جان تيومان
مايو 18 2018

تركيا.. تواطؤ العدالة والتنمية مع رجال الأعمال يكلف الخزانة المليارات

ساسكاتشوان اسم مقاطعة كندية لو رددناه بين المواطنين الأتراك، لن يعرفها أحد؛ في حين أن تركيا معروفة بشكل كبير في هذه المقاطعة الواقعة وسط كندا. أما السبب في تلك المعرفة، هو رجل أعمال شاب، يدعى مراد الكاتب، وهو ملياردير، رغم أنه ما زال في الثالثة والأربعين من عمره.

ومراد الكاتب، ابن عائلة هاجرت من تركيا لكندا في ستينيات القرن الماضي، والده فاتح الكاتب يعمل طبيب أسرة في كندا، أما والدته فيحان هانم، فمديرة محلية.

كما أن هناك شخصاً آخر يعيش في المنطقة نفسها التي يعيش فيها مراد، ويحمل لقبه نفسه، ألا وهو عمر الكاتب؛ الذي يحمل لقب القنصل الفخري لتركيا في مدينة ساسكاتون الواقعة وسط مقاطعة ساسكاتشوان المذكورة.

رجل الأعمال مراد الكاتب، بحسب ما ذكره هو، يتحدث اللغة التركية بطلاقة، رغم أنه ولد في كندا ويعيش فيها. وذكر أيضًا أن السبب في حفاظه على لغته الأم هو أنه في طفولته وشبابه كان حريصًا على قضاء العطلات الصيفية في تركيا، مشددًا على أهمية ذلك في تمكنه من تحدث التركية بطلاقة. ولا سيما أن قصة نجاحه التي جعلت منه أحد أغنى رجال الأعمال في كندا، بدأت حينما كان في أحد الرحلات لتركيا، ولقائه رجل أعمال شهير كان له بالغ الأثر فيما وصل إليه الكاتب.

مراد الكاتب بعد أنهى دراسته الجامعية، بدأ العمل في الإدارة المالية الدولية بشركة التجارة والتصدير (STEP) التابعة لمقاطعة ساسكاتشوان، والرجل في ظل هذا العمل يقوم برحلات عمل لأكثر من 60 دولة حول العالم.

وفي فترة من الفترات، وبعد إحدى زياراته لتركيا، ترك الكاتب عمله المضمون في القطاع العام، وقرر إطلاق الشراع نحو مستقبل مجهول وظيفيًا. وفي العام 2003، قام مراد الكاتب بتأسيس شركة للتجارة في العدس، وكافة أنواع الحبوب الأخرى التي يقوم بجمعها من المزارعين المنتجين بالمنطقة التي يعيش فيها.

وفي ذلك التوقيت الذي يصادف وصول حزب العدالة والتنمية التركي للسلطة، توسعت وبدون سابق إنذار أعمال مراد الكاتب. وربما أن السبب فيما وصل إليه الكاتب، وشريكه التركي الذي أقحم نفسه في هذا العمل، هو ما يقوم به الحزب الحاكم من إعداد حزم مساعدات اجتماعية مليئة بالحبوب والمعكرونة، أو يكون السبب في هذا موضة التغذية بالعدس والبرغل(القمح المجروش) المنتشرة بين الشعب التركي، وهما سببان يدفعان البلاد لاستيراد مزيد من الحبوب من الخارج لتلبية احتياجاتها.

وفي هذا المقام دعوني أقل لكم إنه بينما كانت واردات الحبوب في تركيا 375 مليون دولار عام 2002، فإنها ارتفعت إلى 696 مليون دولار في العام 2003.  وفي الوقت الذي بدأت تتسارع فيه وتيرة أعمال مراد الكاتب بما حصل عليه من قوة دفع من وطنه الأمر، قام عام 2007 بافتتاح شركة له في البورصة حملت اسم "AGT" المتخصصة في الصناعات الغذائية، وعام 2016 حصل على جائزة "مستثمر العام" من كندا.

والآن أصبحت شركة"AGT" التي تعد ماركة مراد الكاتب، شركة ناجحة بها ألفا موظف، ولها منشآت وفروع إنتاجية في 5 قارات حول العالم، واقتربت قيمة مبيعاتها الإجمالية من 2 مليار دولار في العام.  وفي نفس الوقت فإن مراد الكاتب، بات رجل أعمال محبوباً من قبل المزارعين الكنديين لإيجاده مشترين للحبوب التي يزرعونها، وللإسهامات غير العادية التي قدمها لمجال زراعة الحبوب في ذلك البلد، ولتنازله عن ضريبة القيمة المضافة في كندا. أما معرفة الأتراك وتركيا في مقاطعة ساسكاتشوان، فيرجع لقيام مراد الكاتب بتصدير وبيع جزء كبير من الحبوب التي يجمعها من المزارعين الكنديين، إلى تركيا.

وفي ذات الوقت فاز مراد الكاتب، العام الماضي، بجائزة من غرفة التجارة الدولية؛ لإسهاماته في إيصال المساعدات الغذائية لملايين الأسر اللاجئة المتأثرة جرّاء الأزمة السورية. وفي حقيقة الأمر تعتبر  هذه الجائزة وثيقة تبين لنا بكل وضوح، ومن دون أي لبس، منشأ الحبوب الموجودة في السلال الغذائية التي أمنتها تركيا بإنفاق مليارات الدولارات ووزعتها على المستحقين من السوريين.

ولنتحدث الآن عن الرحلة التي زار فيها مراد الكاتب تركيا، ورجال الأعمال الذين تعرف عليهم أثناء هذه الزيارة، وكانوا سببًا في دخوله ضمن قائمة أصحاب المليارات، وهو لا يزال في سن مبكرة من العمر. رجال الأعمال هؤلاء هم الأخوة، حسن وحسين ومحمود أرسلان، من ولاية مرسين، ولا أحد غيرهم. فثلاثتهم يترأسون شركة تقوم بأنشطة في مجالي الحبوب، واسم ماركتهم في هذا المجال هو "أربَل"، وكذلك شركة في مجال تصنيع المكرونة تحت اسم ماركة "أربيلّا".

العائلة التي لا يخفى على أحد مدى قربها من حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد،يعلم الرأي العام التركي عنها سلسلة من التطورات التي تنطوي كل واحدة منها على فضيحة ما، وذلك مثل شراكتها مع "مسعود بارزاني" الرئيس السابق لإقليم شمال العراق في شركة " Europan Tabacco" للتبغ، وكذلك قيامها ببيع شركة "Full Petrol" للنفط لشركة "دوغان القابضة"، واستيراد المنتجات الزراعية المعدلة وراثيًا.

ومن المعروف أيضًا للجميع مدى العلاقات التي تربط هذه العائلة بكندا، على خلفية استيراد الحبوب التي تعتبر الأخيرة أكبر مورد لتركيا في هذا المجال. حتى إنه في العام الماضي فاز حسين أرسلان، الرئيس التنفيذي لشركة "أربَل" لاستيراد الحبوب، بجائزة شرفية من كندا، تلك الجائزة تعرف باسم "وسام المقاطعة"، والتي تعتبر أعلى جائزة تعطى للأجانب، وقد تسلمها أرسلان من براد وال، رئيس وزراء مقاطعة ساسكاتشوان بصفة شخصية. والسبب في منح هذه الجائزة لأرسلان الذي يعتبر أول تركي يفوز بها، هو ما اعتبره المسؤولون الكنديون، إسهامات هذا الرجل في تصدير العدس من بلادهم لوجهات خارجية، تأتي في مقدمتها تركيا بالطبع. 

من جانب آخر فإن ماركة "أربَل" للحبوب التي يتولى حسين أرسلان رئاستها التنفيذية، تقوم بأنشطة أخرى غير دعم شراء المنتج لشركة "AGT" المتخصصة في الصناعات الغذائية التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال الكندي، تركي الأصل مراد لكاتب. فبينما اتجهت شركة "أربل" للاتحاد مع شركة "AGT" في العام 2008، نجد أن حسين أرسلان، هو رئيس مجلس إدارة الشركة الأخيرة التي يظهر على الورق ملكيتها لمراد الكاتب.

حسنًا قد يسأل البعض لماذا قمنا بعرض كل ذلك. لأن كل هذه التفاصيل التي عرضناها، وفيها ما فيها من علاقات ومحسوبيات بين النظام ورجال الأعمال، جعلت إجمالي النفقات التي صرفت لاستيراد الحبوب من الخارج ترتفع لأرقام فلكية يمكن للشخص العادي أن يدركها بكل وضوح، إذا ما قارن بين الأرقام التي كانت قبل وصول العدالة والتنمية للحكم، وما هي عليه الآن. 

ففي العام 2002 قبل وصول ذلك الحزب لسدة الحكم، كانت قيمة استيراد الحبوب من الخارج 375 مليون دولار فقط، لكن في العام 2014 ارتفعت هذه القيمة إلى 2.3 مليار دولار، ما يعتبر رقمًا قياسيًا بكل المقاييس. وبحسب المعطيات الاقتصادية التي غطت الربع الأول من العام الجاري، فإن هناك زيادة كبيرة في استيراد الحبوب من الخارج، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ما قامت به الحكومة التركية العام الماضي من تحريرٍ للجمارك المتعلقة بواردات الحبوب.

القيمة الإجمالية لاستيراد الحبوب من الخارج كلّف الخزينة التركية 1.7 مليار دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 3 مليارات دولار سنوية في العام الجاري، بسبب أذونات التوريد التي تمتد حتى نهاية العام. ولقد شهدت السنوات الــ15 الماضية تفريط تركيا في 65 في المِائة من مجالات إنتاج الحبوب لصالح قطاع التشييد والإنشاء، وقد انخفض إنتاجها في تلك المجالات بنسبة 41 في المائة، وبالتالي سرعان ما تحركت الدولة بسبب التضخم الذي تسببت فيه زيادات الأسعار في إنتاج الحبوب. وفي هذا الصدد قامت لجنة الغذاء بالبرلمان التركي، التي يترأسها حزب العدالة والتنمية، بتحرير كافة واردات الحبوب وخفض كل أشكال الحواجز الجمركية.

ولا شك أن قرارًا مثل هذا من شأنه إدخال الفرحة والسرور على عائلة أرسلان، ومراد الكاتب وشركته "AGT" للصناعات الغذائية التي تعتبر أكبر مصدر للحبوب الكندية كما سبق وأن ذكرنا آنفًا. وبالطبع فإنه في ظل هذا القرار يقوم المزارع التركي بعمله، بينما المستفيد والكاسب للأموال هو المزارع الكندي..

والآن لنسلط الضوء في هذا المقال على نقطة مثيرة جداً، وهي أنه سبق وأن تقدم أحدهم برفع دعوى قضائية ضد اثنين من عائلة أرسلان، التي كما تعلمون حققت مكاسب فلكية من استيراد الحبوب إلى تركيا، هذه الدعوى كانت ضد كل من محمود، وحسن أرسلان، ولقد وردت في العريضة التي قدمها محاميهما هذه الجمل:

"موكلاي الاثنان معروفان بقربهما من حزب العدالة والتنمية، ومن رئيس جمهوريتنا رجب طيب أردوغان، والسيد محمود أرسلان، سبق أن تم ترشيحه عن الحزب المذكور لرئاسة البلدية الكبرى بمدينة مرسين".

رجل الأعمال، نجات غول سَفَن الذي رفع الدعوى ضد الشقيقين أرسلان، قام بناء على ما ورد في العريضة التي قدمها المحامي، بالتقدم بطلب إلى الادّعاء العام ضد محمود وحسن أرسلان، ومحاميهما مراد آلطين دَرَه، مشيرًا إلى أن هذه العبارات المقصود منها وضع هيئة المحكمة تحت الضغط.

وطالب رجل الأعمال غول سفن، ببدء التحقيق في أربع تهم ضد الأشخاص المعنيين. لكن مصير تلك التحقيقات التي تم فتحها،وكذلك درجة قرب الأخوة "أرسلان" من الرئيس رجب طيب أردوغان، لا زال سرًا غامضًا لا يعرف عنه أحد شيئًا. لا سيما أن أذونات توريد الحبوب التي يحصلون عليها في يد حكومة العدالة والتنمية ولا أحد غيرها.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ithalat/akpnin-milyar-dolarlik-mercimegi-firina-verme-hikayesi