تركيا: حركة غولن وما بعدها.. أسئلة كثيرة بلا إجابات!

لم يمر الكثير من الوقت على فشل محاولة الانقلاب في الإطاحة بنظام الرئيس رجب طيب أردوغان في يوليو 2016، إلا وقد أخذت قضية "الجماعات" أو المجموعات الدينية في تركيا منحى آخر تماما في النقاشات بين المحللين والمراقبين داخل البلاد وخارجها.
وأصبحت كلمة "جامات" باللغة التركية (جماعة باللغة العربية) تكاد تكون مرادفة تماما للحركة المرتبطة بالداعية التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، والذي يلقي كثيرون عليه باللوم في محاولة الانقلاب، ومن أبرز هؤلاء بالطبع حزب العدالة والتنمية.
وبفضل شبكة واسعة من المدارس الدولية التي تتبع الحركة حول العالم، تمكنت جماعة غولن من تجنب التفكك بشكل كامل، بعد أن عملت أنقرة على تطهير جميع أجهزة الدولة من أتباعه في أعقاب محاولة الانقلاب.
لكن للتوصل إلى فهم أفضل للتأثير الكبير لهذه الحركة في تركيا، علينا أن نعود في التاريخ إلى عام 2002 حينما لعبت حركة غولن دورا حاسما في دعم حزب العدالة والتنمية في الأيام الأولى لحكمه، وتعاونت مع قادته لسحق خصومهما العلمانيين قبل أن تصبح الشقوق في علاقتهما واضحة للعيان منذ عام 2009.
واتسعت هذه الشروخ لتؤدي في نهاية المطاف إلى شقاق وعداء بنهاية عام 2013 عندما بدأ مسؤولو الادعاء العام والشرطة، الذين يشتبه في وجود صلات لهم بحركة غولن، في إجراء تحقيقات فساد بحق مجموعة من الشخصيات البارزة المرتبطة بالحكومة، ومن بينهم أبناء لوزراء في حزب العدالة والتنمية.
وكانت النتيجة الأبرز لهذه التحقيقات هي نهاية شهر العسل بين الحزب الحاكم وجماعة غولن، بعد سنوات من التعاون الوثيق، ولم تكن هناك إشارة أوضح على وقوع هذا الخلاف من تصريحات أردوغان وقتها، حينما أعرب عن أسفه إزاء تدهور العلاقات بين الكيانين، بعد أن أعطى أعضاء الحركة "كل ما يريدونه" بحسب تعبيره. لكن لم ينته الأمر عند حد الطلاق الهادئ، وإنما ساء أكثر وأكثر ليتحول إلى حرب صريحة بين الطرفين.
وقال أردوغان لاحقا إن حركة غولن كانت تستهدف فرض سيطرتها على أذرع الدولة، كما أطلق عليها اسما جديدا وهو "الكيان الموازي". لكن قبل هذه التطورات، كان العديد من المواطنين يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية يدير الدولة لسنوات بالتعاون مع حركة غولن.
وبينما كان هذا التعاون قائما، عمل أتباع غولن في الشرطة والقضاء جاهدين لوأد أي معارضة يمكن أن تصبح مصدر إزعاج للحكومة. فعلى سبيل المثال، ألقت الشرطة في مارس 2011 القبض على الصحفي الاستقصائي أحمد شيك وظل قابعا وراء القضبان لمدة عام قبل الإفراج عنه إلى حين محاكمته، وذلك بعد أن كان بصدد طرح كتابه "جيش الإمام" الذي هدد بكشف النقاب عن ممارسات حركة غولن. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث حظرت السلطات كتابه وتمت مصادرة جميع النسخ قبل نشره.
وفي قضية أخرى، لم تشفع الأعمال الخيرية للطبيبة توركان صيلان، وجهودها لتأسيس جمعية "دعم الحياة المعاصرة"؛ المعنية بالعمل على ضمان حصول الفتيات الصغيرات على التعليم، لها لدى السلطات التي ألقت القبض عليها في مداهمة نفذت عند الفجر في إطار القضية المسماة (أرغنكون)، والتي انطوت على سلسلة واسعة من التحقيقات بحق شخصيات علمانية بارزة، كان يشتبه بتورطهم في مؤامرة غامضة ضد الحكومة، وتكشف لاحقا أن هذه التحقيقات استندت إلى حد كبير على أدلة واهية أو ملفقة.
وكانت صيلان، البالغة من العمر 73 عاما، تخضع وقتها للعلاج الكيميائي حينما تم اعتقالها ومصادرة جميع الوثائق الرقمية والورقية الخاصة بها. وتوفيت وهي قيد الاحتجاز بعدها بـ 32 يوما جراء تدهور حالتها الصحية متأثرة بمرض السرطان.
وبعد انفصال الحركة عن حزب العدالة والتنمية، تعرضت جمعية (هل من أحد هناك؟) المرتبطة بغولن لعملية مداهمة مماثلة من جانب الشرطة.
وكتب وقتها أكرم دومانلي، رئيس تحرير صحيفة "زمان" اليومية، وهي أكبر وسيلة إعلامية تابعة للحركة، مقالا يتساءل فيه عما إذا كانت أي جمعية أخرى من جمعيات المجتمع المدني قد تعرضت لمثل هذه المعاملة. وأضاف: "إن هذا السلوك الانتقامي تجاه جمعية (هل من أحد هناك؟) يعد مثالا للتمييز (من جانب الحكومة)."
لكن عندما كان التحالف بين حزب العدالة والتنمية وغولن في أوج قوته، تبنت صحيفة "زمان" موقفا مختلفا تماما تجاه جمعية "دعم الحياة المعاصرة" التي أسستها الطبيبة الراحلة صيلان.
ففي ذلك الوقت، نشرت الصحيفة سلسلة من المقالات المضللة لتشويه صورة الجمعية ووصفتها بأنها واجهة لشبكة دعارة توظف الفتيات الصغيرات للإيقاع بالضباط العسكريين وممارسة النفوذ عليهم للعمل لصالح أصحاب الجمعية. كما كالت الصحيفة الاتهامات للجمعية "بتقديم إعانات مالية للإرهابيين" و"دعم حركة انفصالية" في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا بهدف انتزاع حكم ذاتي للأكراد منذ عام 1984.
وسلط الصحفي دوغان أمين الضوء على الروح العدائية التي أظهرتها حركة غولن تجاه الغرباء والكيانات المختلفة الأخرى في ذلك الوقت في مقال له على موقع "تي 24" الإخباري التركي في أكتوبر 2014 رصد فيه كيف هاجم مقال صحيفة "زمان" المؤرخ في 18 أبريل 2009 جمعية (دعم الحياة المعاصرة) بزعم فضح دعمها "للإرهابيين" عن طريق منحهم إعانات مالية، علاوة على تضمنه ادعاءات بأن معظم الفتيات المدرجات على قائمة المستفيدين من المنح التابعة للجمعية لديهن صلات مزعومة بحزب العمال الكردستاني. ولم يكتف مقال "زمان" بهذا، بل ونشر كذلك قائمة باسماء هؤلاء الفتيات بالرغم من عدم صدور أي حكم قضائي ضدهن.
وكما هو واضح فيما ذكرت سابقا، فإن حركة غولن تمكنت من اختراق أجهزة الدولة في عملية أخذت الكثير من الوقت والجهد وجندت خلالها الكثير من السياسيين من أجل توسيع نموها الاجتماعي أفقيا ورأسيا.
واستطاعت الحركة على مدى سنوات أن تزرع أتباعها في المواقع الرئيسية في المجال العام، خاصة في قطاعي التعليم والشرطة، وهو ما مكنها بالتالي من فرض سيطرتها على عناصر الضغط التي توجه دفة السياسة التركية، بالإضافة إلى حمل شعلة توسيع نطاق نفوذ الإسلام السياسي ذو الصبغة الفاشية مستفيدة من تركيبة المزج بين الروح القومية التركية والميل إلى التدين، وهي توليفة بزغت بعد عام 1980، لا سيما في عهد الرئيس السابع كنعان أورن تحت ستار مكافحة الشيوعية واستغلها بعده الرئيس الثامن توركوت أوزال.
ولم يكن سوى فتح الله غولن من ساهم في بزوغ هذه النزعة "الإسلامية - الفاشية" في الثمانينيات من القرن الماضي، من خلال إصدار مجلة (سيزينتي) أو (الينبوع باللغة التركية) قبل أن تأمر السلطات بإغلاقها عام 2016 بعد أن واجهت اتهامات لم يكن أعضاء الجماعة ليتخيلوها في أسوأ كوابيسهم.
وبعد أن أطلق أردوغان وصف "الكيان الموازي" على حركة غولن، وجد أعضاء الجماعة أنفسهم بلا حول ولا قوة في مواجهة العاصفة.
فبجانب متطوعي حركة "الخدمة" (الاسم الذي يطلقه أتباع غولن على الحركة) الذين ألقي القبض عليهم بسبب العمل لصالح أذرع الجماعة، لم يكن لدى عشرات الأشخاص الذين يعملون مع الحركة أدنى فكرة أنهم متورطون في شبكة تسلل مزعومة، والأنكى من ذلك أن قطاعا كبيرا منهم كان يعمل في منظمات الحركة دون أن يكون لديهم انتماء حقيقي لها.
وعندما أتحدث عن ممارسات "عصابة إجرامية" مزعومة، أتحدث بالتحديد عن العديد من الوقائع التي كانت موضع انتقادات قاسية من جانب الديمقراطيين الليبراليين داخل الحركة أيضا.
فنحن لدينا قائمة طويلة من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الجماعة في ذروة تحالفها مع النظام الحاكم في أنقرة، بدءا من المخالفات في اختبارات الخدمة المدنية في تركيا، مرورا باعتقال صحفي بسبب كتاب لم ينشر بعد، والتفوق غير الاعتيادي لأعضاء الحركة في مسابقات التوظيف في مؤسسات الدولة، وانتهاء برفض أوراق أصحاب الكفاءات، وتوظيف أطباء ومعلمين دون أن يمارسوا أي عمل حقا، وهلم جرا.
ولم يكن هناك يوم واحد يمر خلال فترة "تحالف حزب العدالة والتنمية مع الحركة" دون تفجر فضيحة ما هنا أو هناك، حتى بالرغم من رفض الضحايا في أغلب الأحيان التحدث إلى الصحافة عما تعرضوا له من ظلم خشية العواقب.
ومن الممكن الإسهاب أكثر وأكثر حول حملات التشهير ومظاهر الجور التي تسببت بها الحركة في فترة ازدهار شراكتها مع الحكومة.
ومع ذلك، هذا لا يبرر بأي شكل من الأشكال الحملة الأمنية العنيفة ضد أعضاء الجماعة، عقب محاولة الانقلاب في عام 2016، والتي تجلت مظاهرها في مصادرة أصول الأفراد بشكل غير قانوني لمجرد أنهم أعضاء في الحركة، وفصل عشرات الآلاف من الأشخاص من وظائفهم دون أي أساس قانوني، والتجريم العشوائي لموظفي الدولة، والحط من كرامة الناس وشرفهم عن طريق نشر مقالات مهينة وقاسية عبر وسائل الإعلام الحكومية، كما حدث في الماضي ضد الشيوعيين في تركيا، علاوة على جر النساء اللواتي أنجبن للتو بالقوة من المستشفيات مع أطفالهن حديثي الولادة، ليوضعوا في السجون، وممارسات الاغتصاب والتعذيب وسوء المعاملة، كما هو موثق في التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية.
فكل ما يجري القيام به في تركيا حاليا يشبه عمليات "الإعدام دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة"، سواء فيما يتعلق بالقمع السياسي الذي تمارسه أنقرة تحت ستار حالة الطوارئ، أو الممارسات غير الديمقراطية وغير العادلة، تماما مثلما حدث مع أردوغان نفسه عندما زج به في السجن لتلاوة قصيدة في عام 1998.
وينبغي أن ندرك أن أي نظام ينتهج هذا المسلك غير القانوني هو نظام خارج السيطرة ولن يمر الكثير من الوقت حتى يسقط في الهاوية.
ومع هذا، ودون الانشغال كثيرا بأمر النزعة الانتقامية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، نحتاج لأن نسأل أنفسنا كيف كان باستطاعة حركة غولن، أو على سبيل المثال، الماسونيين من قبلهم (كانوا لفترة طويلة متغلغلين للغاية في هيكل الدولة التركية، وهو سر يعلمه الجميع لكن لا أحد يجرؤ على ذكره) أو أي جماعة مصالح أخرى اختراق الدولة إلى هذا الحد؟
هل يكفي أن نقول ببساطة، مثلما يقول أردوغان، إن أعضاء شبكة غولن تمكنوا من خداع الحكومة؟ ماذا لو كان هذا خداعا متبادلا؟ هل يقدم "الخداع" تفسيرا كافيا لكيفية تمكن مجموعة واحدة من هدم قيم الجدارة والكفاءة في الدولة واستبدالها بالمحسوبية؟ كيف يمكن التأكد من أن هذا "الخداع" لن يتكرر مجددا؟ وكيف يمكن للدولة أن تتعافى بعد انحدارها إلى هذا الحد من التردي؟
وإذا كانت الحكومة نفسها قد وقعت ضحية لخداع هذه المجموعة، فماذا عن الآلاف الذين تتم محاكمتهم لمجرد العمل لكسب الرزق في مؤسسات الحركة؟ وماذا عن هؤلاء المتطوعين الذين قادتهم أفكارهم البريئة إلى الانخداع في طبيعة الحركة والتوهم بأنها مجرد منظمة اجتماعية دينية؟ كيف يمكن منع اختراق أجهزة الدولة من قبل كيانات سرية تغير هويتها بتغير الظروف؟
هذه هي الأسئلة التي ينتظر ضحايا حركة غولن وغيرهم في تركيا إجاباتها اليوم قبل الغد.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/gulen-movement/pending-questions-turkey-gulen-movement-and-beyond