تركيا تكتشف حدودها في ألمانيا

أكمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارته الرسمية التي طال انتظارها إلى ألمانيا الأسبوع الماضي.
وخلال العشاء الذي نظمه على شرف أردوغان، قال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير كل شيء بكلمات صريحة قدر الإمكان. فقد سلط الضوء على نشطاء المعارضة الذين يواجهون ضغوطا شديدة في تركيا، مضيفا أن تلك الحقائق لا يمكن تجاهلها في محادثاتهما، وعبر عن آماله في أن تعود تركيا إلى الوضع الطبيعي. وتتجاوز مثل تلك الكلمات حدود الآداب الدبلوماسية، لكن من يكتبون الخطابات من الألمان ربما اعتقدوا أنهم إذا استخدموا كلمات أكثر تهذيبا، فربما لا تصل الرسالة.
وبعد إشادتها بالعلاقات التركية- الألمانية، لم تتصنع المستشارة الألمانيا أنغيلا ميركل في كلامها أيضا. فقد شملت محادثاتها مع أردوغان كذلك موضوعات تتراوح بين إنعاش العلاقات بين البلدين، والعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وتعزيز الاقتصاد التركي، وقضية اللاجئين السوريين، والحاجة إلى إصلاح الهيكل الأمني عبر المحيط الأطلسي وترحيل إرهابيي حزب العمال الكردستاني الذين يعيشون في ألمانيا، فضلا عن مشكلات تتعلق بأنصار رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن في ألمانيا والتضامن في مواجهة عقوبات الولايات المتحدة على إيران، وسجل تركيا في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان و قضايا أخرى كثيرة.
وتحقق تقدم ملموس وإن كان متواضعا بشأن الكثير من تلك الموضوعات. وبخصوص إعادة إحياء عملية انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوربي، فإن ميركل تعد بالنسبة لتركيا وجهة جيدة وسيئة في نفس الوقت. فهي وجهة جيدة لأنه لا يمكن اتخاذ مبادرة مهمة في الاتحاد الأوروبي بدون دعم ألماني. كما أنها وجهة سيئة لأن أول وأكبر معارض لحصول تركيا على العضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي هو ميركل نفسها، التي اقترحت منح تركيا وضع شراكة مميزة بدلا من العضوية الكاملة.
وهناك موضوعان مهمان يندرجان تحت عنوان علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي: تسهيل تأشيرات الدخول وتطوير اتفاق منطقة التجارة الحرة بين الجانبين. تعهد أردوغان بأن تركيا ستستكمل المعايير الستة المتبقية اللازمة لتسهيل التأشيرات. أما بخصوص تطوير اتفاق التجارة الحرة، فإن ألمانيا تقر بأن الاتفاق يسبب ضررا غير مبرر لاقتصاد تركيا، غير أنها لا تزال تماطل. 
لم تتردد ألمانيا في دعم اقتصاد تركيا، نظرا لأنها تملك مصالح تجارية كبيرة هناك حيث تعمل أكثر من 7000 شركة في تركيا.
وبخصوص إرهابيي حزب العمال الكردستاني، فقد أقرت ميركل بأنه ينبغي للسلطات الألمانية عمل المزيد لمنع أنصار الحزب من إلحاق الضرر بالمصالح التركية في ألمانيا، غير أنها لم تقترح أي خطوة ملموسة. وربما تشهد تلك القضية المزيد من التحسن، لكن لا يمكن توقع تحقيق نتائج فورية.
وبشأن قضية غولن، قالت ميركل إن ألمانيا تحتاج المزيد من الأدلة.
وفيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على إيران، ربما توجد مساحة للتعاون بين تركيا وإيران.
وظلت ألمانيا على موقفها فيما يخص سجل تركيا السيّئ في مجال حقوق الإنسان. وقال كل من شتاينماير وميركل إن حقوق الإنسان والديمقراطية هما أساس علاقات تركيا مع المجتمع الدولي، بما يشمل ألمانيا. 
وفي رده على ميركل، تمسك أردوغان بموقفه بخصوص كل القضايا تقريبا. بشأن إرهابيي حزب العمال الكردستاني، كان بحق أكثر تحديا، لأن ألمانيا تعتبر الحزب منظمة إرهابية وأصدر القضاء التركي أوامر اعتقال بحق أعضاء في حزب العمال الكردستاني يعيشون في ألمانيا ، ولذلك فقد قال إنه لا يوجد مبرر لدى السلطات الألمانية لرفض طلبات تركيا بترحيلهم.
على الجانب الآخر من الصورة، توجد بعض الانتكاسات. فقد قالت صحيفة بيلد الألمانية إن أردوغان كان على استعداد لإلغاء مؤتمر صحفي بعد محادثات مع ميركل إذا كان الصحفي التركي جان دوندار سيحضر. ولم يحضر دوندار المؤتمر الصحفي قائلا إنه لا يريد أن يمنح أردوغان مبررا لعدم مواجهة أسئلة ناقدة من زملائه الألمان.
واستمرت الانتكاسة في كولونيا، حيث ذهب أردوغان لافتتاح مسجد لمؤسسة ديتيب المدعومة من تركيا. وقدرت المؤسسة أن 25 ألف تركي سيحضرون المناسبة، لكن مجلس بلدية كولونيا رفض السماح بتنظيم تجمع كبير في مكان مفتوح وتمت المراسم كحدث في مكان مغلق بحضور 500 ضيف مدعو. 
ورفضت هنريتا بيكر رئيسة بلدية كولونيا وأرمين لاشيت رئيس وزراء ولاية نورد راين فستفاليا دعوة أردوغان لحضور الافتتاح.
كما رفض مالك قلعة تاريخية كان من المقرر أن تُجرى فيها محادثات أردوغان ولاشيت استضافة الاجتماع. 
ولابد وأن رفاق أردوغان الذين شاركوا في التحضير لزيارة كولونيا ضمن الجولة لم يحسنوا النصح له. وعلى الرغم من ذلك، من المؤكد أنه أدرك حدود ما يمكن لتركيا أن تفعله فيما يتعلق بتنظيم تجمعات حاشدة في بعض البلدان الأوروبية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-germany/turkey-learns-its-limits-germany
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.