويعتقدون بأنهم سيفوزون.
أما صلاح الدين دميرطاش فمحروم حتى من هذه الإمكانيات المحدودة.
وهناك مرشح رئاسي آخر، مختلف عن كافة المرشحين الآخرين.
هذا المرشح يستغل ويستخدم كل مرافق الدولة وإمكانياتها، وطائراتها، ومروحياتها، وقوافلها من السيارات المصفحة. إنه يبث بثًا مباشرًا/ ونقلًا كل لحظة يتقدم فيها إلى المنصة، وكل لحظة يدخل فيها قاعة، وليس أحاديثه في القنوات التليفزيونية فحسب.
هو أيضًا أحد المشاركين في هذا السباق.
إننا نتجه لإجراء اثنين من الانتخابات في مناخ كهذا.
سيكون لدينا للمرة الأولى برلمانٌ تركي يتكون من 600 (ستمائة) عضوٍ؛ ولا أحد يسأل الشعب من سيكونون نوابه. رؤساء الأحزاب هم من يختارونهم، ويرتبونهم.
سننتخب رئيسًا للجمهورية بالاقتراع العام للمرة الثانية.
هناك ستة مرشحين رئاسيين.
أحد هؤلاء المرشحين معتقل، والأربعة أحرار في تحركاتهم وتنقلاتهم؛ أحدهم يشارك في السباق من نقطة النهاية.
 

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/onsecimsiz-esitsiz-adaletsiz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.