بيهتار اوكوتان
يوليو 03 2018

تركيا تطمس الخطوط الفاصلة بين القانون وقواعد المافيا

كم هو مكلف أن تكون مستقلا وأن تكون في المعارضة.
بعد الكفاح من أجل قضية مشتركة مع السلطة الحاكمة لفترة طويلة، قد يكون الثمن باهظاً للغاية عندما يقول أولئك الذين في السلطة "لقد انتهينا منكم".
فكر في قائد، رجب طيب أردوغان، يحاول سراً أو جهراً أن ينسب لنفسه كل الألقاب العليا مثل "الخليفة" أو "الزعيم" أو "الأب المؤسس لجمهورية تركيا الثانية".
قائد يريد استخدام جميع الألقاب المرتبطة بالدين والقومية لصالحه، إذ أن هذه الصفات تعتبر أدوات مناسبة لترسيخ المزيد من السيطرة والسلطة على أمة بأكملها، على كل من الأصدقاء والأعداء، المؤيدين والخصوم على حد سواء.
عندما وصفه القوميون المحافظون بجهل بأنه "ريس" وهي الكلمة التركية لكلمة "رئيس"، التي استخدمها القوميون بشكل شبه حصري للإشارة إلى القادة، لم يتصور أحد أن يحدث ذلك.
ولم يتخيل أحد أن الدولة/الجمهورية يمكن أن تتقطع أوصالها..
لكن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لرؤية تبعات هذا الخطاب القومي لأن أردوغان قرر السير مع زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 يوليو.
ومنذ ذلك الحين، سمح أردوغان بإحياء قادة الجريمة المنظمة في تركيا، بعدما كان ُيعتقد على نطاق واسع أنهم قد تم القضاء عليهم.
قبيل انتخابات 24 يونيو مباشرة، قام بهجلي زعيم حزب الحركة القومية بزيارة إلى زعيم الجريمة المنظمة علاء الدين تشاكيجي الذي كان يقضي عقوبة السجن والذي يمضي وقته الآن في المستشفى بسبب ظروف صحية عديدة.
معروف أن تشاكيجي مشتبه به في عدد من المحاكمات المرتبطة بقتل عدد من الأشخاص خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بزعم أن ذلك كان بناء على طلب من الدولة التركية وسط مزاعم بأن وكالة المخابرات التركية استخدمته في العديد من العمليات القذرة ضد المعارضين في الداخل والخارج على حد سواء.
وفي أعقاب زيارة تشاكيجي، طالب بهجلي بالعفو عن السجناء في السجون باستثناء أولئك المدانين في "الجرائم المرتبطة بالإرهاب"، وهو تعريف يشير في الغالب إلى الاعتقالات المتعلقة بالانقلاب.
تعليقات بهجلي، التي شهدت عودة حزب الحركة القومية إلى نمط الانتساب السابق للقوميين مع عالم الجريمة، بمجرد أن تمت تغطيتها على نطاق واسع في وسائل الإعلام، أدلى تشاكيجي بتصريح علني هدد فيه مجموعة من الصحفيين وكتاب الأعمدة الذين يعملون في صحيفة قرار.
وعلى الرغم من حقيقة أن الصحيفة تبنت فيما يبدو سياسة تحريرية مؤيدة لحزب العدالة والتنمية، فقد حذر بعض كتاب أعمدتها مثل ايتين ماهكوبيان وإليف تشاكير وعكيف بيكي وإبراهيم كيراس وعلي بيرام أوغلو (وجميعهم تلقوا تهديدا من تشاكيجي بالقتل) أردوغان من الآثار الجانبية "لحكم الفرد" والمخاطر المحتملة لإلحاق الضرر بتركيا في ظل هذه الميول الاستبدادية.
تصدرت التهديدات بالقتل العناوين الرئيسية، بل وتسببت في حالة من الذعر بين كتاب الأعمدة والصحافيين الآخرين الموالين للحكومة. 
قبل يومين من تصريحات تشاكيجي العلنية، نشر بهجلي نفسه إعلانا في الصحف انتقد فيه عشرات الصحافيين وقادة الرأي بالاسم وشهر بهم واتهمهم بتشويه سمعة حزبه.
وتهديدات تشاكيجي الجريئة بالقتل ما هي إلا النتيجة المرعبة لذلك!
في هذه الرسالة المسمومة ضد الصحفيين، كتب تشاكيجي يقول "أنا دائما أعطي تحذيرات لأولئك الذين سألحق بهم الأذى."
وأضاف "سوف يعاقبون في تركيا أو في الخارج من قبل أولئك الذين يدعمونني. أدعو أولئك الذين يقولون لي دائماً (اطلب منا أن نطلق النار وسنطلق النار، قل لنا أن نموت وسوف نموت) بأن يتحركوا الآن."
وأعلن اثنان من كتاب الأعمدة، هما ماهكوبيان وتشاكير، أنهما سيأخذان استراحة من الكتابة. 
كانت الخطوة التالية في الواقعة هي قيام الدولة بتعيين حراس شخصيين لحماية الصحفيين المهددين.
ومع ذلك، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة أردوغان لم تقدم بعد بياناً واحداً بشأن التهديدات الصادرة عن تشاكيجي.

دولة الصمت
مع استمرار الحكومة في التزام الصمت، أصدر تشاكيجي بياناً ثانياً، قائلاً إنه علق "عقوبته" خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. وقال إنه قد يتم تجميد العقوبات إلى أجل غير مسمى ما دام الكتاب "لا يكررون الخطأ" خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
دفع صمت المعلقين بقيادة الحكومة الكثيرين إلى استنتاج أن الإدارة كانت تتغاضى عن رسالة تشاكيجي. لا تشعر الحكومة عادة بأي تأنيب ضمير تجاه منتقديها.
منذ ذلك الحين أعلن مكتب المدعي العام في أنقرة أنه بدأ تحقيقاً في أمر تشاكيجي بسبب "نشر الخوف وسط الجماهير".
في هذه الأثناء، كان هؤلاء كتاب الأعمدة في صحيفة قرار ينتقدون أردوغان وحزب العدالة والتنمية بطريقة ساخرة، محذرين إياهم من تجاوز أي حدود، لكنهم حافظوا دوماً على ثقتهم في "الرئيس" وحزب العدالة والتنمية.
يبدو من الواضح أنهم لمسوا نقطة ضعف حزب العدالة والتنمية.
وعلى الرغم من أن الحكومة معتادة على تلقي جميع أنواع النقد من المعارضة، فإن أطفالها لم يتجرؤوا حتى على توجيه النقد لأردوغان والحزب الحاكم. 
حتى مجرد الإشارة إلى أن "المرشد الأعلى" وحزبه قد يرتكبون خطأً، لا يمكن أن تمر دون عقاب لأنها تنطوي على خطر إيقاظ "مؤيدي حزب العدالة والتنمية" و"فتح أعين" الجماهير. 
تم إقصاء بعض الصحفيين في منشورات مؤيدة لحزب العدالة والتنمية بعد أن تجرؤوا على التحدث علناً، خشية أن يشكل ذلك سابقة للكتاب الآخرين الموالين للحكومة، في تحذير لضمان أنهم لا يفكرون حتى في انتقاد أردوغان، ولا حتى ولو لثانية واحدة.
ومع ذلك، دافعت مجموعة من كتاب الأعمدة الموالين للحكومة في هذه المرة عن زملائهم بدافع القلق من أنهم أيضاً قد يكونون أهدافاً لتهديد مماثل في المستقبل.
ومن بينهم كاتب العمود المحافظ نيفزات جيجك وإسماعيل كيليكاسلان الكاتب في صحيفة يني شفق ونهال بينجيشو كاراجا كاتبة العمود في صحيفة خبر ترك.
أصبح تهديد خصوم الحكومة، حتى الجماعات المعتدلة والصغيرة، نمطاً مؤسفاً في تركيا. 
وفي الآونة الأخيرة، أصدر وزير الداخلية سليمان صويلو تهديدات ضد الرئيسة المشتركة لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد بروين بولدان بسبب مقتل صاحب متجر في مقاطعة أجري بشرق البلاد، التي اتهم فيها الأكراد شخصيات من حزب العدالة والتنمية.
وفي وقت لاحق، اعترف صويلو علناً بتهديده للزعيمة الكردية.
القصة لا تنتهي هناك. ففي وقت سابق، هدد زعيم آخر للجريمة المنظمة، سيدات بيكر، الأكاديميين في البلاد "بسفك دمائهم في الجداول والاستحمام فيها" بعد أن وقعوا عريضة تدعو إلى السلام والأمن في المناطق الكردية في تركيا، حيث تسببت الاشتباكات في الآونة الأخيرة بين القوات المسلحة التركية وحزب العمال الكردستاني في مقتل مدنيين ونزوح الآلاف من السكان المحليين من وسط المدينة في الجنوب الشرقي.
السؤال الوحيد المتبقي الآن هو لماذا الحاجة إلى مثل هذه الشخصيات غير القانونية؟
الجواب واضح: الخوف!
لن يشعر أردوغان بالأمان حتى لو حصد 60 في المئة من الأصوات. سيكون هناك أناس دائما يخبرونه عندما يرتكب خطأ.
تكمن المشكلة في أن ثمة خوفاً من أن تتبنى الدولة صفة من صفات المافيا، مما يطمس الخطوط الفاصلة بين دولة تحكمها قوانين وقواعد المافيا.
لا ينبغي إغفال دور جهاز المخابرات الوطنية التركي في تشكيل هذا الاتجاه. قد يكون حتى لعب دورا أكبر في إيجاد مثل هذا "الوحش".
لذا، فإن خطر إضافة جهات فاعلة غير حكومية وغير قانونية في فلك الدولة، التي من المفترض أن تكون خاضعة للقوانين وتتمسك بها من أجل البلاد، قد يزيد من إلحاق الضرر بالقوى المحركة الهشة بالفعل في تركيا عندما ينظر المرء إلى طبيعة هؤلاء الأشخاص الخارجين على السيطرة.


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا: