تركيا تدفع فاتورة الحرب على عفرين: حظر غير معلن على شركة أسلسان للصناعات الدفاعية

 

بدأت التداعيات الاقتصادية للإصرار التركي على مواصلة الهجوم على عفرين السورية تطل برأسها بسرعة. وكانت شركة أسلسان للصناعات الدفاعية والالكترونية أول من دفع فاتورة هذه الحرب.
اضطرت شركة الصناعات الدفاعية والالكترونية (أسلسان) إلى وقف طرح أسهمها إلى مستثمرين أجانب. الجدير بالذكر أن شركة أسلسان من أكبر المساهمين مجال في الصناعات الدفاعية التركية بمعدل 1.7 مليار دولار سنويًا، كما أنها تحتل المرتبة 58 بين أكبر مائة شركة تعمل في مجال الصناعات الدفاعية حول العالم. وقد أعلنت الشركة، وفق بيان صادر عن سوق الأوراق المالية بإسطنبول، أنها أوقفت طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام للمرة الثانية، وجاء في بيان الشركة:
"لم نتلق عرضًا مناسبًا بشأن اختيار شركة للقيام بالوساطة المالية من أجل تنفيذ عملية طرح الأسهم للاكتتاب العام للمرة الثانية. وسوف نواليكم بنشرات دورية للإعلان عن ما يستجد بشأن تقييم مجلس إدارة الشركة بخصوص إعادة طرح مناقصة لشركات الوساطة المالية."
وكانت شركة أسلسان قد صرَّحت في بيان لها صدر بتاريخ 27 ديسمبر 2017، أنها فوَّضت الادارة العامة بالشركة في بدء الإجراءات الخاصة بإعادة طرح الأسهم. وتداولت الأخبار التي تناولت الشأن نفسه نبأ إرسال خطاب العرض إلى 18 شركة منها 9 أجنبية لتولي مناقصة طرح الأسهم للاكتتاب العام على الجمهور. 
يُدرك المتخصصون حجم المشكلة التي تواجهها شركة أسلسان عند التدقيق في التصريحات الصادرة عن الشركة ، والتي لم تتناول أية تفاصيل في هذا الخصوص. يتحدث أحد مسئولي هيئة سوق الأوراق المالية (SPK) السابقين تعليقاً على ذلك، ويقول:
'جرت العادة أن يجري إعادة طرح الأسهم للاكتتاب العام بنظام 'شراء القيمة المتبقية' وهو نفس الاسلوب الذي ستتبعه شركة أسلسان. يقضي هذا النظام بأن تقوم شركات الوساطة المالية بسداد قيمة الأسهم كاملة  دون نقصان سواء تم بيعها بالكامل أم لا. وبذلك تحقق الخزانة سندات اليورو التي أصدرتها. فيقومون في البداية باختيار من سيتولى عملية طرح الأسهم. ثم يعطون الإذن لبدء عملية البيع التي ستتم على أية حال. وبقدر معرفتي في هذا الخصوص، فقد أعرضت شركات الوساطة المالية عن الإقدام على مجازفة كتلك.'
توجّه موقع (أحوال تركية) بسؤاله لنفس المسئول على النحو 'أعلنت شركة أسلسان عن إعادة طرح الاسهم للاكتتاب العام في 27 ديسمبر. وحسب فهمنا لطبيعة نظام الاكتتاب الذي تفضلتم به، أنه ثمة اتفاق وُقِّع بين الشركة من جهة، وشركات الوساطة المالية من جهة أخرى، السؤال هنا، هل يمكننا في ظل هذه المعطيات الخروج بنتيجة مفادها أن هذا الاتفاق صار في حُكم المنتهي؟'.
وجاءت إجابته على النحو التالي:
'هذا صحيح. فمن الطبيعي أن تتأثر أسواق المال من أي تغير فُجائي. وبالطبع لم تكن العملية التي تنفذها تركيا في عفرين السورية على طاولة المفاوضات حينذاك. أما الآن فقد صارت أمراً واقعًا. علاوة على هذا، فشركة أسلسان تتعاون في عملها هذا مع عدد كبير من شركات الأسلحة الأجنبية الأخرى. وقد تجد هذه الشركات من الصعوبة بمكان الدخول في شراكة معها خاصة بعد ما اُثير من ردود أفعال سلبية أحدثتها العملية العسكرية في عفرين. وليس ما قامت به الحكومة الألمانية ببعيد، عندما قامت بتعليق برنامج تطوير الدبابة الليوبارد التي تستخدمها تركيا، وكان تدخُّل تركيا عسكرياً في عفرين السورية السبب من وراء ذلك. وهذا يعني ضياع صفقة من شركة أسلسان كذلك، لأنها كانت شريكا في هذا المشروع.'
وعندما سألنا المسؤول نفسه 'حسنًا، هل تقصد عفرين وحدها؟ وماذا اذاً عن شراء نظام إس-400، هل كان هو الآخر أحد العوامل التي أثرت سلباً في هذا الاتجاه؟' جاءت إجابته على هذا النحو:
'مما لا شك فيه أن هذا الموضوع قد يترك تأثيره السلبي كذلك. إلا أن الحديث حول موضوع إس-400 كان انتهى بالفعل قبل طرح الأسهم للاكتتاب. ولو كان له هذا القدر من التأثير لما استطاعت الشركة الإقدام على هذا الأمر من الأساس. لأن هذه التطورات تركت في النهاية تأثيرها السلبي على الشركة، والسوق التركي معاً.' 
والواقع أن المؤثر السياسي الذي حدَّثنا عنه مسئول هيئة سوق الأوراق المالية كان ولا يزال واحدا من النماذج السلبية التي تعرضت لها شركة أسلسان في الماضي؛ فقد واجهت الشركة في عام 2013 وضعًأ مماثلًا عندما قررت بيع 15 بالمئة من أسهمها بطرحها للاكتتاب العام.
طلبت الشركة في شهر أغسطس من عام  2013 من شركات الوساطة المالية المُختصة القيام بالشيء نفسه، وقامت في هذا الاطار بتوجيه الدعوة إلى 12 شركة محلية، و9 شركات أجنبية. وفاز في ذلك الوقت اتحاد مجموعة خلق للاستثمار- ميريل لينش. وبحلول شهر ديسمبر، صدر بيان عن شركة ميريل لينش أوضحت فيه أنها اُضطرت إلى رفض القيام بالوساطة المالية في طرح هذه الاسهم، وكان مبررها من وراء هذا الرفض أن تركيا اختارت واحدةً من الشركات الصينية للعمل في إطار برنامج الصواريخ طويلة المدى، وأن هذه الشركة كانت واحدة من الشركات التي أدرجتها الولايات المتحدة الأميركية على "القائمة السوداء" في اطار مكافحة الارهاب، والأموال القذرة.
وفي رد منها على بيان شركة ميريل لينش، أعلنت شركة أسلسان أنها ستمنح حق الوساطة المالية إلى شركة جولدمان الأميركية التي تكوِّن اتحادا ماليا مع شركة جرانتي للاستثمار.
وبعد فترة قصيرة من انسحاب ميريل لينش علمنا برفض بنك جولدمان ساكس الأميركي، وبنك باركليز الإنجليزي القيام بالوساطة المالية من أجل شركة أسلسان  وأرجعوا سبب رفضهما إلى نفس المبررات السابقة.
ومع هذه التطورات اضطرت الشركة إلى إيقاف طرح الأسهم في عام 2013. وبعد أعوام قليلة على هذه الواقعة عاودت شركة أسلسان في ديسمبر من عام 2017 الإعلان عن نيتها تنفيذ الأمر نفسه، ووجهت الدعوة هذه المرة، وفق ما أفادت به وكالة أنباء بلومبرج، إلى تسع مؤسسات محلية بالإضافة إلى تسعة بنوك أجنبية أخرى كوَّنت شراكة فيما بينها وهي: بوف- إيه. إم. إل، ودويتشه بنك، وكريدي سويس، وسيتي جروب، ومورجان ستانلي، وجيه. بي. مورجان. وعلى الرغم من أن هذا الأمر لم يمر عليه شهر واحد إلا أن الرد جاء برفض الوساطة المالية لشركة أسلسان.
والنتيجة أن شركة بحجم شركة أسلسان، بوصفها واحدة من أكبر الشركات في تركيا بقيمتها السوقية التي تعادل 8.8 مليار دولار، راحت للمرة الثانية ضحية لسياسة تركيا الخارجية بعد أن عجزت عن تدبير الأموال اللازمة للدخول في استثمارات جديدة. وبمعنى آخر تعرضَّت أكبر شركة صناعية في تركيا كلها لحظر مالي غير مُعلن.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: