تيم لويل
فبراير 19 2018

تركيا تميل أكثر فأكثر إلى القوة الحادة

نعرف منذ زمن بعيد ما يميز بين القوة الصلبة، أو العسكرية، والقوة الناعمة التي تمتلكها الثقافات الديمقراطية المتحضرة صاحبة الفكر وما لها من تـأثير على الآخرين. لكن أُضيف إلى هذين النوعين من القوة في الآونة الأخيرة مفهوم "القوة الحادة" الذي طرحه كريستوفر ووكر وجيسيكا لودويج في مجلة فورين أفيرز. 
يستخدم ووكر ولودويج هذا المصطلح الجديد لوصف استخدام وسائل غير عسكرية، لا من باب السعي لكسب تأييد وإعجاب قوى في الخارج، لكن كوسيلة الغرض منها عرض صورة مشوهة للعالم من أجل إرباك الدول الأجنبية وإحداث انقسام بينها.
كتب ووكر ولودويج يقولان "على عكس بعض التحليلات السائدة، فإن النفوذ الذي مارسته بكين وموسكو من خلال مبادرات في مجالي الإعلام والثقافة ومراكز البحوث والمؤسسات الأكاديمية ليس ‘هجوما بالسحر’ كما سماه المؤلف جوشوا كورلانتزيك.
"كما أنه ليس جهدا ‘لمشاركة أفكار بديلة’ أو ‘توسعة دائرة النقاش’ كما يحلو لمسؤولي التحرير الصحفي في المنافذ الإعلامية الحكومية في روسيا والصين أن يصفوا ما يفعلونه به. إنه لا يتعلق بشكل أساسي بالجذب أو حتى الإقناع، بل يتركز على التشتيت والمناورة. هذه الأنظمة المستبدة التي لديها طموح ونفوذ، والتي تقمع بشكل ممنهج التعددية السياسية وحرية التعبير للحفاظ على سطوتها في الداخل، تطبق بشكل متزايد المبادئ ذاتها على الساحة الدولية".
واحتضن أستاذ العلوم السياسية جوزيف ناي، وهو أول من ابتدع مصطلح "القوة الناعمة"، هذا المفهوم الجديد.
كتب ناي ردا على مقال فورين أفيرز يقول "هناك تاريخ طويل من التلاعب بالأفكار والتصورات السياسية والعمليات الانتخابية... فقد لجأ كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لمثل هذه الوسائل إبان الحرب الباردة. وقد حاولت الحكومات المستبدة طويلا استخدام الأخبار الكاذبة والتشتيت الاجتماعي من أجل الحد من جاذبية الديمقراطية.
"الجديد ليس النموذج الأساسي ولكن السرعة التي يمكن لمثل هذا التضليل أن ينتشر بها والتكلفة المنخفضة لنشره. الفضاء الإلكتروني أرخص ثمنا وأسرع وأكثر أمانا وإمكانية التبرؤ منه أكبر مما هو الحال مع الجواسيس. ومن خلال جيوشها من شبكات الكمبيوتر والمتصيدين المأجورين، إلى جانب منافذ مثل روسيا اليوم وسبوتنيك، تمكنت المخابرات الروسية من تشتيت وتعطيل دوائر الأنباء أسبوعا تلو الآخر.
وفي مقاله، أكد ناي على أن القوة الحادة لا ينبغي محاربتها بالقوة الحادة نظرا لأن الأساليب المستبدة والمخادعة التي تتطلبها القوة الحادة تقلل من جودة الديمقراطية وجاذبية الثقافة للغرباء -- أو ما يعرف بالقوة الناعمة -- وهو جوهر ما تسعى إليه الدول المعادية في المقام الأول.
من ثم، ليست مفاجأة أن يكون تحول تركيا من سياسات القوة الناعمة إلى أساليب القوة الحادة قد حدث إلى حد كبير في سياق الاستبداد المتنامي خلال الجزء الأول من العقد الحالي عندما شعر الموالون للحكومة بالوقوع تحت المزيد والمزيد من الضغط من العالم الخارجي.
وكان من الأمثلة الخرقاء المبكرة التي حلت على الساحة موقع إلكتروني اسمه كباب وجمل. كانت الفرضية التي يقوم على أساسها الموقع أن الصحفيين الأجانب في تركيا يتصرفون بنوع من الإجحاف ويرسمون صورة للبلاد على أنها تتجه إلى الاستبداد لأن "دوائرهم المقربة" من العلمانيين الأثرياء يشعرون بالاستياء من تنامي نفود ونجاح وحرية جيرانهم المتدينين. وعلى الرغم من أن الموقع كان يحقق نجاحا مباشرا بين الحين والآخر في نشر أخبار مضللة، فإنه لم يفعل سوى القليل لتدمير سمعة واشنطن بوست أو ذا تايمز في الوقت الذي كان يتعرض فيه كُتَّابهما للتشويه داخل دوائر حزب العدالة والتنمية ضمن مخطط لاستبدال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء وقتها أحمد داود أوغلو.
تقول مصادر موثوقة إن ذلك التشويه بدأ داخل أروقة "إيوان بيليكان" على شاطئ البوسفورحيث كان محرك قوة حادة أكثر حدة يُشحذ، وهو شركة علاقات عامة تسمى البوسفور جلوبال تدير عشرات الحسابات على موقع تويتر وعدة مواقع إلكترونية شغلها الشاغل استهداف من يُنظر إليهم على أنهم أعداء لتركيا وزعيمها.
أما موقع فاكت تشيك أرمينيا (FactCheckArmenia.com)، وهو موقع إلكتروني تديره مجموعة أخرى تربطها علاقات وطيدة بالحكومة التركية، فذهب إلى الاستعانة بطائرات الكتابة بالدخان في السماء فوق مدينة نيويورك الأميركية لإنكار الإبادة الجماعية بحق الأرمن بينما كان راقصون يرتدون قمصانا من العَلَم التركي يؤدون استعراضا على الأرض.
فضلا عن هذا، هناك النمو غير المعقول في المنافذ الإعلامية التي ترعاها الحكومة بالإضافة إلى وسائل الإعلام المملوكة اسما لبعض من حلفاء أردوغان المقربين من مقاولي البناء، والتي وصفتها متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية في أكتوبر بأنها "شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص" وهو وصف لا يجانب الصواب بالكلية.
وكان باستطاعة تلك المنافذ الإعلامية أن تتجه بشكل كبير إلى مسار القوى الناعمة، بهدف أن تصبح مثل هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أو الجزيرة، لكن تغطياتها صارت تموج أكثر فأكثر بالهجوم وفي بعض الأحيان بالمعلومات المغلوطة.
كان المسار السالف الذكر قد استُخدم من قبل صحيفة تودايز زمان الناطقة بالإنجليزية والتابعة لحركة غولن المنحلة. وقد ظلت الصحيفة طويلا مؤيدة لحزب العدالة والتنمية حتى بدأت الحركة تعد لمعركة وجودية ضد الحكومة في أوائل عام 2013. وكانت تغطيتها لتركيا تهدف إلى إظهار القوة الناعمة وجذب الشركات والسياحة وتسليط الضوء على الجوانب الأكثر تقبلا لدى العالم الخارجي في أحاديث ساسة الحكومة.
وكتب ووكر ولودويج يقولان "من خلال القوة الحادة، تبدو قيم الأنظمة المستبدة غير الجاذبة بشكل عام -- والتي تشجع على احتكار السلطة والسيطرة الهَرَمية لرأس السلطة والرقابة وشراء الولاءات أو فرضها -- براقة، ومن يتأثرون بذلك ليسوا جمهورا بقدر ما هم ضحايا".
وبعبارة أخرى، تصبح مهمة الترويج لمناقب "القوة الناعمة" من مجتمع شاب ونابض بالحياة واقتصاد في وضع جيد وثقافة جذابة، أكثر صعوبة عندما تكون صرخات الضحية على وقع أصوات إطلاق النار.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: