مارك بنتلي
مارس 30 2018

تركيا تضحّي بعملتها مقابل النمو الاقتصادي لعام 2018

تعثر الاقتصاد التركي خلال الشهور الأولى من عام 2018 بعد أن حقق نموا قدره 7.4 بالمئة العام الماضي، وكانت هذه أعلى نسبة نمو لأحد اقتصادات مجموعة الدول العشرين الصناعية.
فخلال الربع الأخير من العام الماضي حقق الناتج القومي الإجمالي لتركيا توسعا بنسبة 7.3 بالمئة بعد أن كانت النسبة 11.3 بالمئة في الأشهر الثلاثة السابقة، بحسب ما أوضحت وكالة الإحصاء يوم الخميس.
 لكن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان لا تزال مصرة على تطبيق سياسة تحفيز التوسع الاقتصادي رغم التكلفة العالية، وليس أقلها الضغط على القوة الشرائية للمواطن التركي من الطبقة المتوسطة الذي تضرر جراء تراجع قيمة الليرة وزيادة التضخم.
اليوم تقف الليرة عند انخفاض قياسي مقابل الدولار، بينما يبلغ التضخم 10.3 بالمِائة، وهي أعلى نسبة بين الأسواق الناشئة. أما عجز ميزان المدفوعات فبلغ 5.6 من الناتج القومي الإجمالي الأعلى بين الدول النظيرة لتركيا التي تشهد زيادة كبيرة في الواردات على حساب الصادرات.
يقول خبراء اقتصاديون إن شيئا ما سيتحقق في النهاية.
هاتيس كاراهان المستشارة الاقتصادية البارزة للرئيس أردوغان أشادت في بيان نشرته بموقع تويتر يوم الخميس بنسب النمو باعتبارها انعكاسا لما قالت إنها "سياسات حكيمة من قبل الحكومة."

لكن الواقع مختلف بعض الشيء. فكل المؤشرات تدل على تدهور اقتصادي سببه الخفض الضريبي الذي أقرته الحكومة وضمانات القروض. ويأمل أردوغان ومستشاروه، الذين يحثون البنك المركزي على إبقاء معدلات الفائدة منخفضة، في أن تؤدي هذه الإجراءات إلى استمرار النمو الاقتصادي حتى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في نوفمبر من العام المقبل.
وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي قال يوم الخميس بعد إعلان النسب الاقتصادية إن تركيا قد دخلت "عملية النمو السريع." وأضاف الوزير أن الحكومة ستتجاوز نسبة النمو المتوقعة وقدرها 5.5 بالمئة لعام 2018.
أظهرت البيانات أيضا أن الاقتصاد توسع بنسبة 1.8 بالمئة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2017 مقابل 1.2 بالمئة عن الربع السابق. ويدل هذا على أن النمو في تركيا يتحقق بتكلفة هائلة خاصة فيما يتعلق بخفض قيمة الليرة، وبمخاطر جمة للمستثمرين الذين ضخوا أموالهم في هذا البلد.
ليس مستغربا إذاً ما يصيب مستثمرين كثر من قلق متجدد، وهو أمر يضاعف مشاكل الليرة التركية.
كان الانهيار المفاجئ الذي أصاب الأسواق الآسيوية قبل أيام، والذي تردد أن سببه محاولة وقف الخسائر التي تعرض لها تجار التجزئة اليابانيون، قد أضر بالليرة التركية فانخفضت إلى 4.038 مقابل الدولار، وهي أقل قيمة تم تسجيلها للعملة التركية.
وبلغت قيمة العملة في التداول 3.95 ليرة مقابل الدولار يوم الخميس.
في توقعاتها لأداء الليرة قالت مجموعة (سي.إم.إي) إن العملة التركية التي كانت تبلغ قيمتها 1.15 ليرة مقابل الدولار قبل الأزمة المالية عام 2008، ستتراجع إلى 4.11 بنهاية يونيو المقبل، ثم إلى 4.35 بالمائة بحلول ديسمبر و4.75 بالمائة في سبتمبر من العام المقبل، أي قبل وقت قليل من الانتخابات المقررة.
قبل أسبوعين فقط وضعت التوقعات لقيمة الليرة في يونيو 2018 العملة التركية عند مستوى 3.98 مقابل الدولار. وتحسب الأسعار المستقبلية أخذا في الاعتبار أسعار الفائدة.
بعد زيادة أسعار الفائدة بنسبة 50 نقطة أساس، لتصل إلى 12.75 بالمائة في ديسمبر، يبدو البنك المركزي التركي مترددا في زيادة أسعار المعدلات بسبب الضغط الذي تمارسه الحكومة. وتقول شركة (إف.إكس واير برو) إن هذا يصب في مصلحة تجارة العملة.
عادة ما يؤدي قرار خفض قيمة الليرة إلى مشاكل بسبب رغبة الأسواق في اختبار ما ينوي البنك المركزي القيام به وفقا لتقديرات الشركة المتخصصة في أخبار العملات يوم الأربعاء.
قالت شركة (إف.إكس واير برو) "لقد أصبحت هذه سمة للأسواق منذ 2013 مع تردد معتاد من البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة. يتسبب هذا في دائرة مفرغة تدور فيها العملة ما بين خفض قيمة العملة والتضخم الذي يؤدي بعد ذلك إلى مبالغة كبيرة في أسعار صرف العملات."
ولا يرجح وليام جاكسون؛ الاقتصادي المتخصص في الأسواق الناشئة بوكالة كابيتال إيكونوميكس للاستشارات الاقتصادية في لندن، أن يفرض البنك المركزي التركي قيودا على سياسته النقدية أمام الدولار.
قال جاكسون الأسبوع الماضي في تعليق نقلته عنه وكالة بلومبرج "إن التجارب السابقة تظهر حاجة الليرة لخفض قيمتها إلى 4.25 مقابل الدولار لتعادل الخفض الذي طرأ على قيمة العملة بنسبة عشرة بالمائة خلال ثلاثة أشهر قبل أن يقرر البنك المركزي خفضه."
وتوصي وكالتا الائتمان غولدمان ساكس ويوني كريدي مع مؤسسات مالية أخرى العملاء ببيع العملة.

ربما ينوي أردوغان التضحية بقيمة العملة مقابل الحفاظ على برنامج النمو الاقتصادي الذي تطبقه حكومته.

وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يوم الأربعاء إن الحكومة تخطط لتقديم محفزات إضافية بقيمة 128 مليار ليرة (32 مليار دولار) لدعم النمو الاقتصادي في برنامج تمويل مستهدف.
يأتي هذا بعد أن قدمت الحكومة حزما مالية إضافية في صورة ضمانات قروض للشركات الصناعية بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 200 مليار ليرة العام الماضي.
مستشار آخر لأردوغان هو سيميل إرتيم يقدم أدلة إضافية على عزم أردوغان السماح بتراجع قيمة الليرة. فبينما تدرس الحكومة خفض قيمة الليرة لأقل من 3.85 مقابل الدولار، قال إرتيم إن العملة تتداول بشكل حر وستصل في النهاية لمستواها الطبيعي.
لكن يبقى غير معلوم المدى الذي يمكن أن تصل إليه الحكومة في سماحها بخفض قيمة الليرة. فخفض قيمة الليرة أحد أسباب التضخم، ويعني خفض القوة الشرائية للمواطن التركي، ويجعل من الصعب على الشركات التركية سداد ما عليها من ديون خارجية.
وحتى بعد الإجراءات الحكومية لتقييد فرص الشركات التركية في الاقتراض بالعملات الأجنبية، فإن هذه الشركات لا تزال مَدينة بمبلغ 214 مليار دولار، وهو رقم قريب من المستوى القياسي لديون الشركات وفقا لبيانات البنك المركزي.
هذه النسبة لديون الشركات تتجاوز ضعف مستوياتها عام 2009 وتدين الشركات بأكثر من 80 بالمِائة من هذا المبلغ للبنوك التركية.
من المؤسسات التي حذرت من تدهور الاقتصاد التركي، صندوق النقد الدولي ومؤسسة موديز لخدمات الاستثمار، التي خفضت قيمة الدين السيادي التركي بواقع مستوى واحد، لتصل إلى أقل بدرجتين عن درجة الاستثمار في مارس الجاري. وحذرت المؤسستان كذلك من أثر التضخم والدين الخاص على الاقتصاد.
لكن حتى الآن لم تلق تحذيرات هاتين المؤسستين أي اهتمام. فقبل أسبوعين فقط قال إرتيم "إن سياسات صندوق النقد الدولي قد عفا عليها الزمن، وإن تركيا ستطبق سياسات معاكسة تماما لما أوصى به مسؤولو الصندوق."

 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: