تركيا: بينما القيصر والسلطان يتعاركان.. خرج الفارس القوزاقي منتصرا!

منذ البدايات الأولى للحرب الأهلية السورية في عام 2011، دار جدل بشأن الدول التي يمكن عدها ضمن الفائزين وأي الدول الخاسرة فيها. ومع سقوط إدلب وجزء كبير من محافظة اللاذقية في ربيع عام 2015 في أيدي ميليشيات المعارضة المدعومة من أنقرة، خرجت تكهنات بنصر قريب لحكومة تركية كانت تبدو في موقف يسمح لها بإملاء شروطها على النظام السوري.
بيد أن التدخل الروسي لإنقاذ الرئيس بشار الأسد قلب موازين الأمور على ما يبدو بسقوط حلب التي كانت تحت سيطرة المعارضة في ديسمبر 2016. ومما أثار قلقا بالغا في نفوس الأوكرانيين وحكومات أخرى تتصدى للكرملين أن الكثيرين في الغرب أخذوا يعلنون في الأشهر التالية أن الغلبة والنصر من نصيب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في صراع بدا وقتها قد تحول تماما في غير صالح تركيا.
وبينما تتحول الديناميات في سوريا من كونها تمثل صراعا داخليا بين فصائل مدعومة من دول جارة إلى بؤرة صراع بين قوى عظمى تستخدم وكلاء محليين من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية، صار هناك ميل متأصل بين المحللين إلى فرضية أن المكاسب الروسية تقود تلقائيا إلى خسائر تركية. لكن بينما ظل الصحفيون والساسة يدعون بأن الصراع باتت تقرره "قواعد موسكو"، أثارت الأحداث التي وقعت في الأسابيع القليلة الأخيرة أسئلة مهمة بشأن مدى إحكام الكرملين قبضته في سوريا فعليا. وقد وضعت الغارات الجوية الإسرائيلية على أهداف تسيطر عليها إيران جنوبي سوريا الدبلوماسيين الروس تحت ضغط للوساطة بين خصمين يبدوان في اتجاه المواجهة. بالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء على متعاقدين عسكريين روس في شرقي سوريا من قبل القوات الخاصة الأميركية التي تدافع عن مواقعها في ظروف غامضة تشير إلى تزايد الصعوبات التي تواجهها موسكو في تأكيد وضعها الذي من المفترض أن يكون مهيمنا في المنطقة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الروس صعوبات، أسس الجيش التركي بموافقة موسكو سلسلة من القواعد في أنحاء محافظة إدلب وشن هجوما على ميليشيات وحدات حماية الشعب السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في منطقة عفرين. وفتحت الانتكاسات التي شهدتها قضية القومية الكردية، التي ينظر إليها في أنقرة على أنها تهديد وجودي، الباب أمام احتمال لمنطقة تكون تحت السيطرة التركية يمكن توفير إقامة للنازحين السوريين بها من أجل الحيلولة دون تدفق المزيد من اللاجئين إلى تركيا نفسها. وعلى الرغم من الاضطرابات المستمرة الناتجة عن تطهير المؤسسات في تركيا، تغذي هذه المكاسب التدريجية في سوريا مناخا قوميا متعصبا بين الناخبين الأتراك يساعد الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم على تطويق ما تبقى من المعارضة السياسية في تركيا أكثر فأكثر.
ولا تعني هذه التغيرات السريعة في الأقدار أن تركيا باتت بشكل مفاجئ منتصرة، أو أن روسيا تواجه موجة خسائر دائمة، بل إنها تبين كيف أن البلدين دخلا في صراعات محلية معقدة تتطلب مناورة مستمرة على الأرض من أجل الحفاظ على أي فرص لتحقيق الأهداف الطويلة الأجل. وصارت التدخلات التي بدأت على أمل تحقيق مكاسب سريعة التزامات طويلة الأجل باتت أنقرة وموسكو من خلالها تعتمدان بشكل متزايد على بعضهما البعض. وفي إطار جهودها للحيلولة دون موجة جديدة من اللاجئين أو للقضاء على وحدات حماية الشعب، تحتاج أنقرة إلى المساعدة من روسيا لكف أيدي نظام الأسد والإيرانيين عن تعطيل العمليات العسكرية التركية. وبالنسبة للكرملين، فإن جهود تركيا للسيطرة على الميليشيات في محافظة إدلب وشمالي حلب تساعد في تأمين وضع نظام الأسد في بقية أنحاء سوريا من دون تحتم شن حملة عسكرية في محافظة إدلب ستكون مكلفة وصعبة التنفيذ. في المقابل، إذا لم تحترم موسكو مجال نفوذ أنقرة، فقد تستخدم أجهزة الاستخبارات التركية وكلاءها لإلحاق خسائر في صفوف قوات النظام والقوات الروسية على الأرض. وعلى الناحية الأخرى، قد يؤدي أي تحرك من جانب تركيا لا يحترم مجال الكرملين إلى هجوم شامل من جانب النظام على إدلب ينذر بنزوح موجة أخرى من المهاجرين عبر الحدود إلى المحافظات التركية المجاورة.
وبدلا من المواجهة المفتوحة التي بدت وشيكة عندما أسقطت القوات الجوية التركية طائرة روسية في نوفمبر 2015، تشكَل التفاعل بين تركيا وروسيا بشأن سوريا بفعل ديناميكية من الاعتماد المتبادل تجعل الطرفين من دون خيار سوى احترام كل منهما للخطوط الحمراء التي يرسمها الآخر. من ثم فإن الحديث عن فائز أو خاسر أكيد في هذا المستنقع السوري يمثل عدم فهم للتحديات التي تواجهها روسيا وتركيا في إدارة كل منهما للمناطق الخاضعة لحمايته في سوريا.
بيد أن هناك دولة وحيدة خرجت فائزة لا غبار عليها من المستنقع الروسي التركي في سوريا. فبالنسبة لأوكرانيا، ساعدت الحرب السورية على إتاحة مجال كانت هناك حاجة ملحة إليه لإعادة بناء القدرات العسكرية طالما ظل بوتين مشغولا بمغامرته في بلاد الشام. كما ثبت أن صفقات السلاح التي أبرمها المصنعون الأوكرانيون مع سعي الحكومة التركية لتنويع مورديها العسكريين مفيدة جدا لكييف. هذا النصر الغريب الأطوار يجسده القول الأوكراني المأثور "بينما القيصر والسلطان يتعاركان ويتقاتلان، يميل الفارس القوزاقي إلى الوراء ويدخن غليونه".


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: