تركيا بقيادة أردوغان.. على خطى فنزويلا

كانت تركيا في ظلّ حكم حزب العدالة والتنمية بمثابة بارقة أمل للعديد من البلدان الإسلامية والأسواق الناشئة، خاصة مع نجاح الاقتصاد التركي في تسجيل معدل نمو قوي وسريع خلال السنوات الخمس الماضية من خلال الاقتداء بنماذج القوى الاقتصادية الناشئة مثل البرازيل والصين والهند.

لكن هذا المسار انقلب بزاوية 180 درجة بعد أقل من شهرين من إعادة انتخاب رجب طيب أردوغان رئيساً للبلاد، إذ اصطدمت تركيا مؤخرا بسلسلة جديدة من الأزمات المالية والدبلوماسية. وبنهاية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في 24 يونيو، خرجت إلى النور تركيا جديدة (أو كما يمكن أن يطلق عليها بلغة البرمجة تركيا 2.0) تقوم على أنقاض الجمهورية الكمالية (تركيا 1.0) بعد أن تم "تحديث" النظام من برلماني إلى رئاسي تنفيذي.

وبعد أن فاز بأغلبية 52.5 في المئة من الأصوات، أصبح الطريق ممهدا بصورة شرعية أمام أردوغان لترسيخ حكم الفرد الواحد في تركيا. وفي بادئ الأمر، ارتفعت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأميركي في استجابة إيجابية للسوق إزاء استقرار السياسة الداخلية. وفي يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، كشف وزير المالية بيرات البيرق، وهو أيضا صهر أردوغان، النقاب عن نموذج اقتصادي جديد للبلاد، والذي يقوم على مبدأ "توفير الاستقلالية التامة في السياسات النقدية" للمؤسسات المعنية، بحسب قوله.

لكن، وفي اليوم نفسه، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر تغريدة على تويتر أنه وافق على مضاعفة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم من تركيا. وبحلول يوم الاثنين، وصلت قيمة الليرة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق مقابل الدولار، في حين تخطى معدل التضخم السنوي نسبة 15 في المئة. كما أن وجود مؤشرات تقليدية على اقتراب الاقتصاد التركي مما يعرف "بنقطة الفوران" وحدوث طفرة في قطاع التشييد في بلد يعاني من عجز تجاري كبير بالعملة الأجنبية، أثار مخاوف بشأن استقرار الحكومة التركية ومدى تأثير الأزمة التركية على الأسواق العالمية.

وبالفعل، ظهرت آثار أول موجة من تبعات الأزمة التركية في الهند حيث انخفضت قيمة الروبية إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار. وللأسف، تكشف ردود فعل الحكومة التركية إزاء الأزمة المالية القائمة أن أنقرة لم تتعلم الدرس جيدا من الأزمات الأخيرة التي ضربت الأسواق الناشئة الأخرى، ولا سيما فنزويلا.

بالطبع توجد اختلافات شاسعة بين تركيا وفنزويلا. فبادئ ذي بدء، الاقتصاد التركي لا يعتمد كثيرا على النفط مثلما هو الحال في فنزويلا، وثانياً، الحكومة التركية ليست حكومة اشتراكية. لكن في نفس الوقت، هناك أوجه شبه كبيرة بين الأزمات المالية الأخيرة التي ضربت البلدين وكذلك فيما يتعلق بتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة.

وسيكون من المفيد فهم ما ارتكبته كراكاس من أخطاء للتنبؤ بالتبعات السياسية للأزمة في تركيا، خاصة بعد أن تحولت فنزويلا من كونها أغنى دولة في أميركا الجنوبية في السبعينيات من القرن الماضي إلى دولة فاشلة على حافة الانهيار. واليوم، يبدو مستقبل فنزويلا القريب غامضا في ظل حالة التردي التي ضربت الاقتصاد الوطني في الأشهر الأخيرة. 

على الصعيد السياسي، هناك الكثير من أوجه الشبه بين ما يحدث في تركيا الآن وما حدث في فنزويلا على مدار العقدين الأخيرين. فبعد وفاة الرئيس الاشتراكي هوغو تشافيز، الذي حكم البلاد بين عامي 1999 و2013، تولى نيكولاس مادورو مقاليد الحكم بعدما أعده تشافيز بنفسه لهذا المنصب. وتعهد مادورو بمواصلة تنفيذ سياسات تشافيز الشعبوية للقضاء على الفقر وعدم المساواة. لكن هذه السياسات لم تسفر عن التغييرات المطلوبة، بل وأدت إلى تدهور الاقتصاد بدرجة كبيرة. وفي يوليو 2017، وصل سوء الإدارة بمادورو إلى تشكيل جمعية تأسيسية جديدة منحته بدورها سلطات ديكتاتورية مطلقة.

وردا على إجراء انتخابات لم تتسم بالحرية والنزاهة، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على إدارة مادورو. كما أدت مزاعم الفساد واسعة النطاق إلى إثناء المستثمرين الأجانب المحتملين عن ضخ رؤوس الأموال في الاقتصاد المحلي. وباتت فنزويلا تعاني من تضخم مفرط، في الوقت الذي أثرت فيه العقوبات الأميركية بالسلب على جميع فئات المجتمع.

وبالمثل، فإن أزمات تركيا المالية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة أدخلت البلاد في سلسلة غير مسبوقة من الصدمات. وعلى صعيد السياسة الداخلية، اتسمت الانتخابات الأخيرة بالحرية، ولكن ليست بالنزاهة، ما أدى إلى ترسيخ الاعتقاد بأن تركيا باتت أقرب من أي وقت مضى لأن تصبح ديمقراطية غير ليبرالية.

وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، عزز أردوغان وحكومته صلاحياتهما بعد إعلان حالة الطوارئ، والتي سمحت للسلطات بإيقاف العمل بالقواعد الديمقراطية وسيادة القانون. وتمّ الزج بأكثر من 50 ألف شخص في السجون على ذمة محاكمات بتهم الإرهاب أو الانتماء لحركة غولن التي أنحت أنقرة عليها باللائمة في محاولة الانقلاب. كما جمّدت أنقرة عملية السلام مع الأكراد وألقت بالزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعارض صلاح الدين دميرطاش في السجن، ولا يزال حتى اليوم رهن الاحتجاز حتى بعد أن سمحت له السلطات بالترشح في الانتخابات الرئاسية من وراء القضبان.

أما على الصعيد الخارجي، فلم تكن تركيا الحديثة أبعد مما هي عليه الآن في مسار التقارب مع أوروبا، خاصة في ظل سياسات أردوغان الأخيرة التي يخاطر من خلالها بإمكانية انضمام أنقرة لعضوية الاتحاد الأوروبي وكذلك بعضويتها الحالية في حلف شمال الأطلسي. كما أدى التراشق اللفظي بين أردوغان وترامب إلى أزمة دبلوماسية خطيرة.

وكانت التوترات بين أنقرة وواشنطن تدور في البداية حول طلب تركيا من واشنطن تسليم الداعية فتح الله غولن المقيم حاليا في ولاية بنسلفانيا، وهو الرجل نفسه الذي يقول عنه أردوغان إنه العقل المدبر وراء محاولة الانقلاب.

وازدادت حدة الخلاف الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وتركيا بسبب احتجاز القس الأميركي أندرو برانسون لمدة عامين تقريبا. وتقول تركيا إن برانسون يرتبط بصلات وثيقة بحزب العمال الكردستاني وحركة غولن. ومع تغير التصورات لدى إدارة أردوغان إزاء التهديدات الماثلة أمامها، اقتربت تركيا الجديدة أكثر وأكثر إلى روسيا برئاسة فلاديمير بوتين الذي يرغب في إبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة في سوريا، والسيطرة على القضية الكردية في المنطقة.

وأصبحت إدارة الشؤون الداخلية والخارجية في أنقرة تستند إلى الحلول قصيرة الأجل. بل والأسوأ من ذلك أن السياسة الدولية التركية صارت غير منطقية بشكل كبير في ظل حكم أردوغان السلطوي. فعلى سبيل المثال، كان رده على الأزمة المالية الحالية هو إعلان "كفاح وطني" ضد العملة الأميركية ودعوة مؤيديه لتلبية نداء الوطن من خلال استبدال دولاراتهم بالليرة.

ويبدو بالفعل أن أردوغان قد فقد الإحساس بالواقع. فرغم كل شيء، كانت الأزمة المالية في عام 2001 هي ما مهدت الطريق أمامه للوصول إلى سدة الحكم، وكان النجاح الاقتصادي هو ما أبقاه في السلطة، والأزمة الاقتصادية الحالية هي ما ستحدد مستقبله مرة أخرى.

وإذا أدت حسابات أردوغان الخاطئة إلى الانهيار الكلي لليرة ووصول التضخم إلى معدلات لا يمكن السيطرة عليها، فإن تركيا 2.0 ستسير على خطى فنزويلا. واستنادا إلى ردود فعله حتى الآن تجاه الأزمة، يبدو من غير المحتمل أن تسهم حزمة إنقاذ مدعومة من الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي في انتشال تركيا من الأزمة الحالية، ولا حتى تركيبة أردوغان السحرية التي تجمع بين القومية التركية القوية والخطاب الإسلامي والعثماني الجديد ستكون قادرة على إنقاذ البلاد من هذا الوضع المتردي. 

وكل هذه المعطيات تؤكد بوضوح أن النسخة المحدثة من تركيا تسير على نفس الدرب الذي سارت عليه فنزويلا قبلها، والوقت المتاح لإنقاذها من الانحدار إلى اقتصاد منكوب ودولة فاشلة يكاد ينفد.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-venezuela/turkey-20-track-follow-path-venezuela
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.