علي يورتاغول
مارس 05 2018

تركيا تتلاعب بملفات الحريات الصحفية من اجل المساومة السياسية

صحيفة " die tageszeitung" التي تصدر في ألمانيا، كانت الصحيفة الوحيدة التي أعلنت خبر الافراج عن الصحفي الألماني دينيز يوجيل، بعنوان كبير تصدر صفحتها الرئيسية، كان هو الأجمل. 
وتحت جملة "دينيز يوجيل حر طليق" التي شكلت العنوان الرئيسي، جاء عنوان فرعي آخر قيل فيه "وهؤلاء الصحفيون لازالوا في الحبس"، وتحته كتبت أسماء مئات الصحفيين المعتقلين في تركيا، لاشك ان هذه الأسماء أضافت الى العنوان الذي كتبته الصحيفة، جمالًا ورونقًا.
في ذات اليوم الذي نشرت فيه الصحيفة الألمانية ذلك، كانت هناك محكمة تركية قد اصدرت أحكامًا بالسجن المؤبد بحق 6 صحفيين من بينهم نازلي إليجاك، وأحمد ومحمد آلتان.
لعل الحقيقة الخطيرة التي تكونت لدى الرأي العام الأوروبي، هي أنه لم تعد هناك دولة قانون في تركيا، فالمحاكم التركية لا تصدر قراراتها بشكل حيادي، ولا بموجب إرادتها الحرة. فمن أجل إطلاق سراح شخص، يكفي أن يقول رئيس الدولة أو رئيس الوزراء "أرجو أن يطلق سراح دينيز يوجيل في أسرع وقت ممكن".
الساسة الأتراك أصبحوا الآن يذهبون إلى أوروبا وفي حقائبهم هدايا هي عبارة عن ملفات متعلقة بمواطنين أوروبيين معتقلين في تركيا لدفاعهم عن حقوق الصحفيين وحقوق الإنسان، أي أنهم لا يصطحبون معهم في رحلاتهم الحالية إلى القارة العجوز، نماذج من فنون عثمانية كما كان حالهم قبل عدة سنوات. 
لا شك أن المؤسسات القضائية في تركيا التي تتلقى أوامر إطلاق سراح المعتقلين من جهات عليا عملًا بعبارة "نأمل في إطلاق سراحهم"، لا تتأخر في إعداد حزمة الهدايا التي يحملها الساسة معهم. اما تعاملهم  مع أبناء جلدتهم من المواطنين الاتراك فأنهم ينزلون بهم أقصى العقوبات الممكنة، ومن حسن الحظ أنه لا توجد عقوبة إعدام.
تتحدث الصحافة الألمانية عما قدمته ألمانيا لتركيا من أجل الافراج عن مواطنها الصحفي يوجيل الذي كان معتقلا في  السجون التركية. 
وزير الخارجية الألماني، سيغمار غابرييل نجح في استغلال خبر الافراج عن يوجيل كأداة لمستقبله السياسي، الأمر الذي يجعل الشكوك تتزايد حوله.
لكن السؤال المطروح بقوة لدى الرأي العام حول هذه التطورات، هو: هل من الممكن أن يكون الوزير غابرييل قد قدم وعودًا لأنقرة ذهبت إلى مسافة ابعد ، وتجاوزت صلاحياته ؟
 لأن الوزير شارك مع الصحافة معلومات تفيد أنه التقى مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمرتين سرًا، وكأنه يريد أن يثبت ويدلل للرأي العام أن الصحفي دينيز يوجيل نال حريته بفضل جهوده ومساعيه هو.
تجدر الإشارة أن الوزير الألماني، بعد اللقاء الذي عقده مع أردوغان بروما أثناء زيارة الأخير للفاتيكان، اضطر للذهاب إلى إسطنبول سرًا من أجل مناقشة موضوع الصحفي يوجيل مجددًا مع المسؤولين الأتراك.
نحن لا نعرف بالضبط ما تمت مناقشته والاتفاق عليه في روما وإسطنبول، بخلاف مسألة الافراج عن يوجيل. فكما تعلمون الطرفان يشكوان من وصول العلاقات الدبلوماسية بينهما لدرجة أشبه بالقطيعة كما هو الحال مع هولندا، لا سيما أن العلاقات الثنائية بين الجانبين تسوء بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة.
من المحتمل بشكل كبير أن أردوغان قال إن أوروبا ظلمته بشكل كبير، وأنه تعرض لغبن في هذا الشأن، وذلك مثلما قيل للرأي العام. 
لكن من الطبيعي أن تتضمن هذه النوعية من اللقاءات رفيعة المستوى والهامة، موضوعات أخرى راهنة مثل عفرين وغيرها.
أرجو ألا تفهموا من هذه السطور أن الألمان لم يقدموا شيئًا مطلقًا مقابل الافراج عن يوجيل. لا شك انه طلب شيئا ما، وتطورت المفاوضات حتى توصل الطرفان لاتفاق متبادل في الرؤى بهذا الصدد. وإلا فما كان بمقدور دينيز يوجيل أن يلملم نفسه، ويطير إلى المانيا دون أن يجمع أغراضه المنزلية.

غير معلوم بالضبط ما تمت مناقشته والاتفاق عليه في روما وإسطنبول في مسألة الافراج عن يوجيل
غير معلوم بالضبط ما تمت مناقشته والاتفاق عليه في روما وإسطنبول في مسألة الافراج عن يوجيل

وبالنسبة لسؤال "يا ترى ماذا قدم الألمان ؟"، غفد سربت مؤخرًا صور لوزير الخارجية سيغمار غابرييل وهو يقدم الشاي لنظيره التركي مولود جاويش أوغلو الذي دأب على فهم كل ما يقال في الصحافة الألمانية، بحسب ما يريد هو.
 وصل الأمر لدرجة قول "انظروا ماذا يفعل الوزير غابرييل من أجل إطلاق سارح دنييز يوجيل". لكن وزير الخارجية الألماني، قبل عدة أسابيع كان قد قال إنه في حال إطلاق سراح يوجيل، فإن تجارة السلاح بين البلدين من الممكن أن تعود ثانية، وهي التصريحات التي لاقى عليها انتقادات.
وبعد التصريح الذي أدلى به الصحفي يوجيل، والذي أكد فيه أنه لا يرغب في أن يكون أداة في هذا النوع من التجارة القذرة، أدرك الوزير غابرييل الخطأ الذي أرتكبه، ومنذ ذلك الحين لم يدلِ بمثل هذه التصريحات ثانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل من الممكن أن تطرح مثل هذه الموضوعات خلف الأبواب المغلقة ؟ نعم من الممكن. 
من الوارد أن يكون الألمان قد بعثوا برسالة حول هذين الموضوعين لأردوغان وفريقه، خلال لقاءات غابرييل، وخلال لقاء المستشارة أنغيلا ميركل، ورئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم. فمن الممكن أن تكون هذه الموضوعات وسيلة لقطع مسافة في العلاقات السياسية، وإعادة تأسيس الحوار الذي انقطع، وإحراز تقدم من جديد على مسار العلاقات الاقتصادية. 
وهذا مهم من أجل أنقرة، وأردوغان الذي يعتبر إعادة انتخابه أمرًا بالغ الأهمية. فكما تعلمون فإن برلين اتخذت سلسة من القرارات التي ضربت قطاع السياحة التركي، بعد اتهام أردوغان وجاويش أوغلو لبرلين بالنازية، والاستهزاء بميركل من خلال رسمها بشنب لهتلر.
اقتصرت قرارات برلين على ما يتعلق بالقطاع السياحي فقط، لكنها لم تدرج تركيا على قائمة "الدول المحظور السفر إليها"، ولم تعلق ضمانات الدولة التي تعتبر وسلة هامة للغاية من أجل فرض أية عقوبات اقتصادية خارجية، لم تفعل برلين ذلك، واكتفت بإرسال رسالة مفادها "يمكننا اتخاذ خطوات كهذه".
وكانت تجارة السلاح قد توقفت، وعلقت كافة المشاريع التي كان مخططًا لها في هذا القطاع. وكانت برلين منزعجة من كافة هذه التطورات التي ترى أنها غير مسؤولة عنها.  بل وكانت تبحث عن طرق للحوار السياسي، ودافعها في ذلك ليس المسار الذي آلت إليه العلاقات الاقتصادية، وإنما دخول تركيا في مدار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. 
وإذا كانت النظرة الانتقادية لأردوغان وسياسته مهمة في هذا الإطار، فإن برلين عاشت وشاهدت حقيقة أردوغان، ووضعه السياسي، ونهاية حكومة رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وعرفت كذلك من أين تمر قنوات الحوار مع أنقرة. بل وكانت ترى أن واقعة مثل واقعة دينيز يوجيل مرت من فوق طاولة أردوغان، وأن الحديث عن محاكم، ودولة قانون، ما هو إلا مجرد كلام ليس أكثر.
وليس محيرًا تخصيص رئيس الجمهورية أردوغان وقتًا لكافة هذه التفاصيل. والحالة الاقتصادية ليست مشجعة. فالقطاع السياحي في آخر عامين كان هو الأسوأ في تاريخ البلاد. وإذا استمر هذا الأمر لعام آخر فإن هذا يعني إفلاس آلاف الشركات، فيجب عليه أن يدرك ذلك، ويدرك أن البلاد لم تفز بأصدقاء من خلال سياسة الإجبار، وأنها دفعت فاتورة كبيرة جراء ذلك. 
أما بالنسبة لسؤال "هل هذا التصرف ناجح في العلاقات مع ألمانيا وأوروبا؟ فأنا لست متأكدًا من ذلك، لكن ما لا يساورني فيه أي شك، هو أنه سيكون مفيدًا في مسألة الحوار السياسي.
أوروبا تراقب الأوضاع في تركيا عن كثب، وترى أنه لم يعد هناك أثر لدولة القانون، وأن الحديث عن شيء مثل حرية الصحافة بات أمرًا غير ممكن. القارة العجوز ترى ذلك، وتدركه جيدًا. فتركيا ليست روسيا. فـ50 في المائة وأكثر من تجارتها الخارجية مع الاتحاد الأوروبي، و90 في المائة من استثماراتها الخارجية مع أوروبا. وليس من الخطأ التفكير في أن هذه الحقيقة الاقتصادية مسؤولية سياسية.

لقراءة الموضوع باللغة التركية على هذا الرابط