جون لوبوك
أبريل 24 2019

تركيا تفشل في إنتاج سيارة محلية منذ ربع قرن

يدور الحديث عن فكرة إنتاج "سيارة وطنية محلية" للسوق التركية منذ فترة طويلة دون تحقيق أي نتائج، لدرجة أن هذا الأمر بات يسبب إحراجا للحكومة التركية. كما تكشف إخفاقات هذا المشروع عن نقاط الضعف الكامنة في الاقتصاد التركي.

إن تاريخ محاولات تركيا الرامية لإنتاج سيارة محلية لا يخفى على أحد في البلاد. بل إنه في عام 2008، جرى إنتاج فيلم بعنوان "سيارات الثورة" تدور قصته عن المحاولة الأولى لإنتاج تلك السيارة في أوائل ستينات القرن العشرين، حين أمر الرئيس جمال كورسل بتصنيع سيارة وطنية، يُطلق عليها اسم "ديفريم" (ثورة). وجرى إنتاج السيارة في إطار زمني ضيق، وتم تصنيع أربعة نماذج أولية، تعطل أحدها في أول تجربة عامة. وبعد رد الفعل السلبي من وسائل الإعلام، فشل المشروع. وسرعان ما انتشرت نظرية المؤامرة التي تقول إن الحكومة الأميركية ضغطت على تركيا لإلغاء إنتاج السيارة "ديفريم"، إذ يُفترض أن الهدف من ذلك هو الحيلولة دون منافستها لعلامات تجارية لسيارات أميركية.

وعلى الرغم من هذه الانتكاسة، بدأ إنتاج السيارة أناضول في العام 1966، واستمر حتى 1991، وبحلول العام 2010 كانت تركيا سادس أو سابع أكبر مصنعي السيارات في أوروبا، بإنتاجها لسيارات فيات ورينو وهوندا وتويوتا وفورد. غير أن فكرة تأسيس علامة تجارية لسيارة وطنية تركية يظل حلما لطالما وعدت الحكومة التركية بتحقيقه.

وحددت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان العام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية، هدفا زمنيا لإظهار مدى التقدم الاقتصادي الذي تحقق، لا سيما منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحاكم زمام السلطة في العام 2002.

شكلت مشروعات البنية التحتية جزءا كبيرا من حملة الدعاية والإعلان الخاصة بنهضة تركيا، وفي العام 2017، وقعت خمس شركات تركية اتفاق شراكة للعمل معا من أجل إنتاج سيارة وطنية جديدة.

لكن المشروع لم يشهد تقدما سلسا. وكانت تركيا اشترت رخصة إنتاج السيارة ساب 9-3 من الشركة الوطنية للسيارات الكهربائية في السويد (نيفس) في العام 2015، وكانت تخطط لتصنيع سيارة هجينة قادرة على قطع مسافة 60 ميلا بمحركها الكهربائي قبل أن يبدأ محرك الوقود في العمل. بيد أنه لا يُمكن مقارنة تلك السيارة مع أحدث السيارات الكهربائية مثل نيسان ليف، التي تستطيع قطع مسافة تصل إلى 235 ميلاً بالمحرك الكهربائي. وقد أعلن وزير العلوم والصناعة والتكنولوجيا فاروق أوزلو العام الماضي عن أن الحكومة ستستثمر 3.7 مليار دولار في المشروع، وأن نموذجا أوليا سيكون جاهزا بحلول العام 2019.

وفي شهر يوليو من العام الماضي، سخر موقع "موتورنغ ويكلي" الإلكتروني من الاتفاق بين الحكومة التركية وشركة نيفس على أربعة نماذج أولية، قائلا إن "أول نموذجين لم يتم تقديمهما بعد، والسيارة السيدان الكهربائية - إن أردنا التعبير بكلمات مهذبة – أشبه بالخردة، بما فيها من عيوب ومشاكل كثيرة ظهرت فور وصولها. لذا كان النموذج الأولي الوحيد الناجع هو ذلك الذي لم يرده الكونسورتيوم! لم يكن أمام نيفس سوى مهمة واحدة، ويبدو أنها أفسدت الأمر نوعا ما".

وأشار الموقع الإلكتروني أيضا إلى أن المشاكل الاقتصادية المرتبطة بانخفاض قيمة الليرة أدت إلى تراجع مبيعات السيارات في تركيا في العام 2018. ويبدو أن ذلك قد دفع شركة تسلا أيضا إلى التخلي عن خطط إطلاق عمليات في تركيا.

ظهرت منازعات قانونية أيضا بين الشركات التي تشكل كونسورتيوم السيارات الوطني (تي.أو.جي.جي). وحتى شهر أبريل 2019، ظل الموقع الإلكتروني لكونسورتيوم "تي.أو.جي.جي" لا يذكر شيئا تقريبا. ووفقا لموقع "لينكد إن" للتواصل الاجتماعي، يضم كونسورتيوم "تي.أو.جي.جي" ما بين 50 و100 موظف، وهو عدد لا يبدو كافيا لمشروع بهذا الحجم.

ومن ثم، وفي مقابلة أجريت قبل الانتخابات المحلية التي شهدتها البلاد في الحادي والثلاثين من مارس، انتقد أردوغان الشركات التركية التي تعمل على إنتاج السيارة لعدم إحرازها تقدما.

صـــــــــــــــــــــورة

فقال: "على الرغم من حقيقة أننا نقدم لهم كل الدعم والحوافز، إلا أنهم استهانوا بعملهم. يقولون ‘يجدر بنا أن نرى رئيسنا‘... ينبغي ألا يضيعوا وقتهم. وإلا سنضطر للبحث عن حلول أخرى... وإذا اقتضت الضرورة سنبحث عن مستثمرين مهتمين بالخارج. وسنوفر لهم مستثمرين شركاء من تركيا أيضا. سنتخذ الخطوات اللازمة لتنفيذ هذا المشروع باعتباره مشروعا مشتركا هنا".

واسترجع أردوغان كلمات الشاعر التركي محمد عاكف، مؤلف النشيد الوطني التركي، قائلا: "‘اجعلوا علوم الغرب مصدر إلهام لكم، ولتستقوا من فنونهم، وأسرعوا في عملكم‘، سوف نستقي من علمهم ونسرع عملنا".

لقد أصبحت فكرة السيارة الوطنية الآن مزحة دارجة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما صارت بالنسبة للحكومة اختبارا أساسيا لاستعادة تركيا مكانتها كقوة إقليمية. ويرى أردوغان أن السيارة تعتبر وسيلة للحاق بركب التقدم الأوروبي في مجال التكنولوجيا والعلوم.

ونظرا لافتقار الاقتصاد التركي إلى موارده الخاصة من النفط أو الغاز، فإنه يتأثر كثيرا بتقلبات أسعار الصرف، وقد تضرر أصحاب السيارات بشدة جراء هبوط قيمة الليرة في 2018. لذا، تعتبر السيارات الكهربائية مفتاحا للاستقلال الاقتصادي التركي.

منشور على تويتر يقول "تم تسريب صور التقطت في مانيسا ويبدو أنها تخص موقع إنتاج أول سيارة طائرة "
منشور على تويتر يقول "تم تسريب صور التقطت في مانيسا ويبدو أنها تخص موقع إنتاج أول سيارة طائرة "

يختلف إنتاج السيارات للشركات الأجنبية بناء على براءات اختراعها اختلافا تاما عن تطوير هذه التكنولوجيا محليا، ولم تساهم الحكومة التركية مساهمة إيجابية في ذلك في ضوء إخفاقها في إدارة التوقعات. ففي العام 2016، تفاخر وزير العلوم والتكنولوجيا السابق فكري إشيق بأن السيارة الوطنية ستكون "أفضل وأكثر أمانا من سيارة تسلا"، تلك الفكرة التي سخر منها موقع "موتور أوثوريتي" الإلكتروني.

فما هي الأسباب المحتملة إذن وراء المشاكل القائمة المتعلقة بالإنتاج؟ أشار مهندس بإحدى شركات صناعة السيارات الأجنبية في تركيا إلى أن الأبعاد الاقتصادية لتصنيع سيارة ذات علامة تجارية تركية هي ببساطة ليست مواتية. وقال إنه "حتى إذا قمت بتصنيع علامة تجارية تركية فإنك ستعتمد على الموردين الأوروبيين والأميركيين" في المكونات. كما شكك في أن تكون هذه العلامة التجارية مربحة بدون شبكة توزيع في الخارج، قائلا إن الحكومة تفتقر للالتزام بالاستثمار جديا في الصناعة خارج قطاع البناء ومشروعات البنية التحتية الكبرى.

ولمح خبير اقتصادي تركي طلب عدم ذكر اسمه إلى أن الشركات التركية المشاركة في المشروع تعرف أنه غير مجد من الناحية المالية. وأضاف: "الشركات المؤسسة لكونسورتيوم تي.أو.جي.جي تعلم أنه سيتم تعويضها عن خسارتها في إبرام اتفاق مع أردوغان من خلال عقد اتفاقات خاصة أو الحصول على امتيازات مالية من الحكومة".

ويقول منتقدو المشروع إنه مشروع سياسي، تستخدمه الحكومة لأغراض دعائية، لكنه يفتقر إلى الالتزام الحقيقي في المدى الطويل. وفي سنوات انتخابية سابقة، أعلنت الحكومة أنها ستصنع طائرات ركاب، لكنها لم تفعل قط. بل إن وكالة بيانيت المستقلة للأنباء أشارت إلى أن المزاعم التي أثيرت حول طائرة ركاب محلية في العام 2015 كانت تهدف إلى صرف الأنظار عن أنباء مذبحة أنقرة في ذلك العام.

المشكلة الأخيرة التي تؤثر على قطاع الصناعات التحويلية في تركيا هي نزيف العقول ونزوح الأتراك المتعلمين إلى بلدان أخرى نتيجة المناخ السياسي. وقال المهندس بشركة صناعة السيارات الأجنبية: "فقدت شركتنا 300 مهندس نزحوا إلى أوروبا وإلى الولايات المتحدة الأميركية في العامين الماضيين".

وفي الآونة الأخيرة، وردت أنباء عن فقدان أعداد كبيرة من المهندسين في أسلسان، أكبر شركة للصناعات الدفاعية في تركيا، وهو ما أقرت به الشركة على موقعها الإلكتروني. وتعرض مؤسسة "توبيتاك" الحكومية للأبحاث العلمية والتكنولوجية منحا دراسية بقيمة 24 ألف دولار سنويا لذوي المهارات العالية لتشجيعهم على العودة.

يبدو أنه على الحكومة التركية ألا تلومن إلا نفسها في الفشل المستمر في تصنيع سيارة وطنية. فإذا أرادت أن تكون واقعية حيال هذا المشروع، فعليها أن تجري تقييما حقيقيا للقطاع بأكمله وتعيد النظر في تطلعاتها. وينبغي أن يتضمن ذلك قدرا من النقد الذاتي بشأن الأسباب التي تدفع الناس إلى مغادرة تركيا، وهو ما يُستبعد أن يفعله مسؤولو الحكومة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/why-cant-turkish-government-produce-national-car
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.