تركيا.. بدء لعبة الانتظار بعد اجتماع اقتصادي عاجل رفيع المستوى

قال ستانلي فيشر، النائب السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي والرجل الثاني السابق في صندوق النقد الدولي، يوم الأربعاء الماضي، إنه يجب على الأسواق الناشئة أن تتصرف بسرعة في ضوء ارتفاع الدولار الأميركي، لأن هذا الارتفاع يحدث أسرع مما كان يتوقع.

وقال معهد التمويل الدولي إن أوكرانيا، والصين، والأرجنتين، وجنوب أفريقيا، وتركيا هي الدول الخمس الأكثر تعرضا للتغيرات في الإقدام على المخاطر. وأُجبرت الأرجنتين بالفعل على التوجه إلى صندوق النقد الدولي لطلب المساعدة خلال الأسبوع الجاري.

وقال فيشر إنه مع صعود مؤشر الدولار لمستويات عالية جديدة منذ أواخر العام الماضي، فإنه ومن أجل استقرار العملات المحلية في البلدان الضعيفة، يجب على الكثير من الناس هذه الدول القيام بالشيء الصحيح في الوقت المناسب، وبالنسبة للكثير من هذه الدول فإن الوقت المناسب قريب جدا.

وفي نفس اليوم الذي تحدث فيه فيشر عن إلحاحية الوضع، جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسؤوليه الاقتصاديين لمناقشة هبوط الليرة التركية. وكان من بين المشاركين في الاجتماع المهم محافظا البنك المركزي التركي، اللذين يُلقي عليهما باللوم بسبب تراخيهما فيما يتعلق بالسياسة النقدية لكبح الليرة والتضخم، وهما جميل إرتم ويغيت بولوت، اللذين يزودان الرئيس بسياسات اقتصادية غير تقليدية، والوزير محمد شيمشك، الذي كان يوما ما متخصصا في اقتصاد تركيا في مؤسسة ميريل لينش وأكثر وجه مألوف في السوق في المستويات العليا.

وقد شاهدت نفس المجموعة من المسؤولين الاقتصاديين التضخم وهو يصعد إلى خانة العشرات خلال العامين الماضيين، كما شاهدت اتساع عجز الحساب الجاري ليصل إلى ستة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي والهبوط المتواصل لليرة. وقد حاولوا خلال الاجتماع الذي عُقد في قصر أردوغان الفخم إيجاد علاج لهذه الأمراض الاقتصادية التي تعاني منها تركيا مع الاقتراب السريع للانتخابات الرئاسية الحاسمة في 24 يونيو المقبل.

وكانت الليرة التركية قد انخفضت لتصل إلى 4.38 مقابل الدولار عندما بدأ الاجتماع الذي استمر أربع ساعات. وحبست السوق أنفاسها من أجل اتخاذ خطوات ملموسة مع تصدر الأنباء بأن الأرجنتين تتواصل مع صندوق النقد الدولي لأول مرة في 17 عاما عناوين الأخبار.

ولم يقدم البيان الذي أصدره قصر الرئاسة التركية بعد الاجتماع الكثير من التفاصيل. فقد ترك أزمة ارتفاع أسعار الفائدة مفتوحة كما ترك أيضا التساؤل حول ما إذا كان البنك المركزي قد حصل على الضوء الأخضر لرفع أسعار الفائدة لاستقرار الليرة بدون جواب.

لذا، فقد أصبحت قراءة ما بين السطور مهمة حاسمة لتقديم بعض المعنى للمسار المستقبلي المحتمل للاقتصاد التركي قبل وبعد الانتخابات المبكرة التي دعا إليها أردوغان.

ويجب أن تكون معالجة التضخم هي أولى أولويات الحكومة للتطبيع الاقتصادي حيث لا ينفصل التضخم عن ارتفاع أسعار الفائدة. وبالنظر إلى الوضع الحالي، فإن تشديد البيان الصادر على أن الفترة القادمة ستشهد استمرار السياسات الاقتصادية المبنية على النمو كانت بداية غير مشجعة. فقد كانت كما لو أن إرتم وبولت يعربان عن معتقداتهما غير التقليدية.

رسم بياني

وسيستمر استمرار النمو، الذي تدفعه الحكومة منذ منتصف عام 2016 على حساب ارتفاع مستوى التضخم واتساع عجز الحساب الجاري، حتى على الرغم من أنه يبدو أن البنك المركزي سيتمتع بالحرية في رفع سعر الفائدة بما بين 100 إلى 200 نقطة أساس.

ومن ثم، فقد يساعد استقرار الليرة بصورة أكبر نسبيا الحكومة قبيل الانتخابات المزمعة، لكن من الصعب التكهن بمسار السياسة النقدية بعد الانتخابات. وغني عن القول إنه مع وجود مؤشر عائدات السندات عند نسبة 15.7 بالمئة، فإن أي ارتفاع لأسعار الفائدة أقل من ما بين 300 إلى 400 نقطة أساس سيكون بالكاد فعالا في القضاء على مشكلة التضخم في تركيا. وبالطبع لم يذكر البيان أي شيء عن أي تبسيط لاستخدام عدة أسعار للفائدة لتحريك متوسط تكلفة التمويل للسوق. وهذا بحد ذاته إشارة إلى أن منطق الحكومة الذي يتلخص في أن أسعار الفائدة المرتفعة تؤدي إلى ارتفاع التضخم– سياسة أردوغان/ إرتم/ بولوت – سيهيمن على السياسة النقدية بعد الانتخابات.

رسم توضيحي.

وفي الوقت الذي ربما يبدو فيه أن الارتفاع المعتدل لسعر فائدة يعد عمليا بالنسبة لأردوغان قبيل الانتخابات، فإن البيان يكرر منطق أردوغان/ إرتم/ بولوت، قائلا إن سياسة الحكومة "هي خفض الفائدة وضغوط سعر الصرف ومكافحة التضخم بصورة فعالة أكثر". وهذا محير فعلا.

وبغض النظر عن هذا، سيكون من الآمن افتراض أن أسعار فائدة بمعدل ما بين 100 إلى 200 نقطة أساس هو يلوح في الأفق. وسيكون هذا كافياً للحفاظ على سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار عند 4.20، لكن لا يبدو أنه سيتم تحقيق تراجع كبير في قيمة الليرة. 

وستنتظر الأسواق الآن إعلانا من البنك المركزي في الأيام القادمة. وإذا لم يصدر هذا الإعلان، فإن هبوط الليرة سيتواصل. وحتى إذا فاجأ البنك المركزي الأسواق برفع سعر الفائدة ما بين 300 إلى 400 نقطة أساس، فإن تأثيره الإيجابي على الليرة سيكون كبيرا.

كما يشير البيان إلى الجانب المالي الذي يبدو أنه سيتدهور بسبب الفورة في إنفاق الحكومة الشعبوي قبل الانتخابات. ويعد البيان باتخاذ إجراءات مضادة لتعويض الإنفاق المرتفع لكن لم يشر إلى ما إذ كانت هذه الإجراءات ستكون في شكل ارتفاعات دائمة للضرائب، أو أحد مكاسب الخصخصة التي لا يمكن تكرارها، مثل بيع مصانع السكر مؤخرا في تركيا. والأكثر من ذلك، فإن البيان يوضح أن الموارد العامة ستستخدم لدعم النمو، في حين يغذى عدم ذكر التحول إلى سياسة مالية تقليدية أكثر القلق الحالي فيما يتعلق بالحسابات المالية التركية.

رسم توضيحي.

وفيما يتعلق بتركيز الحكومة على النمو القوي وتوظيف الموارد المالية لتأمينه، فقد ذكر البيان أيضا مرة أخرى أكثر إجراء شعبوي اتخذته الحكومة مؤخرا وهو الحصول على ائتمان الإسكان الرخيص من بنوك الدولة. وليس سرا أن قطاع البناء التركي يعاني من مشكلة مع تزايد المساكن غير المباعة. ويجب أن تساعد قروض الرهن العقاري الرخيصة من بنوك الدولة الكثير من شركات الإنشاءات القريبة من الحكومة. وهذا سبب آخر يدعو لبقاء الشك في المسار المستقبلي للعجز المالي، والذي من المقرر أن يتضاعف ارتفاعا من نسبة 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

وتعهد أردوغان ورفاقه على بقاء الالتزام بنظام التعويم الحر للعملة والحفاظ على عدم الاقتراب من حسابات الودائع بالعملة الأجنبية، ربما كرد فعل على التكهنات الحالية بأنه في أسوأ السيناريوهات فإن الحكومة ستقوم بتجميد الودائع بالعملة الصعبة.

لكن ما هو غير المشجع البيان إن الحكومة "ستبذل المزيد من الجهود من أجل الاستخدام الأمثل للأصول الموجودة حاليا من العملة الصعبة والذهب" وإنها "تتوسع في خطة عفو الثروة" لتشتمل على المدخرات الدولية والمحلية. ويوضح أنه كيف أن الإجراءات الثلاثة السابق ذكرها تظل مثل الوهم بالنسبة للاقتصاد الكلي.

رسم توضيحي.

وإجمالا، فحتى مع وجود ارتفاع معتدل لسعر الفائدة كما يتوقع الآن، فإن إعلان القمة يعكس حقيقة أن فريق الإدارة الاقتصادية مازال بعيدا عن الاستيعاب الكامل للحقائق الاقتصادية المتغيرة.
وتعني حقيقة قلق أردوغان من إعطاء الأولوية للنمو عند ارتفاع أسعار الفائدة، وارتفاع مؤشر الدولار، وتقليل السيولة في الأسواق العالمية التي تؤدي إلى زيادة تكلفة النمو فيما يتعلق بالتضخم وعجز الحساب الجاري، أنه سيتم اتخاذ خطوات من أجل استقرار الليرة على المدى القصيرة وذلك للفوز في الانتخابات. وعلى الرغم من ذلك، يحتمل أن يستمر القلق بشأن ما إذا كانت الحكومة ستنخرط في رؤية سياسة نقدية جديدة وواقعية تتماشى مع تغير ديناميات الاقتصاد الكلي.
والأكثر من ذلك، فإن عدم التحول إلى إجراءات سياسة تقليدية، عندما يبدو أن عاصفة مثالية ستهب، يعني أنه يمكن إجراء المزيد من الانتخابات، إذا لم تؤكد الانتخابات فوز أردوغان برئاسة البلاد بأغلبية قوية في البرلمان.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: