تركيا تواجه خيارات خارجية صارمة بعد الانتخابات

أياً كان من سيقود تركيا في أعقاب الانتخابات المزمع إجراؤها في 24 يونيو المقبل فإنه سيواجه مشهداً دولياً شاقاً
ففي الجوار مباشرة، فإن تركيا تجد نفسها تنجرّ بصورة متزايدة إلى دوامة الحرب الأهلية السورية، والاشتباك مع اليونان بسبب قضايا تتعلق بالحدود والموارد الطبيعية وجزيرة قبرص المقسمة.
وفي مناطق أبعد من ذلك قليلًا، فإن تركيا منخرطة في حرب كلامية مع إسرائيل بسبب محنة الفلسطينيين ووضع القدس، كما أنها على خلاف مع مصر منذ الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي إليها الرئيس السابق محمد مرسي في عام 2013.
كما أن تركيا منخرطة في خلافات مع عدد من دول الخليج من بينها المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، منذ دعمها لدولة قطر، وأيضاً بسبب تأثير أنقرة المتوسع على طول ساحل البحر الأحمر في أفريقيا. 
ومن ناحية الغرب، فإن علاقات تركيا مع أوروبا متوترة. وقد ماتت محاولة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولم تعد الكثير من العواصم الأوروبية ترحب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
فعندما يقوم أردوغان بزيارة إلى عاصمة أوروبية، مثل رحلته الأخيرة إلى بريطانيا، فعادة ما تكون العواقب غير سارة.
كما أن علاقات تركيا مع الولايات المتحدة الأميركية؛ الحليف التقليدي الأكثر أهمية بالنسبة لتركيا، على وشك الوصول إلى القاع. كما توجد قائمة متزايدة من النزاعات بين من يبدو أنهما حليفان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مثل تقارب تركيا مع روسيا، وعدم تسليم الولايات المتحدة رجل الدين التركي المتهم بتدبير محاولة الانقلاب العسكري التي شهدتها تركيا في عام 2016، ودعم الولايات المتحدة للقوات الكردية السورية، ومحاكمة تركيا للقس الأميركي، والغرامات التي من المحتمل أن تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على بنك خلق التركي الذي تملكه الدولة للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
وخلال الشهر الماضي، أصبح تسليم جيل جديد من طائرات إف-35 إلى تركيا نقطة خلاف أخرى. وقد أرسل الكونغرس الأميركي ووزير الخارجية الأميركي الجديد؛ مايك بومبيو، إشارات واضحة بأن الإدارة الأميركية قد توقف البيع ردا على شراء تركيا قذائف مضادة للطائرات روسية الصنع.
وأسفرت التصرفات العدائية لتركيا، على الساحة الدولية، عن التحول عن منهج متعدد الأطراف في السياسة الخارجية إلى منهج حازم وأحادي الجانب، حيث أن أردوغان يزخرف التأطير السردي لرئاسته فيما يتعلق باستعادة الأمجاد العثمانية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن وعود أردوغان الفخمة يبدو أنها غير مستدامة بصورة متزايدة، حيث تنتقل تركيا من أزمة دولية إلى أخرى، وحيث أن تزايد الضغط الاقتصادي والموارد يصرف الانتباه عن قضايا السياسة الخارجية.
وفي ظل هذه الظروف، فإن تركيا تحتاج إلى إعادة تقويم سياستها الخارجية للتركيز على أهداف أكثر واقعية. وينبغي أن تعود تركيا إلى أسلوب الانخراط متعدد الأطراف الذي ميز السنوات الأولى من حكم أردوغان.
لكن الأقوال أسهل من الأفعال. فالعديد من الضغوط في العلاقات الدبلوماسية التركية مفتعلة تمامًا، وتنشأ بسبب أن السياسة الخارجية أصبحت أداة لخدمة الأجندة السياسية المحلية.
وفي حالة احتفاظ أردوغان بالسلطة، فإن إعادة ضبط السياسة الخارجية سيتطلب منه تجاهل كبريائه وتخفيف لهجته الخطابية. وقد تكون هذه خطوة بعيدة جدًا بالنسبة لأردوغان، على الرغم من أنه قدم نفسه في الماضي على أنه قادر على البراغماتية.
وسيكون من الأسهل لأحزاب المعارضة التحريض على التغييرات في السياسة الخارجية، حيث إن حزمة أيديولوجيات حزب العدالة والتنمية الحاكم تعوقهم. لكن أحزاب المعارضة لديها إيديولوجياتها الخاصة وتفتقر إلى الخبرة في التعامل مع القضايا الدولية.
ولهذا السبب، فإن مرشحي حزب المعارضة في حاجة إلى المضي قدما وإطلاع كل من الجماهير المحليين والدوليين على نوع المستقبل الذي يرونه من أجل تركيا، وأن يعرضوا بعض القضايا المحددة وطرق حلها.
وعلى الرغم من أن هذا يبدو صعبًا، فإن تركيا تحتاج إلى إعادة التفكير في سياستها الخارجية للفرار من النفق الذي حفرته لنفسها في السنوات الأخيرة. والفشل في القيام بهذا سيكون له عواقب وخيمة، ليس فقط على صورة تركيا التي تشهد تضررا متزايداً في أنحاء العالم، لكن أيضا في الداخل، وهذا مؤلم أكثر.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkey-faces-tough-foreign-policy-choices-after-elections
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.