تركيا بحاجة إلى "احتواء الأضرار"

في الكتب المصورة، توجد بعض الموضوعات عن الأبطال الخارقين الذين لا يُكتب عنهم كثيراً، أو لا يظهرون إلا نادراً. والقارئ الجيد لهذه الكتب حقا يمكنه أن يقرأ ما بين السطور لاستنباط بعض المعاني الخفية وإيجاد بعض الإجابات على الأقل.

فيلم (الرجل الفولاذي)، وهو أول فيلم يعرض في الأيام الأولى من إطلاق عالم دي. سي السينمائي، قد انتهى بمعركة هائلة بين الرجل الخارق (سوبرمان) والشخصية الشريرة الرئيسة، الجنرال زود، ودُمرت مدينة متروبوليس بالكامل تقريبا. والفيلم التالي في هذه السلسلة، وهو (باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة)، يوضح بطريقة موجزة ولكن فعالة حجم الدمار والضرر الذي لحق بالأشخاص العاديين بسبب معركة بين بطل خارق وشخصية شريرة خارقة.

لكن في الحقيقة، لا تذكر كل الكتب المصورة وأفلام الرسوم المتحركة (الأنيميشن) وأفلام الحركة الحية تقريبا حجم الدمار الذي تسببه المعارك. فتقريبا بعد كل معركة من المعارك الكبيرة، تكون العاقبة تدمير بعض المناطق بالكامل في نيويورك على وجه الخصوص، ولكن في الإصدار التالي أو في سلسلة مصورة أخرى، لا تجد أثرا لذلك الدمار.

احتواء الأضرار.

في عام 1988، كانت مارفل أول من يتعامل مع هذه المشكلة حين ذكرت فريق "احتواء الأضرار" في الإصدار السنوي من (عصر مارفل). وعلى مر السنين، يظهر "احتواء الأضرار" في قصص الإصدارات المحدودة. وللتوضيح بإيجاز، كانت الشركة التي بدأها توني ستارك (الرجل الحديدي) وويلسون فيسك (الشرير) مكلفة بإعادة مدن إلى حالتها الأصلية بعد أن تركها الأبطال والأشرار الخارقون أنقاضا. يقع المقر الرئيس للشركة في واحد من أشهر المباني في نيويورك، وهو مبنى فلاتيرون. وبالطبع تنتهي شراكة ستارك وفيسك وتتغير الشركة، لكن مبادئها التأسيسية تبقى كما هي.

يدرك المشاهدون المهتمون أن فيلم (الرجل العنكبوت: العودة للوطن) يناقش "احتواء الأضرار" في بدايته. وفي نهاية فيلم (المنتقمون)، ولإعادة بناء المدينة بعد حرب نيويورك، تؤسس الحكومة وزارة جديدة مع توني ستارك. ونتيجة لهذه الحكومة الجديدة، يفقد أدريان تومس وظيفته ويصبح عدو الرجل العنكبوت، النسر.

هذه الشركة مسؤولة عن إصلاح المدن وإزالة آثار الدمار الذي يسببه الأشرار الخارقون خصوصا في نيويورك، لكنها تعيد بناء مدن أخرى أيضا. وبعد إنجاز أعمالها، تظل الشركة في أيدي السياسيين. الأمر المثير للاهتمام في هذا الصدد هو أنه قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالولايات المتحدة نشرت مارفل سلسلة كتب مصورة من أربعة أجزاء باسم (انتخبوا لوكي) والتي يعد فيها لوكي سكان نيويورك بأن حياتهم ستعود لطبيعتها بعد الدمار الذي بقيت آثاره عقب حرب نيويورك. تنمو نيسا كونتريراس، التي كانت فتاة صغيرة في وقت الحرب، وتكبر لتصبح صحفية في ديلي بوغل وتكشف كيف أن صاحب هذا الوعد لم يف به وكيف انتفع السياسيون من الأمر كله.

VOTE LOKI

باختصار، حقق "احتواء الأضرار" الهدف منه وعادت المدينة إلى حالتها الأصلية، لكن حياة السكان لم تبق كما هي على الإطلاق. والساسة الفاسدون هم السبب في ذلك.

سبايدر مان.

في هذه الأيام في تركيا، وخصوصا عند النظر إلى إسطنبول وجميع مشاريع التطوير الحضري، لعلك تظن أنه كانت هناك كارثة ما وقعت في الفترة الأخيرة، كما هو الحال في القصص المصورة. فالمدينة بالكامل من أسفلها لأعلاها تتحول إلى مبان خرسانية، ولا يوجد مكان غير مغطى بطبقة من التراب.

في كثير من شوارع إسطنبول، اعتاد السكن رؤية الشاحنات الكبيرة ومعدات البناء. حتى في كتاب جغطاي يشموت (من قتل الدكتور سيدا؟) وفيلم المخرج فيرزان أوزبيتيك (إسطنبول الحمراء)، كان نشاط البناء المحموم جزءا من خلفية القصتين.

إنشاءات إسطنبول.

ثمة الكثير من عناصر التطوير الحضري التي تشبه أحداث قصة لوكي. فالمباني السكنية التي قررت البلدية إزالتها يعاد بناؤها إما عن طريق شركات المقاولات الخاصة أو الهيئة المعنية بالإسكان في الدولة. يُعطى ملاك الشقق في المباني المقرر تجديدها إيجاراً شهرياً لحين الانتهاء من تشييد المباني الجديدة. وعندما يكتمل البناء، يمكن للملاك حينئذ الانتقال إلى شققهم الجديدة. لكن بعد الأزمات الاقتصادية الأخيرة، ثمة الكثير من هذه البنايات لم يُستكمل بناؤها، وتوقفت شركات المقاولات الخاصة عن دفع الإيجارات.

أما مالكو المباني التي كانت من نصيب هيئة الإسكان فقد حالفهم الحظ. فهؤلاء يُمنحون منازل يتعين عليهم الانتقال إليها. إذا فرضنا أن منزلك كائن في موقع جيد بالمدينة – ستستطيع الانتقال إلى مبنى جديد تماما على الجانب الآخر من المدينة. وفي معظم الحالات يكون ذلك من صنع الحكومة كي تنقل ناخبيها إلى أحياء يشكل فيها ناخبو المعارضة معظم سكانها، مما يساعدها على الفوز في الانتخابات المحلية.

بينما تتحول إسطنبول إلى منطقة بناء عملاقة، ثمة أمر لا يدور في ذهن أحد، ألا وهو الزلازل. ففي تاريخ المدينة، قال العلماء كثيرا إن زلزالاً هائلا في طريقه إليها. وإذا حدث ذلك، يمكن لمؤسسة احتواء الأضرار إزالة آثار الدمار في إسطنبول بسرعة حقا، إلا أنها مؤسسة خيالية. لقد تحولت معظم نقاط التجمع المحددة عند وقوع الزلازل وعددها 496 نقطة إلى مراكز تسوق. والآن لم يعد هناك سوى 77 نقطة تجمع لجميع سكان إسطنبول البالغ عددهم 17 مليون نسمة.

عمليات البناء الجديدة لا تجري فقط في إسطنبول – بل في جميع أنحاء البلاد. وفي منطقة سور في ديار بكر، يشيدون فيلات على الأراضي التي دمرتها قوات الأمن.

أعمال بناء في بلدية سور بديار بكر.

هذه الفيلات باهظة الثمن حقا، ولا تتناسب بالمرة مع عبق التاريخ الذي يملأ سور، ولا أحد يعرف من سينتقل إليها.

ديار بكر.

مرت إسطنبول بوضع مماثل قبل سنوات قليلة مع مواطني الروما (الغجر) المقيمين في سولوكول. تأسست سولوكول في الحقبة البيزنطية في القرن العاشر، وكانت واحدة من أقدم المناطق المأهولة بمواطني الروما في العالم. ويعتقد أن 3500 من الروما عاشوا في الألف المنزل الكائنة هناك.

إنشاءات.

بعد هدم منازلهم باسم التجديد الحضري، شيدت الحكومة مباني فاخرة، لكن أبناء الروما لم يكن بمقدورهم تحمل تكلفة المعيشة في الشقق الغالية. ومن ثم، بات الأجانب الآن يشكلون معظم سكان سولوكول، حي مواطني الروما السابق. وبعد أن أخرجوا من ديارهم وتم محوهم من التاريخ، صار الغضب يملأ قلوب شباب الروما بصفة خاصة.

إنشاءات تركية.

تعكف تركيا على هدم الكثير من الأماكن. هذا الدمار ليس بسبب معركة بين قوى خارقة، بل نتيجة سياسات سيئة. لكن لسوء الحظ، حين ينقشع الغبار وتتضح ملامح الدمار، لن يكون هناك فريق "احتواء أضرار" كي يتدخل ويعيد الأوضاع إلى طبيعتها سريعا.

بل على العكس من ذلك، ستمر سنوات قبل أن يبدأ مثل هذا الجهد أصلا!

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-damage-control/turkey-needs-damage-control
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.