تركيا بين الحق في التعبير عن الرأي والاتهام بالتخوين

 

لم يعد مصطلح "تبادل الأفكار" يُستخدم أو يُطبّق بشكل كبير في عالمنا اليوم. 
الجميع يقولون إنهم على حق، ولا يريدون الاستماع إلى آراء الآخرين.
والحقيقة أن هذا أيضاً لم يعد يحدث؛ فلم يعد في إمكان أي شخص، من غير المقربين، أن يتحدث أو يُفصح عن "أفكاره"، أو بمعنى آخر؛ باتت الفئة غير المحظورة هي وحدها التي يُسمح لها بالتحدث والإفصاح عما بداخلها.
كنت أستمع قبل عامين أو ثلاثة على الأقل إلى آراء سياسية مختلفة في أحد البرامج السياسية في التلفزيون التركي، أما الآن فلم يعد هذا متاحاً. كان هناك نوع من الرقابة الذاتية، أما الآن فلم يعد لكلمة "الذاتية" تلك مكان في حياتنا. ولم نعد نرى الجماعة المغضوب عليها تطل برأسها على أي محفل أو برنامج سياسي.
لم نعد نرى سوى وجوها بعينها، تعيد علينا كل يوم ما قالته بالأمس. وعندما يأتي الدور في الحديث على الطرف المقابل لها، فلا تجده يأتي بجديد عما قاله الطرف الأول، وكأنهم قد تعرَّضوا لغسيل دماغ، ولم يعد لديهم ما يدلون به من أفكار تعبر عن رأيهم هم.
أسأل نفسي أحياناً: وماذا عنك، ماذا ستفعل لو أنك كنت في مكان أي من هؤلاء "ماذا كنت ستقول؟"
أعترف أنني وقفت حائراً أمام هذا السؤال، ولم أعرف ما سأقول؛ فلم يعد في ظل المناخ الذي نعيشه اليوم ما يعرف ڊ "تبادل الأفكار"؛ فهم يرسمون الإطار الذي يتعين على أي شخص من الجماعة غير المحظورة التحرك بداخله وألا يتعداه، أما إذا تجاسرت، وأردت أن تخرج عن هذا الإطار، فسوف يعتبرونك شخصاً سيء النية، يُروِّج لأفكارٍ هدَّامة، تضر بمصالح الدولة.
وإذا جازفت أية جماعة تود توجيه النقد للحكومة، والتي يطلق عليها اسم المعارضة، واقتربت من الإطار المحظور؛ كي تُدلي برأي ما من قبيل "إن الدولة لا تكفل الحقوق والحريات بشكل كامل"، فسوف يصطدمون على الفور بحائط منيع، وسيُوَاجَهون بأفكار مقابلة من قبيل "يجب على كل واحد فينا أن يتصدى للأعداء الذين يهددون بقاء الدولة في الداخل والخارج. نحن نخوض، في الوقت الراهن، معركة من أجل البقاء". وعلى الفور ستجد هذه الجماعة "المحظورة بطبيعة الحال" من يعيدها إلى منتصف الدائرة مرة أخرى، وستبرر السلطات هذا التصرف بقولها "إن الطابور الخامس بالداخل يساعد أعداء الوطن بالخارج على هدم الدولة".
وبالطبع فهذا الإطار الفكري لا يعترف بحرية التعبير عن الرأي أو الديمُقراطية أو ما شابه. وتتحول الحقوق الدستورية في مناخ الحرب المزعوم إلى أحاديث جوفاء تُوَلِّد الشك والريبة باتجاه وجود محاولة لإفساد وحدتنا.
بالطبع يريد الأعداء أن يفسدوا وحدتنا، ولكنهم يرون أنه من الصعب التفرقة بين العدو وأصحاب النوايا الطيبة، لذلك يصبح إسكات أي صوت يتحدث هو الخيار الأمثل بالنسبة لهم. وبالتالي يتعين على الجميع أن يُحلقوا داخل السرب، وألا يحيدوا عن الخط المرسوم لهم سلفاً؛ حتى لا يظن أحد من السلطة الحاكمة أنه من الأعداء.
ألم يقل وزير الخارجية التركي قبل ثلاثة أيام "لو قلنا إن الولايات المتحدة هي التي تقف وحدها وراء ما نتعرض له من هجمات، فإننا بهذا نخادع أنفسنا. فهناك من يتربص بنا من الدول الإسلامية والصديقة أيضاً"، و"كنا على قلب رجل واحد في مقابل هذه الهجمات".
ومن الطبيعي ألا يجتمع الحديث عن حرية الرأي والاعتقاد مع الخطب الرنَّانة عن الأعداء في الداخل والخارج وأحاديث الحرب من أجل البقاء؛ فظروف هذه الحرب تقتضي منا أن نلزم الصمت. 
ومع هذا، فلا مانع لو تجاسرنا وسألنا سؤالين فقط :
أ) هل هناك بالفعل شيء اسمه مسألة البقاء والهجمات الداخلية والخارجية الموجهة ضد الوطن؟
ب) هل فكرة هواجس هذا التهديد أمر يخص حزب العدالة والتنمية وحده، أم أنه تحوَّل إلى هوس لدى الشعب بكامله؟
تشير الدراسات، التي أُجريت بهذا الشأن من قبل بعض الجهات المختصة "مثل وقف الدراسات الاجتماعية والاقتصادية بتركيا وجامعة قادر هاس"، إلى أن هاجس وجود تهديد خارجي محدق بالبلاد قد تزايد في السنوات الأخيرة بنسبة تتراوح بين 60-70%، وأن أميركا والاتحاد الأوروبي هما العدو الحقيقي للدولة التركية. ومع هذا، فالحديث عن المؤامرات التي يحيكها الغرب ليس بالأمر الجديد، وإنما يعود إلى فترات سابقة من عمر الدولة التركية.
لذلك ليس من المستغرب أن تتوافق كلمات أردوغان "إن كان لهم الدولار، فلنا الله" مع كلمات الشاعر محمد عاكف عن الغرب في الماضي. ومع تزايد تهديدات القوميين والإسلاميين، خلال هذه الفترة، كثر الحديث بالشكل نفسه عن التهديدات "الإمبريالية" لهذين التيارين: الغرب قوى استعمارية تسعى لتفتيت الدولة.
والواقع أن الحديث عن وجود تهديدات تحدق بالوطن يجد له آذاناً صاغية لدى الكثيرين، وتجد فيه السلطة الحاكمة فرصة لفرض قيود على الحركات الفكرية في المجتمع. وهذا لا يعني أن تركيا ليس لديها أعداء، أو أنها بمعزل عن المخاطر؛ فتركيا، مثل الكثير من دول العالم الأخرى، لها حلفاء وشُرَكاء يمكنها أن تثق بهم، ولها خصوم يحقدون عليها. وهذا أمر نراه بين كل دول البلقان والشرق الأوسط تقريباً. وإن اختلف مصدر التهديد في هذه الدول، فيبقى أن هذا الوضع لا نراه إلا في الدول الديكتاتورية فقط.
كان هتلر، على سبيل المثال، يؤمن بالمؤامرة اليهودية العالمية، في حين اعتبر ستالين أن الإمبريالية العالمية هي مصدر التهديد الحقيقي. أما فرانكو (رئيس وزراء إسبانيا الأسبق) فرأى أن الشيوعية هي مصدر التهديد الحقيقي. ومع اختلاف نظرة هؤلاء الزعماء لمصدر التهديد المحدق بدولهم، كانت هذه الآراء تُفضي جميعها في اتجاه واحد؛ ألا وهو التعدّي على الديمقراطية.
أعتقد أن ترديد فكرة وجود عدو خارجي بهذا الشكل هي دلالة على وجود حالة نفسية يطلق عليها رهاب الأجانب (أو الخوف من الغرباء أو الأجانب). وهي نتيجة لأحكام تأخذ شكل القالب لدى هؤلاء، ولن تؤدي بطبيعة الحال إلى خير.
فالمجتمعات التي تجعل نفسها حبيسة أفكار من هذا القبيل، تحكم على نفسها بمزيد من العزلة عن محيطها الخارجي؛ أي أن الإنسان يرهن حياته مقابل أفكار تحركها أهواء لديه؛ لا تستند إلى دليل فعلي. وبالمنطق نفسه، لو أنكم اعتبرتم العالم كله عدواً لكم، فلن يمر وقت طويل حتى يتحول هذا الوهم إلى حقيقة، ويعتبركم العالم بالفعل أعداء له، وبالتالي يتصرف معكم من هذا المنطلق. ثم يخرج علينا أحدهم في نهاية المطاف ويقول "أرأيتم؟ لقد كنا على صواب، إنهم يناصبونكم العداء"؛ لأن فكرة "الجميع ضدنا" لابد أن تُفضي في النهاية إلى فهم "ونحن ضد الجميع".
والحقيقة أنّ وضعا كهذا لا يحدث إلا نتيجة لعلاقات غذَّتها فترات سابقة، أو لأهواء خاصة لدى السياسيين؛ يسعون للوصول إليها عبر الترويج لفكر كهذا. وأعتقد أن ما نعيشه اليوم في تركيا كان محصلة للعاملين معاً.
ومن ناحية أخرى، لا بد أن يواكب الحديث عن الأعداء والتهديدات حديث آخر عن وضع خطير ينتظر البلاد من قبيل (سيقسِّمون الوطن، سيختلقون الأزمات، سيضربوننا من الخلف، سيروجون للشائعات المضللة...).
أعتقد أن الخروج من هذا المأزق ليس بالأمر الهيِّن؛ لأنه عندما يقتنع الشخص بفكر ما، فإنه يرسخ لديه كما العقيدة تماماً. وخاصة إذا كان وراء هذا الفكر أفكار أخرى تتعلق ببقاء الدولة؛ لأن استخدام كلمات مثل "أما نحن فلنا الله..." تثير عاطفة من شأنها إثارة حماسة الانتماء لدى المواطنين، وبالتالي يصبح من الصعوبة بمكان إيصال المعنى الحقيقي وراء إطلاق هذه الشعارات.
والأدهى من ذلك أنه لا سبيل لتحقيق المساواة القانونية بين المواطنين ما لم تتوقف السلطة الحاكمة عن إطلاق أحاديث التهديد والأعداء والمتواطئين معهم؛ أو بمعنى آخر سيصبح من المستحيل تطبيق مبادئ الديمقراطية بشكل سليم.
فمن المعروف أن مناخ الحرب هو أصعب مناخ يمكن للديمقراطية أن تنمو في كنفه؛ فمن المستحيل اتباع نظام ديمقراطي مع العدو الذي تقاتله، كما أن الناس لا يولون اهتمامهم، في ظل تلك الظروف الطارئة، بموضوعات مثل حقوق الإنسان والاستماع إلى آراء الغير.
وعندما ننظر إلى الأزمة وحالة الاستقطاب التي تعاني منها تركيا اليوم، ندرك أن فكرة الترويج لوجود الأعداء والتهديدات التي تحدق بالوطن لن تُفضي إلا إلى نتيجة واحدة؛ سواء أكانت هذه الأفكار نابعة من حقيقة لها درجة من المصداقية، أم كانت نتيجة لمتلازمة عداء الأجانب التي انتقلت إلينا من فترات سابقة، أم كانت نوعاً من التكتيك السياسي لتعبئة الناخبين.
وطالما استمر الترويج لمثل هذه الأفكار، فلن يكون هناك مجال لوجود سلام مجتمعي أو مجتمع متوافق.
أعتقد أن الخطوة الأولى لترسيخ الديمقراطية لا بدّ أن تبدأ بالتخلص من هذا الخوف، أو إن شئنا قلنا من هذا الخوف المرضي، وإظهار العداء لكل ما هو أجنبي. ولا سبيل أمامنا لفعل هذا دون أن نغير من تفكيرنا، ونقول "نحن لا نواجه تهديدات خطيرة بهذه الدرجة"، ودون أن تعي آذاننا ما يخرج من أفواهنا من كلمات تحضّ على الحقد والبغضاء؛ فلا يمكن أن تُكتب السعادة لأمةٍ يُخوِّن أبناؤها بعضهم البعض.

 

 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/siyaset/turkiyede-fikir-teatisi-ve-dusmanlar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.