مارك بنتلي
مارس 27 2019

تركيا تستعد لمزيد من المصاعب الاقتصادية بعد الانتخابات

من المتوقع أن تمثل الانتخابات المحلية التي تجرى في تركيا يوم الأحد نذيراً لمزيد من المصاعب الاقتصادية في البلاد.
يجري الرئيس رجب طيب أردوغان جولة مكوكية في المدن التركية للقيام بحملة انتخابية من أجل حزب العدالة والتنمية، الذي يكافح الآن لاحتواء تداعيات الركود الاقتصادي المؤلم الذي يوجه ضربة لدعمه الشعبي.
لكن في الوقت الذي قد يتراجع فيه أردوغان عن احتمال فقدان السيطرة على المدن الكبرى مثل أنقرة أو أنطاليا أو حتى إسطنبول، فمن غير المرجح أن تبشر انتخابات هذا العام، على عكس الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو 2018، بتغيير في الحرس السياسي.
وهنا تكمن المشكلة. أدت الأزمات الاقتصادية الماضية في تركيا – تضرب تسعينيات القرن الماضي المضطربة مثالاً صارخاً - إلى تغييرات في الحكومة. أتاحت الانتخابات المبكرة الفرصة للأتراك للتصويت على سياسيين جدد كانوا يأملون في أن يصلحوا الأضرار المالية ويبشروا بعصر أفضل وأكثر ازدهاراً.
ليس هذا هو الحال في تركيا اليوم.
فقد انخفضت الليرة التركية بأكثر من 4 في المئة مقابل الدولار يوم الجمعة في ترديد لأصداء أزمة العملة في العام الماضي التي دمرت مستويات المعيشة وفرص العمل. تقلص الاقتصاد على أساس ربع سنوي خلال الربعين الماضيين، مما يعني أن الركود الاقتصادي بات رسمياً. لا تزال ثقة المستهلك بالقرب من أدنى المستويات منذ الأزمة المالية لعام 2009.
يدرك الأتراك تمام الإدراك أن انتخابات هذا الأسبوع لن تحقق أي تغيير في التسلسل الهرمي السياسي للبلاد بعد أن عزز أردوغان سلطاته في يونيو الماضي، مما يجعل البرلمان بلا سلطة تقريباً ويهمش المعارضة الضعيفة بالفعل. المعارض السياسي الأكثر فعالية لأردوغان، هو صلاح الدين دميرطاش المؤيد للأكراد وهو يقبع في السجن بتهم تتعلق بالإرهاب.

يحاول اردوغان في حملته الانتخابية صرف انظار الرأي العام عن المشاكل الداخلية
يحاول اردوغان في حملته الانتخابية صرف انظار الرأي العام عن المشاكل الداخلية

ثمة زيادة في ودائع العملات الأجنبية إذ تشير أرقام البنك المركزي إلى أن مدخرات الأفراد من العملات الأجنبية زادت بمقدار 1.64 مليار دولار إلى مستوى قياسي بلغ 105.7 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في 15 مارس وذلك للأسبوع الثالث والعشرين على التوالي مما يمثل ربما المثال الأكثر وضوحاً على التشاؤم المتزايد وربما حالة الذعر في صفوف الناخبين بشأن قدرة الحكومة على إدارة عجلة الاقتصاد.
لا تستطيع تركيا التخلص من حزب أردوغان الحاكم ورئاسته التنفيذية القوية، شئنا أم أبينا.
وقال تيم آش، كبير الاستراتيجيين في الأسواق الناشئة في مؤسسة بلو باي آسيت مانجمنت لإدارة الأصول في لندن "خلال الأشهر القليلة الماضية، رأينا سياسات سيئة غير مواتية للسوق ... لقد عبر السكان المحليون عن أنفسهم في سوق العملات الأجنبية بسبب هذه السياسات. تحتاج فترة ما بعد الانتخابات إلى تغيير ذلك وعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي أو سيصبح الأمر أكثر سوءاً مرة أخرى".
وتعني المخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي والمالي أن الليرة التركية قد أنهت العام الماضي بخسارة ما يقرب من ثلث قيمتها مقابل الدولار. إذا كنت تريد تصديق خطاب أردوغان وحكومته، فقد بدأت العملة في الهبوط في الصيف الماضي، عندما بلغت الأزمة السياسية مع الولايات المتحدة ذروتها بعد احتجاز القس الأميركي أندرو برانسون. وكان يلقى باللوم في تركيا على القوى الأجنبية وحلفائها، أو هكذا تقول الرواية.
لكن أسباب المصاعب في تركيا أعمق بكثير ويبدو أن عدداً متزايداً من الأتراك شرعوا في تصديق هذه الحقيقة.
تزامنت مظاهرات حديقة غيزي في عام 2013، والتي عبر خلالها العديد من الناس العاديين عن سخطهم من حزب العدالة والتنمية عن طريق النزول إلى شوارع إسطنبول وغيرها من المدن الكبرى، مع تغير في النظرة المستقبلية للأسواق الناشئة في حين تحرك مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) لإنهاء فترة التيسير النقدي.
ومنذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، سمحت سياسات مجلس الاحتياطي الاتحادي والبنك المركزي الأوروبي للأسواق الناشئة مثل تركيا بتعزيز اقتصاداتها بالائتمان الأجنبي الرخيص.
لكن في حين استعدت دول أخرى لأوقات أكثر صعوبة عندما أشار مجلس الاحتياطي الاتحادي إلى أنه على وشك تشديد السياسة النقدية، سمحت حكومة أردوغان للشركات التركية بمواصلة التهام القروض الأجنبية الرخيصة. استمر الإنفاق الحكومي على قدم وساق، مستفيداً من طفرة البناء وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي التي بدأت تبدو أكثر خطورة على مدار العام.
ومنذ عام 2013، فقدت الليرة التركية 68 في المئة من قيمتها مقابل الدولار، وهو أسوأ أداء بين الأسواق الناشئة الرئيسة بعد البيزو الأرجنتيني.
في عام 2017، بعد محاولة انقلاب ضد حكومته في يوليو الماضي، قدم أردوغان وحزبه، عند الاستعداد للانتخابات الرئاسية، تخفيضات ضريبية وأعادا هيكلة حوالي 50 مليار دولار من القروض لنحو 300 ألف شركة، بدعم ضمانات الخزانة، للمساعدة في إصلاح مشاكل الاقتصاد. وساعدت الإجراءات تركيا على النمو بنسبة 7.4 في المئة في ذلك العام.
ولكن بحلول النصف الأول من عام 2018، كان المحللون يحذرون الحكومة من أن الاقتصاد يواجه حالة من النمو التضخمي الشديد. في الوقت الذي بدأ فيه المستثمرون في الفرار من البلاد، بدأ الأتراك اتخاذ الإجراءات لمواجهة أزمة محتملة. في يوم 14 مايو، قال أردوغان لتلفزيون بلومبرغ في لندن إن ارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى زيادة التضخم، وهو ما يتعارض مع النظرية الاقتصادية الشائعة ويزيد من قلق المستثمرين.
وفي محاولة لإعادة الاستقرار الاقتصادي قبل الانتخابات التي جرت في 24 يونيو، أعلن أردوغان عن تدابير لمساعدة القطاع العقاري والسماح للبنك المركزي برفع أسعار الفائدة. ومع ذلك، فقدت الليرة 18 في المئة من قيمتها بين شهري يناير ويونيو، إضافة إلى انخفاض قدره سبعة في المئة في عام 2017.
حدث الباقي في التاريخ الحديث. استبدل أردوغان الخبير الاقتصادي المحترم محمد شيمشك بصهره بيرات البيرق، ووضع الأخير في وزارة المالية والخزانة بعد دمجهما. كما بدأ أردوغان في إصدار مراسيم رئاسية شبه يومية بشأن السياسة الاقتصادية.
عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات اقتصادية على تركيا في الأول من أغسطس، كان الاقتصاد يترنح بالفعل على شفا الانهيار. عادت الثقة الاقتصادية إلى أدنى مستوياتها منذ محاولة الانقلاب وقالت غرفة صناعة إسطنبول إن ظروف التصنيع في البلاد كانت في أسوأ حالاتها منذ عام 2009.
فشل أردوغان في إطلاق سراح برانسون من الإقامة الجبرية - حيث اتهم القس بالتآمر مع المسلحين الأكراد وأعضاء في حركة فتح الله غولن – وجاء رد الولايات المتحدة بالإعلان عن فرض المزيد من العقوبات على الصلب التركي بعد أسبوع، مما دفع الاقتصاد إلى أزمة العملة.
خدمت سياسات الحكومة وخطابها منذ أغسطس فقط في تمهيد الطريق لمزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
في سبتمبر، سيطر أردوغان بشكل شخصي على صندوق الثروة السيادية في البلاد. ومن خلال سياسات تذكرنا بالاضطرابات التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، بدأ في استخدام مصارف الدولة الخاضعة لسيطرته لتقديم أسعار أقل من السوق على القروض وإعادة هيكلة ديون المستهلكين والشركات. التكلفة المالية لتلك السياسات غير معروفة حتى الآن، لكن وكالات التصنيف الائتماني بدأت بالفعل في إصدار تحذيرات بشأن الجدارة الائتمانية للمقرضين.
قامت الحكومة أيضاً بإحياء برنامج إعادة هيكلة القروض لعام 2017 من أجل مساعدة الشركات المتعثرة، وكثير منها إما على وشك الإفلاس أو يكافح من أجل سداد الديون.
البرنامج الاقتصادي الذي تم الترويج له كثيراً والذي أعلنه البيرق في شهر سبتمبر لم يتضمن سوى القليل في جوهره.
ولعل المثال الأكثر وضوحاً على السياسة الاقتصادية غير التقليدية يظهر عندما بدأت الحكومة في بيع أغذية رخيصة في أكشاك تديرها الدولة في ساحات الأسواق في وقت سابق من هذا العام في محاولة لكبح جماح التضخم، الذي وصل إلى حوالي 20 في المئة.
وقد تم تمديد التخفيضات الضريبية على مجموعة من السلع الاستهلاكية بما في ذلك السيارات وغسالات الملابس من 31 مارس إلى يونيو وما بعده. ودفع هذا القرار صندوق النقد الدولي إلى التحذير الأسبوع الماضي من أن الحكومة بحاجة إلى الخروج بمجموعة متماسكة من السياسات لتصحيح مسار الاقتصاد.
ويعني تراجع الإيرادات الضريبية أن العجز في الموازنة زاد أكثر من ثمانية أضعاف في فبراير مقارنة بالعام الماضي إلى 16.8 مليار ليرة (3 مليارات دولار). وقد قفزت النفقات 33 في المئة على أساس سنوي.
وفي الوقت نفسه، انخفضت احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، التي تم استنزافها بسبب أزمة العملة في العام الماضي، مرة أخرى هذا الشهر. تقلصت الاحتياطيات الصافية بمقدار 6.3 مليار دولار إلى 28.5 مليار دولار في الأسبوعين المنتهيين في 15 مارس. ولم يتمكن المسؤولون التنفيذيون في البنك، الذين يمكن لأردوغان الآن إقالتهم أو تعيينهم، بموجب مرسوم رئاسي آخر، من تقديم تفسير كامل لهذا الانخفاض، في حين تشير الشائعات إلى استخدام الأموال في دعم الليرة.
وفي الأسبوع الماضي، استبعد أردوغان مرة أخرى أي إمكانية للحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي، الذي قدم الدعم عندما مرت تركيا بأوقات عصيبة في تسعينيات القرن الماضي.
ويقدر المحللون أن تركيا قد تحتاج إلى ما يصل إلى 50 مليار دولار لحل مشاكلها المالية، والتي تتعلق إلى حد كبير بالديون الخارجية لشركاتها التي تعاني من ضائقة مالية. ومع زيادة القروض المعدومة، قد تحتاج بعض البنوك في البلاد إلى إعادة الرسملة، على الرغم من أن الجهات التنظيمية المالية في البلاد منحتها شهادة سلامة قبل بضعة أشهر فقط.
وفي ظل كبت الصحافة في البلاد إلى حد كبير، بينما يسيطر أردوغان بكل قوة على أجهزة الدولة، وساسة المعارضة إما بلا فاعلية أو في السجن، فلا عجب في أن يُنظر إلى انتخابات هذا الأسبوع على أنها مجرد اختبار شعبي لأردوغان. إذا خسر حزب العدالة والتنمية مدينة أو مدينتين من المدن الكبرى أمام المعارضة، فسيشكل ذلك ضربة لمكانة أردوغان ولا شك في كبريائه.
ولكن مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة المقرر إجراؤها في يونيو 2023، وهي السنة التي تشهد مرور 100 عام على تأسيس الدولة التركية الحديثة، يبدو أن الأتراك ليس لديهم أي خيار آخر سوى ربط حزام الأمان لمواجهة دوامة الاقتصاد. وفي حين أن ثمة فرصة قليلة أو شهية ضعيفة داخل حزب العدالة والتنمية لإزالة أردوغان أو لتخفيف قبضته على عملية صنع القرار، يبدو أنه لن يكون هناك أي شخص آخر للمساعدة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.