تركيا.. تزايد حالات الانتحار بين ضحايا قوانين الطوارئ والمراسيم بقانون

 

كانت في نيتي اليوم أن أكتب في موضوع مختلف؛ لكنني في اللحظات الأخيرة عدلت عن فكرتي بسبب خبر قرأته عن انتحار أحدهم بسبب قانون الطوارئ، والمراسيم بقانون التي كان ظهورها متزامنًا مع ذلك القانون. ومن ثم بتّ مضطرًا للكتابة ثانية عن كوارث ذلك القانون وتلك المراسيم. فخلال الـ15 يومًا الأخيرة وقعت ثلاث حالات انتحار بسبب المراسيم بقانون. فكما تعلمون حياة البشر أهم من أي شيء على ظهر هذه البسيطة، ومن ثم فإن الانتحار، وقتل الإنسان لنفسه، أهم من أي تطورات سياسية.
والحقيقة أن الإصرار على الطرح والتناول المستمر لكل ما له علاقة بتداعيات حالة الطوارئ، والمراسيم بقانون، أمر يعتبر بمثابة مسؤولية اجتماعية، لا سيما في ظل تلك الأجواء التي تشهد ما تشهده من قيام السلطات التي تدير البلاد بتهيئة المناخ العام لحدوث مزيد من حالات الانتحار بسبب تفضيلها لقانون الطوارئ. والانتحار في تعريف بسيط، هو حالة يأس من الحياة، وخيار مفزع تقشعر له الأبدان، يلجأ إليه الإنسان ليحتج ببدنه ضدد الظلم الذي يتعرض له في مجتمعه.
فياليتني ما عاودت الكتابة ثانية عن هذه الأمور، لما في ذلك من إعادة تفكير الناس بآلامهم، لكننا مضطرين لذلك، لأننا لم نألف دفن رؤسنا في الرمال كما هو حال النعام، ولأنه من الصعب علينا بأي حال من الأحوال أن نقف غير عابئين مهتمين شاعرين بما يدور حولنا من مآسي وحقائق مروعة.
سبق وأن رسمنا من خلال "منصة الحق والعدالة" الكابوس المفزع الذي يعيشه مئات الآلاف من ضحايا المراسيم بقانون، وأقاربهم، وسلطنا الضوء عليها من خلال استطلاع ودراسة أجريناهما حول ذلك ضمن أنشطة المنصة المذكورة. النتائج التي توصلت إليها الدراسة التي تعتبر الأكبر بشأن هؤلاء الضحايا، لا شك أصابتنا بدهشة وحيرة كبيرتين، فناشدنا على إثر ذلك المسؤولين مؤكدين لهم أن استمرار قانون الطوارئ بهذا الشكل أمر غير ممكن، ويتعين إلغاؤه على الفور.
فعلنا ما فعلنا، وقلنا ما قلنا لأن الجميع يعلم بشكل واضح أن للمراسيم بقانون تبعات وتداعيات على حياة من تتعلق بهم بشكل مباشر، فهؤلاء يتعرضون لأزمات اقتصادية بنسب عالية، فضلا عن الانهيارات النفسية، والإقصاءات الاجتماعية، والأهم من هذا وذاك هو أفكار الانتحار التي تراود من يقع على عاتقهم الضرر المباشر من تلك التجاوزات المتمثلة في المراسيم المذكورة وحالة الطوارئ السارية في البلاد.
ومن هذه المسؤولية، أريد التأكيد على أن 16 في المئة ممن تأثروا بالمراسيم بقانون، راودتهم فكرة الانتحار، وهذه نسبة كبيرة وتدعو للقلق بشكل كبير. لكن الأسوأ أن تحذيراتنا في هذا الصدد لم تؤخذ بعين الاعتبار، ما نتج عنه زيادة معدلات الانتحار في صفوف هؤلاء بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة.
وكان بطل أول حالة انتحار من بين هؤلاء، شخص من ولاية "فتحية" غربي تركيا، وهو "محمد قوشار" مدرس الحاسب الآلي، ذلك الشخص المصاب بمرض الفصام أو "الشيزوفرنيا"، والذي كان معلمًا ناجحًا للغاية، يكن كل الاحترام للمحيطين به، ومعلم محبوب من قبل تلاميذه. لكنه أُصيب بدهشة كبيرة عندما تم فصله من عمله بموجب المرسوم بقانون رقم 672. لا سيما أنه كان متمسكًا بالحياة رغم مرضه بفضل دعم أهله وأصدقائه له، ومن ثم كانت لحالته الصحية أثر كبير في الدهشة التي لحقت به بسبب القرار المذكور الذي أبعده عن عمله رغمًا عنه.
ولم يقتصر الأمر على مجرد فصل من العمل فحسب، بل تم اعتقاله ثلاثة أشهر في السجون، وهذه كانت بداية الانهيار الذي ألم به. وها هو شقيقه "فريدون" المدرس أيضًا، يتحدث عن أخيه وعن المرسوم بقانون الذي نتحدث عنه:

"كان أخي مدرسًا ذكيًا جدًا، وناجحًا، ومحبوبًا، وكان بالنسبة لعائلته زوجًا وأبًا حنونًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. لكن حينما تم اعتقاله ساءت حالته بشكل كبير لدرجة أنني لم أعد أعرفه، كان جسمه يضعف كل يوم بعد اعتقاله، بل ووصل الأمر لدرجة رفضه تناول العلاج ما زاد من سوء حالته الصحية.
عدة مرات قلت للمسؤولين إنه مريض ولا يصح اعتقاله، وحالته الصحية ستسوء في ظل  ظروف السجن، فظنوا أنني أتحايل عليهم لإطلاق سراحه. وفيما بعد حاول أخي شنق نفسه في محبسه، لكنه لم ينجح في ذلك. وذات مرة ذبح نفسه، فتم نقله للعناية المركزة، وبدأ يتغذى من خلال أنبوب موصول بمعدته، وأيضًا كانت عناصر الدرك تقف أمام غرفته لحراسته، بالله عليكم إنسان بهذه الحالة إلى أين يمكنه الهرب؟.
وفي نهاية المطاف تم إطلاق سراحه، مع استمرار نظر قضيته أمام المحاكم. ولما خرج كانت حالته الصحية قد ساءت بنسبة 70 في المئة مقارنة بحالته قبل السجن. لقد كان أخي متدينًا للغاية، يتمتع بالرحمة والشفقة، ولو طلبوا مني ترشيح أحدهم لدخول الجنة لأشرت لأخي بالبنان فهو لها.
وبعد إطلاق سراحه كانت حالته سيئة للغاية، إذ خسر ما يتراوح بين 30 و35 كيلو غرامًا. ولم يستطع أن يتخلص من الدوامة التي وجد نفسه فيها، وحينها لازمته ولم أفارقه. لكن في غفلة مني تحين الفرصة، وأقدم على الانتحار. 
وفي رسالة تركها لنا ذكر أنه يعلم جيدًا أن انتحاره سبب المتاعب والحزن لنا. قلنا لأطفاله إنه مات نتيجة أزمة قلبية. الجميع كانوا يعلمون أنه معلم جيد يتمتع بقلب مرهف الحس. لذلك كان جميع مواطني ولاية فتحية في جنازته لتشييعه إلى مثواه الأخير".

 

الشقيق فريدون، كان مستاءً للغاية ممن أخذوا يبحثون عن الحكم الديني لعملية الانتحار. فمع الأسف المشاعر الدينية قد لا تشكل أية عائق أمام من يعيشون أزمات نفسية كما هو الحال في انتحار "محمد قوشار".
لكني قلت لشقيقه فريدون، إنني لا أعتقد أن شخصًا كهذا ضاقت به الظروف بهذه الشكل الذي رأيناه، تقع عليه أية مسؤولية دينية في عملية الانتحار. وذلك لأن هناك معرفة جيدة للغاية من قبل رجال الطب بهذه الحالة التي يمر بها أشخاص زادت أمراضهم بسبب صدمات نفسية بعد أن وضعوا في ظروف قاسية، الأطباء يعرفونها جيدًا، ومرت عليهم الكثير من الحالات على نفس الشاكلة.

 

حالة الانتحار الثانية التي وقعت خلال الـ15 يومًا الأخيرة، بطلها من ولاية قهرمان مرعش، وهو ضابط الصف، "علي ب." الذي أخرج من الخدمة بموجب مرسوم بقانون صدر بحقه من قبل، ما دفعه للانتحار من خلال شنق نفسه بحبل في سقف منزله الكائن في حي "غيبرلي" ببلدة "أون إيكي شباط" بالولاية المذكورة.
وبحسب ما قيل من معلومات فإن "علي ب"  كان ضابط صف في مكتب مساعد قائد اللواء الثاني مدرع بمدينة إصلاحية على الحدود السورية، ولقد استبعد من منصبه في شهر نوفمبر من العام الماضي بسبب التحقيقات الجارية بشأن صلات عناصر بأجهزة الدولة المختلفة بجماعة "فتح الله غولن" التي تتهمها الحكومة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية التي شهدتها البلاد في شهر يوليو 2016. وعلى إثر ذلك، ومساء ذات يوم من الأيام استغل "علي ب" عدم وجود أحد بالمنزل وانتحر بشنق نفسه في حبل علقه بسقف البيت.

 

 
أما الواقعة الثالثة فبطلتها سيدة متزوجة من شخص كان ضحية مرسوم بقانون، وهي السيدة عدالت بتول جاغدر، زوجة قاضٍ سابق فصل من عمله بموجب أحد المراسيم المذكورة. ألقت بنفسها يوم الثلاثاء الماضي، من شقتها الكائنة بالطابق التاسع في منطقة "بشاق شهر" بمدينة إسطنبول، بعد دخولها في حالة اكتئاب؛ وذلك لأنها عجزت عن تقفي أثر زوجها القاضي السابق الذي هرب بعد فصله من عمله، وتكررت مرات اعتقاله بدون أية أسباب تذكر.
جيران السيدة عدالت، ذكروا بعد الحادث أنها كثيرًا ما كانت تتحدث إليهم عن شوقها الكبير لزوجها، وأنها باتت تشعر باليأس، وأن الأيام الجميلة لها مع زوجها لن تعود ثانية. عدالت التي كانت تعمل مدرسة للغة الإنجليزية بإحدى المدارس الثانوية في منطقة "بشاق شهر" كانت في أزمة كبيرة بسبب هروب زوجها الذي قلب حياتها رأسًا على عقب، رحلت وتركت خلفها ولدًا يبلغ من العمر 14 عامًا يقيم حاليًا مع جدته لأمه.
السبت السابق ليوم انتحارها، حاولت السيدة عدالت الانتحار بتناول جرعة زائدة من العلاج، لكن جارتها اصطحبتها إلى قسم الطوارئ بالمستشفى على الفور ولم تنتظر مجيء االإسعاف للمنزل. وأثناء تسجيل بياناتها في استقبال المستشفى اتضح أنها زوجة رجل مطلوب، فطلبت إدارة المستشفى الشرطة التي قدم بعض عناصرها، وأخذوا يستجوبونها، وقال لها أحدهم "زوجك كان ضمن جماعة فتح الله غولن، أنتي أيضًا سيتم فصلك من عملك".
الجارة دخلت في نقاش حاد مع الشرطي لتعاتبه على ما قاله للسيدة عدالت وهي في هذا الحال، وأكدت له أنها ستتحقق من اسمه لتتقدم بشكوى ضده. المحزن في هذه الواقعة هي أن المرأة التي أقدمت على الانتحار أُعيدت لبيتها مرة ثانية دون أن تخضع لفحص نفسي رغم علم المختصين أن مريض الكتئاب دائمًا ما يفكر بالانتحار، وإذا فشل في مرة سيكرر الأمر مرات عديدة.
نحن بالفعل لا نستغرب هذا الإهمال الذي عوملت به السيدة في قسم الطوارئ بالمستشفى. ولم تمضِ سوى عدة أيام قليلة لتضع المعلمة عدالت نهاية حياتها بيدها يوم الاثنين الماضي، لتلقي بنفسها من منزلها بالطابق التاسع لتسقط على الأرض جسدًا هامدًا مضرجًا في الدماء، لينتهي بذلك كل شيء.
السيدة عدالت التي لم تتحدث كثيرًا عن همومها لجيرانها، عرّفت بانتحارها كل الجيران حقيقة هامة. وربما هذا الانتحار كان لن يُعد ضمن حالات الانتحار التي تسببت فيها تلك المراسيم، لولا أن هناك أشخاص أبلغوني بحقيقة الأمر، هذا الانتحار يجب أن يذكر القائمين على إدارة البلاد، بل المجتمع أجمع بحقيقة هامة للغاية.
لذلك يتعين أن يعرف الجميع أن إقصاء من تستهدفهم المراسيم بقانون، وعدم فهمهم أمر جد خطير. وعليهم أيضًا ألا يغفلوا عن حقيقة مفادها أن الجرعة الزائدة في العقاب من شأنها أن تتسبب في وقوع كثير من حالات الانتحار التي تحمل في طياتها مذاق الجريمة التي يرتكبها المنتحر مرغمًا بحق نفسه. إذ لم يعد أمامه أي خيار أو بديل يقوم به في ظل ما يتعرض له من ضغوط دينية، وعائلية واجتماعية. ومن ثم ذهب للانتحار وهو يعلم تمام العلم أنه طريق لا رجعة فيه. 
كل هذه القصص والدلائل تؤكد أنه يتعين علينا أن ندرك كل شيء في اللحظة التي تعلن فيها المؤشرات وجود خطر ما، علينا أن ندركها في تلك اللحظة وألا ننتظر لحظة النهاية التي ينتهي معها كل شيء.
وإضافة إلى تلك القصص المذكورة أعلاه، هناك قصة أخرى لشخص يدعى براق آيدين الذي مات كل أقاربه الذين كانوا يزورونه في محبسه بسجن قضاء "جزره" بولاية شانلي أورفا جنوبي البلاد، ماتوا وكانوا أربعة أشخاص في حادث سير وهم في طريق عودتهم من الزيارة. ولم يسمح للسجين آيدين بالخروج لبعض الوقت للمشاركة في جنازتهم.
وفيما بعد سمح له بالخروج لزيارتهم في قبورهم، وهناك التقطت عدسات الصحفيين صورًا له وهو منكب يبكي على شواهد تلك القبور في مشهد حزين أدمى قلوب من شاهدوه.
فإذا أوجعكم مشهد آيدين من داخل أنفسكم، ولامس فيكم شيئًا فتعلموا جميعًا أنه صورة الحقيقة التي لم يرها ضحايا قانون الطوارئ، والمراسيم بقانون.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/ohal-uygulamalari/ohal-kurbanlarinda-intiharlar-urkutucu