جان تيومان
فبراير 03 2018

تركيا.. تكاليف مشروع مستشفيات المدن "المجنون" أكثر جنونًا

 

بينما تستعد مجموعة مستشفيات ميديكال بارك، التي تضم مستشفيات خاصة تستهدف الطبقات المتوسطة في تركيا، لطرح الأسهم الخاصّة بها للاكتتاب العام خلال الربع الأول من العام الجاري، نجد أن الأسعار المقدرة لهذه المستشفيات، تطرح حولها العديد من علامات الاستفهام. لكن علامات الاستفهام هذه ليست متعلقة بمديكال بارك وحدها، وإنما بكافة مشروع "مستشفيات المدن" التي تأتي ضمن مشاريع مجنونة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
هذه المستشفيات التي بدأ تأسيسها في 31 مدينة بأرجاء البلاد، واكتمل بعضها ودخلت الخدمة، فتحت الباب أمام سيل من الانتقادات الشديدة.
 الانتقادات تقول إن المؤسسات الصحية التي يتم تدشينها بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، تسببت في إلحاق أضرار كبيرة بالمال العام، بسبب  المدفوعات المضمونة التي تقدمها الدولة، تمامًا كما حدث في عملية إنشاء جسري السلطان ياوز سليم، وعثمان غازي.
جبهة المعارضة في البلاد انتقدت بشدة ميزانية الدولة للعام الجاري؛ لتخصيصها بدل أضرار قيمته 2.6 مليار ليرة تركية من أجل نوعية المستشفيات المذكورة.
وبخلاف المدفوعات المضمونة من الدولة المقدمة في إطار نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، هل هذه المستشفيات من الممكن أن تكون سببًا في حدوث أضرار أكبر، وهي لا تزال في طور الإنشاء؟ وها هي عملية طرح أسهم مستشفى ميديكال بارك للاكتتاب العام، تزيد الشكوك حول هذا الأمر.
وإذا أردنا توضيح الأمر بشكل أكبر، يمكننا القول إنه تم مؤخرًا توضيح سعر الاكتتاب العام لأسهم واحدة من مستشفيات ميديكال بارك التي أسسها رجل الأعمال المنتمي لحزب العدالة والتنمية، أدهم سنجاق، وأقاربه. ووفق ذلك فإن الشركة ستطرح 45 في المائة من أسهمها للاكتتاب العام بأكثر من 500 مليون ليرة. أي أن قيمة كافة مستشفيات ميديكال بارك وفق سعر الاكتتاب المعلن، تبلغ 1.1 مليار ليرة، أي ما يعادل 293 مليون دولار أميركي.
وبذلك وجد المستثمرون أنفسهم أمام سعر يبلغ 84 ألف دولار للسرير الواحد في سلسلة مستشفيات ميديكال بارك الخاصة المكونة من 25 مستشفى، تبلغ قدرته الاستيعابية 4 آلاف و100 سرير.
ومن الممكن أن يكون السعر المعروض سعرًا مخفضًا، والسبب فيه ديون الشركة التي تقول إنها ستخصص الدخل المتوقع من الاكتتاب العام، لسداد ديونها.
لكن في نفس الوقت يمكننا القول إن ذلك السعر ليس بعيدًا كثيرًا عن قيمتها العامة. مثلا نجد أن سلسلة مستشفيات لقمان الحكيم التي لها أسهم بالبورصة، وتستهدف الطبقة المتوسطة في البلاد كمستشفيات ميديكال بارك، قد تم تسعير قيمتها السوقية بأكثر من 40 ألف دولار، أي أن سعر القيمة الاستثمارية للسرير الواحد فيها يبلغ بـ102 ألف دولار، وهي التي تبلغ قدرتها الاستيعابية 395 سريرا.
ومن خلال هذين النموذجين يتضح لنا أن تسعيرة تأسيس وبيع سرير في مستشفى موجهة لمتوسطي الدخل، يتراوح بين 85 إلى 100 ألف دولار.
ولا جرم أن الأسعار المذكورة، ليست ببعيدة كثيرًا عما تقوم به الدولة من أعمال في هذا الخصوص. فعلى سبيل المثال ذكر تقرير صادر في يونيو 2016، عن وكالة تنمية شمال الأناضول التي تعتبر مؤسسة عامة، أن السعر الاستثماري لسرير واحد في مستشفى مشيد من الصفر، ومجهز بالكامل، يبلغ 90 ألف دولار تقريبا. ومن هذا السعر يتضح لنا أن سعر مستشفيي ميديكال بارك، ولقمان الحكيم في الحدود المقدرة.
وعلى الجانب الآخر نجد أن قطاع المستشفيات يشهد أيضًا خدمات فاخرة تقوم بها مستشفيات معينة يرتفع فيها سعر السرير الواحد بشكل كبير. مثلا نجد أن حجم استثمارات 881 سريرًا إجمالي القدرة الاستيعابية لمستشفى كوتش الجامعي التي أسستها مجموعة كوتش كامتداد للمستشفى الأميركي بإسطنبول التي تعرف بأنها أفضل مستشفى خاصة بإسطنبول، يبلغ 330 مليون دولار أميركي. وبذلك تكون التكلفة الاستثمارية للسرير الواحد 341 ألف دولار. وهنا يجب أن نوضح أن سبب هذه التكلفة المرتفعة يرجع إلى أن المستشفى يعتبر بمثابة كلية للطب لها نظام تبادل معلوماتي مع أشهر كليات الطب بالولايات المتحدة.
ومع هذا نجد أن سعر مستشفى كوتش، لا يختلف كثيرًا عن سلسلة مستشفيات أخرى في تركيا تندرج ضمن قائمة الخدمات الفاخرة. مثلا نجد أن إجمالي حجم استثمارات 3 آلاف سرير في مجموعة مستشفيات ميديبول المقربة من حزب العدالة والتنمية يبلغ مليار دولار أميركي، أي أن قيمة استثمار سرير واحد فيها يبلغ 333 ألف دولار.
وهناك أيضا سلسلة مستشفيات ميديكانا الفاخرة التي أسست مؤخرًا في ولاية بورصه مستشفى تبلغ قدرته الاستيعابية 300 سرير، بتكلفة بلغت 100 مليون دولار، أي أن القيمة الاستثمارية للسرير الواحد فيها يبلغ 333 ألف دولار.
وخلاصة القول فإن أقصى مبلغ من الممكن دفعه من أجل تأسيس مستشفى فاخر في تركيا يتراوح بين 330 إلى 350 ألف دولار. وكي نستوضح الأمر بشكل أفضل يمكننا عرض تكلفة هذه المستشفيات في الجدول التالي:
مشروع مستشفيات المدن

 

والآن لننتقل إلى مشروع "مستشفيات المدن" "المجنون" الذي أشرنا إليه في بداية المقال. وبدون الحاجة لإطالة الكلام، سندرج فيما يلي جدولا خاصا بالمستشفيات التي تم توقيع اتفاقياتها في إطار المشروع المذكور، ودخل بعضها في الخدمة:
كم تتكلف المستشفيات العامة:
مشروع مستشفيات المدن

 

وكما هو واضح من الجدول أعلاه نرى أن حزب العدالة والتنمية قد وقع اتفاقيات تبلغ قيمتها 9.65 مليار دولار مع شركات خاصة من أجل إنشاء 15 مستشفى بالمدن بإجمالي 24 ألفًا و842 سريرًا، وذلك بمبدأ "لن يخرج قرش واحد من خزينة الدولة".
الأرقام توضح كما هو ظاهر، أن التكلفة الاستثمارية لكل سرير واحد تبلغ 389 ألف دولار، وهذا سعر يفوق النفقات التي تقدمها سلسلة أغلى المستشفيات في تركيا، من أجل إنشاء عشرات المستشفيات الفاخرة.
وعند التفكير في البدل الذي سيدفعه الشعب التركي طيلة 25 عامًا من أجل هذه المستشفيات التي يتم إسناد عمليات إنشائها لمجموعات إنشاء مقربة من العدالة والتنمية، مثل  شركة "غاما" القابضة، وشركة "غوريش"، فإن العقل يطرح هذه الأسئلة:
أي خدمة إضافية ستقدمها مستشفيات المدن أكثر من مستشفيات ميديبول؟.
هل مستشفيات ميديكال بارك سيئة لهذا الحد؟.
في الوقت الذي ثمنت فيه وكالة التنمية التابعة للدول، ثمن التكلفة الاستثمارية لسرير واحد، فلماذت بدل التكلفة عالٍ لهذه الدرجة؟.
وختامًا إذا لم تجد هذه الأسئلة ثمة إجابة مطمئنة لها، فهذا يعني أننا "أخذنا خازوقًا".
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/hastaneler/cilgin-sehir-hastanelerinin-maliyetleri-daha-da-cilgin