تركيا: تزايد الضغوط الاقتصادية على ميزان المعاملات الجارية

كما جرت العادة، تظل الأجندة التركية مليئة بالأخبار السياسية والاقتصادية.
فيبدو أن قانون الانتخابات الجديد الكارثي، الذي وُضع فقط لتمكين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على حساب الديمقراطية، مُهيأ لإحداث احتجاج ضخم في صناديق الاقتراع العام المقبل.
في الوقت ذاته، يمثل دخول الجيش التركي لمدينة عفرين الواقعة شمال غربي سوريا علامة أخرى فارقة في مساعي الحكومة ضد تأسيس دولة كردية تتمتع بالحكم الذاتي في شمال سوريا.
وجاءت الأنباء عن أن الولايات المتحدة وتركيا توصلتا إلى اتفاق بشأن منطقة منبج السورية المحاذية لعفرين - حيث يتمركز المئات من القوات الأميركية -فقط في الوقت الذي أقال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهندس الاتفاق وزير خارجيته ريكس تيلرسون. وأيا ما كان الاتفاق الذي برمه تيلرسون وأردوغان خلال الاجتماعات التي عقدت الشهر الماضي فإنه يبدو أن الزمن قد تجاوزه الآن، وهو الأمر الذي يجعل مستقبل العملية العسكرية التركية في سوريا برمتها أكثر ضبابية.
وعلى الرغم من حالة الغموض التي تكتنف المشهد السياسي في تركيا هذه الأيام، فإن الأنباء على الجانب الاقتصادي أكثر وضوحا.
فقد خفضت وكالة موديز تصنيفها للديون التركية ليصبح على بعد دركتين دون الدرجة المشجعة على الاستثمار. وأعلنت الحكومة أن ميزان المعاملات الجارية لشهر يناير سجل عجزا بلغ 7.1 مليار دولار، وهي وتيرة مشابهة للعجز المسجل في ديسمبر. ويبدو هذا الإعلان كما لو كان يبرر قرار موديز.
قاد هذا الرقم السيء المسجل في يناير عجز 12 شهرا إلى بلوغ 51.6 مليار دولار مقارنة مع 47.2 مليار في ديسمبر. وبينما تواصل واردات الذهب المربكة قيادتها لزيادة العجز في ميزان المعاملات الجارية التركي، يظل الميزان الأساسي - الذي يعرف بأنه ميزان المعاملات الجارية بالكامل مخصوم منه الطاقة والذهب - يتدهور بشكل واضح. ووفقا لهذا المعيار، يبلغ عجز 12 شهرا حاليا 6 مليارات دولار في يناير مقارنة مع 4.3 مليار في الشهر السابق.
لكن بالطبع يظل الموضوع الرئيسي هو الشق المتعلق بالتمويل. من الناحية الأشمل، حقق الحساب المالي تدفقا قويا بلغ 12.7 مليار دولار بينما بلغ إجمالي صافي السهو والخطأ 1.2 مليار دولار بالسالب. وفي المجمل، حققت التدفقات عبر الحساب المالي زيادة في الاحتياطي لدى البنك المركزي بلغت 4.4 مليار دولار.

الحساب المالي – الإصدار السادس لكتيب ميزان المدفوعات (BPM6) (بالمليون دولار)
الحساب المالي – الإصدار السادس لكتيب ميزان المدفوعات (BPM6) (بالمليون دولار)

ولا يعد اتساع العجز في ميزان المعاملات الجارية التركي خبرا بطبيعة الحال، فقد كررت مرارا في مقالاتي السابقة أن المزيد من التدهور ما زال في الطريق. فمع ترقبها لانتخابات العام المقبل، تضغط الحكومة من أجل تحقيق نمو بأي ثمن. لكن الخبر بحق هو ما يتعلق بشق تمويل ذلك العجز.
جرى تمويل الجزء الأكبر من العجز في ميزان المعاملات الجارية البالغ 7.1 مليار دولار عبر محفظة استثمارات، فقد تدفق نحو 4.9 مليار دولار إلى البلاد خلال يناير. كما كان من بين ما ساعد في تغطية العجز إصدار حكومي لسندات دولية بملياري دولار واقتراض القطاع المصرفي 1.2 مليار دولار في الوقت الذي بلغ فيه صافي اقتراض قطاع الشركات 1.1 مليار دولار.
لكن التطور الأبرز كان تراجع حجم ما لدى البنوك من عملات وودائع في نطاق البنوك النظيرة في الخارج بما يصل إلى 2.6 مليار دولار. وإذا صارت تلك الأرقام اتجاها، فسيكون معنى هذا المزيد من الضغوط على القطاع المصرفي، فضلا عن أن النزوح سيضع المزيد من القيود على نمو القروض في تركيا، والذي يتباطأ بالفعل حيث قلصت البنوك غير الحكومية حجم الإقراض. وسيكون هناك المزيد من الزخم لإغراء الحكومة بدفع البنوك العامة صوب زيادة إقراضها للقطاع العقاري التركي بأسعار فائدة مخفضة.
وكما صار الاتجاه، تراجع حجم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من جديد. وبلغ حجم التدفقات الشهرية 0.3 مليار دولار فقط في حين وصل الحجم الإجمالي لاثني عشر شهرا إلى ثمانية مليارات دولار. وبينما زاد حجم العجز في ميزان المعاملات الجارية على أساس تصاعدي بنحو 4.5 مليار دولار في شهر واحد، ما زالت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عند ثمانية مليارات دولار وباتت تمول الآن 15 بالمئة فقط من العجز.

ميزان المعاملات الجارية (12 شهرا بالمليون دولار)
ميزان المعاملات الجارية (12 شهرا بالمليون دولار)
بنود مختارة (12 شهرا بالمليار دولار)
بنود مختارة (12 شهرا بالمليار دولار)

وفي ملاحظة مثيرة، أوضح وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية - وهو مركز أبحاث يتمتع بمصداقية كبيرة في تركيا - كيف أن نزوح الاستثمارات الأجنبية المباشرة ازداد زخما مقارنة مع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى تركيا.

وزاد معدل نزوح الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى تدفقها ليسجل 25 بالمئة في الفترة من 2008 إلى 2018 مقارنة مع 15.7 بالمئة في الفترة من 2002 إلى 2007.

كما أشار وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية إلى أن متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي التركي الذي بلغ 7.1 بالمئة خلال الفترة من عام 2002 إلى عام 2007 بفضل عدة عوامل كان أبرزها آفاق الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي،  انخفض إلى 4.8 بالمئة خلال الفترة بين عامي 2008 و2018.

في الوقت ذاته، زاد معامل تقلب النمو إلى 4.4 من 1.7. وتظهر مثل هذه الأرقام بدون شك كيف أن المستثمرين في تركيا صاروا قلقين بشأن التغيرات على الساحتين السياسية والاقتصادية. ومن ثم فإن تلك النسبة التي بلغت 26 بالمئة في يناير تسترعي المتابعة خلال الأشهر القادمة إذ قد تكون مؤشرا مفيدا على الضغوط الاقتصادية والسياسية في الداخل.

نزوح الاستثمارات الأجنبية المباشرة مقارنة مع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا (المصدر: وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية)
نزوح الاستثمارات الأجنبية المباشرة مقارنة مع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا (المصدر: وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية)

ومن شأن زيادة العجز في ميزان المعاملات الجارية - والذي يتجه صوب بلوغ مستوى 5.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام - إلى جانب المتغيرات السريعة على الساحة الدولية، خلق مخاطر على تركيا.

وبطبيعة الحال فإن مزيج ارتفاع العجز في ميزان المعاملات الجارية وتوقعات تراجع التمويل الرخيص - إذ من المتوقع أن يؤدي رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) إلى تقلص التدفقات المتجهة إلى الأسواق الناشئة - يحتاج إلى إدارة حكيمة للاقتصاد الكلي.

لكن طالما أن استطلاعات الرأي ما زالت تظهر أن أردوغان يواجه خطر خسارة الانتخابات الرئاسية العام المقبل، يبدو أن الحكومة ستظل تضغط من أجل المزيد من النمو الاقتصادي مقابل أي ثمن وعلى حساب أي شيء.
وفي واقع الأمر، فإن الحكومة باتت على وشك إعلان برامج تحفيز جديدة لدعم النمو بدلا من محاولة ترويض الطلب المحلي لكبح التضخم - الذي صار الآن في خانة العشرات - والعجز المتنامي في ميزان المعاملات الجارية.

ووفقا لصحيفة صباح اليومية فإن الحكومة على وشك طرح برنامج في نهاية شهر مارس بقيمة تتجاوز 100 مليار ليرة (26 مليار دولار) يشمل 22 مشروعا في أنحاء تركيا. وسينصب التركيز على الطاقة والبتروكيماويات والصحة والتعدين والزراعة والتكنولوجيا والاتصالات.

وتدعو الخطة إلى تخفيضات ضريبية وإعفاءات متنوعة مثل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية فضلا عن دعم الأقساط التأمينية لمدد تصل إلى عشر سنوات ودعم أسعار الفائدة لما يصل إلى عشر سنوات أيضا فيما يتعلق بالقروض الاستثمارية بالإضافة إلى إتاحة استخدام أراض مجانا لما يصل إلى 49 عاما في حالة الاستثمارات الجديدة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الحديث عن إجراء انتخابات مبكرة لا يبدو أبدا يفقد زخمه في الصحافة التركية. وقد يكون من الأفضل أن تُجري الحكومة انتخابات مبكرة لكي تقلل الضغوط على مؤشرات الاقتصاد الكلي الناتجة عن تركيزها على تحقيق نمو اقتصادي مرتفع.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: