سرفان ازونوغلو
ديسمبر 15 2017

تركيا.. بعث الصحافة في زمن الاستقطاب

بات الحد الذي وصل إليه الاستقطاب في المجتمع التركي أحد أكثر النتائج شيوعا لأعمال البحث السياسي. فبإقرار الجميع تحولت قطاعات كبيرة من الناس لما بين متجاهل أو كاره للآخرين.

لم لا ينصت الأتراك للآخرين ممن يخالفونهم الرأي؟ وهل للأمر خصوصية ذات صلة بتركيا؟

الإجابة بالنفي فالأمر غير قاصر على تركيا فالاستقطاب في كل مكان.

أوضحت دراسة أن التعبير عن المشاعر الأخلاقية (كالتعاطف والإحساس بالذنب) يزيد من انتشار الرسائل السياسية عبر منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 20 بالمئة. تعرف هذه المشاعر بعبارة "المرض الأخلاقي" ويتفشى داخل الشبكات بدرجة أكبر من تفشيه بينها.

في الرسم التوضيحي المبين أدناه يظهر المرض الأخلاقي مقاسا بالأيدولوجية السياسية بين تيارات المحافظين والليبراليين في الولايات المتحدة.

رسم بياني

كل نقطة تمثل أحد المستخدمين الذين يرسلون رسائل عبر تويتر فيما الخطوط تمثل مستخدما أعاد نشر التغريدات. تبين أن الرسائل التي تحوي لغة من المشاعر الأخلاقية عن قضايا سياسية (كالسلاح وزواج المثليين وتغير المناخ) تلقى رواجا وتنتشر داخل الشبكات.

الاستقطاب كذلك أداة يلجأ إليها السياسيون أصحاب الشعبية ممن يجيدون التواصل الجماعي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مثلا يعمد لاستفزاز قنوات الاتصال ووسائل الإعلام التي تحظى بالاحترام (والتي يطلق عليها هو مصطلح الأخبار الكاذبة) وذلك بطرح نفس مصادر التوتر التي قادت لانتخابه.

أرشيف تغريدات ترامب
أرشيف تغريدات ترامب

هناك موقع إلكتروني تخصص في الاحتفاظ بتغريدات ترامب منذ انتخابه رئيسا للولايات المتحدة. فيه تجد كيف أن الكلمات الرئيسية في تغريداته تفسر سياسات كبش الفداء والزهو بالنفس التي تميزه في عصر الاستقطاب.

ومثلما يصف ترامب نفسه بأنه المصدر الوحيد للمعلومات أو الضامن الوحيد "للأمن القومي" نجد في تركيا عبارة "المصلحة الوطنية" وقد أصبحت عبارة شائعة تقوم عليها استراتيجية البث الإعلامي للحكومة. في المقابل يروج أنصار المعارضة لشعارات مضادة بدلا من الاعتماد على الأخبار.

من الأمور التي تكثر ملاحظتها دون تناولها بالنقاش أن الأشخاص الذين اعتادوا الجلوس معا وتناول الطعام معا والاحتفال معا في بلدات صغيرة بأناطوليا قد توقفوا عن ذلك بسبب الخلافات السياسية.

لا مفر إذا من أن تتسبب عوامل التوتر السياسي في تقسيم الناس إلى مجتمعات مختلفة داخل البلد الواحد وتجعلهم يحجمون عن الإنصات لبعضهم البعض؟

لقد تناولت دراسة أجرتها مؤخرا الباحثة جونكا توكيول على الشبان الأتراك الذين فقدوا الثقة في وسائل الإعلام وفي التيارات السياسية الرئيسية. كان الشبان من خلفيات سياسية وسكانية متعددة وقالت الباحثة إن كثيرين منهم توقفوا عن متابعة نشرات الأخبار بشكل كامل. بدلا من ذلك يسعى الشبان الأتراك الآن للبحث عن مراسلين ومعلقين بآراء مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي ثم مقارنة آرائهم.

هذا أمر غريب لكن به تطور مبشر إذ يتبين أن هؤلاء الشبان قادرون على الخروج من شرنقات صنعوها لأنفسهم والوصول لما يريدون خارج نطاق شبكاتهم، هذا إذا أرادوا بالطبع.

لكن لا يبدو هذا ممكنا للأغلبيىة الساحقة من الناس على المدى القصير. فبعد مراقبة صحفيين أتراك على مدى سنوات والكتابة لصالح العديد من وسائل الإعلام والمنصات البديلة سأقول إن المؤسسات الإعلامية الحالية في تركيا لن تنجو من مناخ الاستقطاب السياسي الحالي.

غير أن البدائل الجديدة تتحول إلى ترياق لحالة الاستقطاب هذه من خلال رفع كفاءة الصحافة وهي تحصل على دعم جاد من متابعيها.

من خلال تمويل المتابعين نجحت المنصة الإخبارية الجديدة 140 Journos، بما تقدمه من محتوى بديل خلاق، بسهولة في جمع مبلغ من المال عوضت به ما سرق في عملية سطو على مكتبها. كما يواصل أونسال أونلو وهو أحد أكثر المبرمجين مهارة في الإعلام التركي الجديد تقديم بثه الخاص بفضل تمويل المتابعين من خلال موقع باتريون. منصة إعلامية أخرى هي Medyascope  وهي منصة إعلامية بديلة تعتمد على الفيديو نجحت في تأمين التمويل من مؤسسات كثيرة.

إن الموجة الجديدة من الإعلام شبيهة بما رأيناه في احتجاجات غيزي بارك حين وعى كثير من الشبان عجز وسائل الإعلام التقليدية عن توفير نقل دقيق لما يجري من مظاهرات ضخمة ضد الحكومة وبدؤوا في البحث عن بدائل. غير أن الأمر بات أصعب في ظل الأوضاع القانونية والسياسية الراهنة في تركيا.

من المهم للغاية الإشارة إلى أن هذا الأمل سيبقى طالما واصلت هذه المنصات والصحفيين الفرادى تقديم صحافة عالية الجودة وطرح الأسئلة المطلوبة؛ وهذه مهمة يبدو أن الشعب التركي قد نسي أنها من صميم عمل الصحفيين.

تذكرني هذه المشاريع بأهمية الصحافة.. تماما كأهمية الديمقراطية والحرية.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: