تركيا تطعن نفسها بقانون الإنترنت الجديد

أقر البرلمان التركي مؤخرا قانونا يعطي المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون المعنِي بمراقبة وسائل إعلام الدولة سلطة الرقابة على المحتوى الذي يتم بثه أو إذاعته عبر الإنترنت.
وتتزايد شعبية البث عبر الإنترنت كوسيلة لمشاهدة الحلقات التلفزيونية في تركيا، بما في ذلك العروض والبرامج التي تذاع على شاشات التلفزيون حاليا. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي تبذلها الشركات الأميركية، فإن بعض المواقع الإلكترونية التركية تنجح في بث حلقات تذاع على التلفزيون الأميركي مترجمة إلى التركية بعد وقت قليل من إذاعتها في الولايات المتحدة، حتى إن بعض مترجمي تلك الحلقات صار لهم جمهور من المتابعين والمعجبين.
وفي الآونة الأخيرة انضمت إلى منصات البث عبر الإنترنت المحلية وتلك التي يقوم عليها هواة خدمات تعتمد على الإعلانات أو الاشتراكات مثل "بلو تي في" و"بوهو تي في". وقد بدأ موقع نتفليكس تقديم خدماته في السوق التركية عندما وسع دائرة عمله دوليا في يناير عام 2016.
وإلى جانب الترفية، وفر البث الحي عبر الإنترنت متنفسا لوسائل الإعلام البديل يمكنها من خلاله بث أخبار وتعقيبات سياسية من دون الكثير من التدخل الحكومي. وميديا سكوب هو أبرز مثال على هذا الإعلام الحر.
لكن القانون الجديد واللوائح التنظيمية التي ستتبعه ستمكن المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون من السيطرة على منصات البث الإعلامي هذه بالطريقة ذاتها التي يسيطر بها على المواد الإذاعية والتلفزيونية. فأولا، ستكون هذه المنصات بحاجة إلى الحصول على إذن وتراخيص من المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون لكي تتمكن من العمل في تركيا. ثانيا، سيكون للمجلس سلطة الرقابة على المحتوى المتاح للبث.
ووفقا للقانون الجديد، سيتمتع المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون بإمكانية طلب حذف محتوى من على منصة ما أو تقييد إمكانية الوصول إلى تلك المنصة. وسيتعين على المحكمة الجنائية إصدار قرار بهذا الشأن خلال 24 ساعة من دون عقد جلسة استماع. وسيستلزم إصدار حكم من المحكمة الجنائية أن يقوم مقدمو خدمات الإنترنت بحجب إمكانية وصول المستخدم إلى الموقع. وكانت عدة مواقع، مثل ويكيبيديا، قد حُظرت في تركيا من خلال قرارات من هذا النوع أصدرتها المحاكم الجنائية.
وتشكل القيود من مثل نوع هذا القانون الجديد اعتداء واضحا على حرية التعبير. فضلا عن ذلك، فإن حظر مواقع مثل نتفليكس أو ويكيبيديا وفرض الرقابة عليها يعد نهجا عقيما ونموذجا لإيذاء النفس.
كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد عبر عن عدم رضاه عن عدم القدرة على تحقيق نفوذ على الساحتين الاجتماعية والثقافية على الرغم من الاستحواذ على السلطة دون انقطاع لأكثر من 15 عاما. وقطاعات التعليم والإعلام والترفيه بالغة الأهمية في تأسيس مثل هذا النفوذ. لكن من الصعب تحقيق هذا الهدف من خلال دفع المناهج الدراسية وبرامج الأخبار والتلفزيون إلى أن تعكس فكرك وقيمك دون رغبة الناس، فالقوة الاجتماعية والثقافية تكون قوة حقيقية إذا تأسست بالرضا وليس عنوة.
ويُحكم أردوغان وحكومته قبضتهم أكثر فأكثر على وسائل الإعلام، بما في ذلك قطاع الترفيه، وقد كان المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون والتهديدات المالية أداتين أساسيتين في تلك العملية. فبينما يفرض المجلس من ناحية غرامة على مشاهد القُبلات على الشاشة، نجد برامج أخرى ممولة من الحكومة تروج للنزعات القومية التي تنتهج العنف وللعثمانية الجديدة بما يتماشى مع النظرة الحكومية. لكن، وبالضبط كما فشلت الشركات الأميركية في منع بث موادها المرخصة لمستخدمي الإنترنت في تركيا، لن تكون الحكومة قادرة على منع مواطنيها فعليا من مشاهدة البرامج المحلية أو الأجنبية التي يرغبون في مشاهدتها.
والأهم من ذلك هو أنه بينما يحاول أردوغان وحكومته تأكيد نفوذهم على الشركات الأجنبية، مثل نتفليكس أو يوتيوب أو ويكيبيديا في تركيا، فإنهم يفوتون على أنفسهم فرصا كبيرة لتأكيد قوتهم الناعمة على الساحة الدولية. 
وتنظر الحكومة التركية بعداء شديد إلى منصات مثل يوتيوب ونتفليكس وويكيبيديا، إذ تعتبر محتوى تلك المنصات يمثل تهديدا. بيد أن تلك المنصات هي أيضا منافذ للتعبير عن رأيك وتعريف العالم بك وشرح ما لديك من أفكار.
على سبيل المثال، فإن حملة ويكيبيديا في الآونة الأخيرة بعنوان "نفتقد تركيا" تؤكد على ما قدمه مستخدمو ويكيبيديا الأتراك من إسهام في المعرفة وتعبر عن الأسف لفقدان تلك الفرصة للتعلم من المستخدمين الأتراك بسبب ذلك الحظر. ولم يتوقف أثر حظر موقع ويكيبيديا عند حرمان الناس في تركيا من الوصول إلى المعرفة التي تتيحها المواد المتوفرة على الموقع، لكنه حال أيضا دون زيادة المحتوى المتاح باللغة التركية والمحتوى المتوافر بلغات أخرى عن تركيا. لقد حُرمت الشعوب حول العالم من فرصة معرفة المزيد عن تركيا من الشعب التركي.
وخلال العقدين الأخيرين، اكتسبت الحلقات التلفزيونية التركية شعبية كبيرة في أنحاء الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وعندما قدِمت للمرة الأولى إلى الولايات المتحدة وعرف الناس من أين أنحدر، جلبوا لي فيلم قطار منتصف الليل (Midnight Express) الذي يعرض قصة تعذيب على يد الشرطة في أحد السجون التركية. وفي الآونة الأخيرة، كان الطلاب الأميركيون من أصول عربية يسألونني عن المسلسلات التركية وتحدثت طالبات بإعجاب شديد عن الممثل كيفانش تاتليتوغ.
تجذبني كثيرا تعليقات مستخدمي نتفليكس الأميركيين بشأن الحلقات التركية التي تُعرض على موقع نتفليكس الولايات المتحدة، فلديهم آراء إيجابية جدا بشأن العلاقات الأسرية والثقافة التركية وسحر إسطنبول ووسامة الممثلين والسرد القصصي الذي يتابعونه في المسلسلات التركية. إنهم يستمتعون بالحلقات على الرغم من أنهم يكونوا مضطرين لقراءة الترجمة ويعبرون عن فرحتهم لتعلم بعض الكلمات التركية البسيطة. ومن يشاهدون مسلسل قيامة أرطغرل يشعرون بالسعادة لأنه أتاح لهم فرصة معرفة المزيد عن رؤية المسلمين للحروب الصليبية، وهو أمر من الصعب تحقيقه من خلال حملات العلاقات العامة التي تتكلف ملايين الدولارات – إنها قوة ناعمة.

سكرين شوت لتعليقات على نتفليكس مكتوب أسفلها "تعليقات المشاهدين
سكرين شوت لتعليقات على نتفليكس مكتوب أسفلها "تعليقات المشاهدين

لكن قد لا يستمر الأثر الإيجابي للمسلسلات التلفزيونية التركية كثيرا، إذ إن الحكومة التركية تحكم قبضتها على المنتَج التلفزيوني من خلال فرض قيود على المحتوى، وهو ما يجعل تلك الأعمال أقل ابتكارا وجاذبية. فضلا عن ذلك فإن السياسة الخارجية العدوانية التي ينتهجها أردوغان تلجأ إلى قوة صلبة على نحو يُبطل أثر القوة الناعمة.
وحظرت شبكة إم.بي.سي العربية في الآونة الأخيرة إذاعة المسلسلات التركية على الرغم من الخسائر المالية المحتملة. وقد يكون من شأن فرض قيود على نتفليكس من خلال هذا القانون الجديد أن يقود نتفليكس إلى الانسحاب من تركيا والتوقف عن عرض المحتوى التركي في الخارج.
لكن لماذ تضحي تركيا بالمكاسب الكبيرة التي يمكن أن تحققها في الأجل الطويل من خلال القوة الناعمة من أجل مكاسب محدودة في الأجل القصير عبر إحكام السيطرة على الوصول إلى المحتوى عبر الإنترنت في الداخل؟
كما قلت من قبل، فإن حزب العدالة والتنمية الحاكم يلتمس أطواق النجاة في بحر لجّي، وهو ما يعني أنه ليست لديه الرؤية ولا المهارة اللازمة لاستشراف آفاق القوة الناعمة.
ولا تشعر قيادة حزب العدالة والتنمية ومؤيدوه بالأمان فيما يتعلق بقدرتهم على البقاء في السلطة. وهم يتعاملون مثل "العصابات المتنقلة" كما يقول العالم منصور أولسون. ولأن أفقهم محدود، فإنهم يركزون على المكاسب قصيرة الأجل حتى وإن كانت مدَمرة للبلاد ولاقتصادها.
الأخطر من ذلك أن كوادر حزب العدالة والتنمية تفتقر إلى المهارات والرؤية والحيلة اللازمة لاستخدام تلك المنصات العالمية وتسخيرها لمصلحتهم. ولدى حزب العدالة والتنمية رؤية ومنظور ضيقين جعلا حافلات تجوب شوارع واشنطن وقد كتبت عليها رسائل أورويلية مثل "حقيقة + سلام = أردوغان" خلال زيارته عام 2016.

حافلات تحمل رسائل دعم لأردوغان خلال زيارة لواشنطن
حافلات تحمل رسائل دعم لأردوغان خلال زيارة لواشنطن

وبهذه العقلية لا يمكنك سوى أن تبتعد كثيرا عن تحقيق الهدف المرجو. فلكي تؤثر على الجمهور العالمي، أنت بحاجة إلى أن تكون قادرا على التفكير والتصرف على نحو يرقى إلى مستوى العالمية. لكن قانون الإنترنيت الجديد في تركيا يظهر بُعد المسافة التي تفصل حكومة حزب العدالة والتنمية عن تحقيق هذا الهدف.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/censorship/turkey-shooting-itself-foot-new-internet-law