يحيى مدرا
يناير 08 2018

تركيا.. خطوة أخرى للجمهوريين لكي يصبحوا ديمقراطيين اجتماعيين

يعد حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب المعارض الرئيسي في تركيا، أحد الكيانات المعقدة. ومن بعيد حيث أقف، يبدو لي أنه مكون بشكل أساسي من الجمهوريين الكماليين (نسبة إلى كمال الدين أتاتورك) ذوي الخلفية الديمقراطية الاجتماعية. ويطرح الحزب نفسه على أنه حزب علماني حتى النخاع، وإن كان يبذل جهودا للانفتاح على الساسة المسلمين المتدينين (من أمثال محمد بيكار أوغلو) والأكراد (مثل سيزجين تانري كولو).
ولدى حزب الشعب الجمهوري برنامج اقتصادي ذو نزعة ليبرالية يسارية للتنمية الرأسمالية التي تراعي الأبعاد البيئية والإنصاف. ويميز الحزب نفسه عن حزب العدالة والتنمية الحاكم بوعود منه بإعادة ترسيخ استقلال النظام القضائي والمؤسسات التي تدير اقتصاد البلاد، مثل البنك المركزي وهيئة الإشراف والمراقبة المصرفية.
ويعد الحزب بتطبيق سياسات تعزز التنافسية من أجل انتشال البلاد من شرك الدخل المتوسط الذي ظلت قابعة فيه في ظل النظام الذي يقوده قطاع البناء وتموله الديون.
وبينما من المفترض أن يعيد الأول ترسيخ المساءلة ويخلق بيئة أعمال أكثر قابلية للتنبؤ، يسعى الأخير إلى إعادة تشكيل الاقتصاد من خلال استحداث قطاعات تستند إلى المعرفة ودعم تلك القطاعات.
وليس هناك ما يبعث على الدهشة في هذا، فحزب الشعب الجمهوري ليس بالحزب الثوري ولا بالحزب الديمقراطي المتشدد بمبادئ الديمقراطية مثل حزب الشعوب الديمقراطي المعارض الموالي للأكراد.
ولا ينبغي أن يتوقع أحد برنامجا معارضا للرأسمالية أو لتوجهات مع بعد الرأسمالية من حزب سياسي ينتمي إلى يسار الوسط. وفي واقع الأمر إذا قرأ الناخب -- الذي يميل في المتوسط إلى يمين الوسط والمؤيد لاقتصاد السوق -- البرنامج السياسي والاقتصادي لحزب الشعب الجمهوري، فلن يجد ما يشكو منه. فالبرنامج يبدو كما لو كان قد كتب لمثل هذا القارئ، فما يطرحه بشكل أساسي أمام الرأي العام هو أنه سيحكم البلاد على نحو تترسخ فيه المساءلة وعدم الخروج عن المألوف على عكس توجهات حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان التي لا يمكن التنبؤ بها.
لكن على الرغم من القبول الذي يحظى به حزب الشعب الجمهوري بشكل عام، فإنه لا يمكنه على ما يبدو تجاوز نطاق قاعدته الانتخابية البالغة نسبتها 25 بالمئة، والتي تعادل نحو 135 من أصل 550 مقعدا. بالإضافة لذلك، تشير استطلاعات الرأي التي أجريت في الآونة الأخيرة إلى أن أحدث إضافة إلى الساحة السياسية، وهو حزب الخير بزعامة ميرال أكشينار -- الذي ينتمي إلى الوسط القومي -- جذب فيما يبدو بعض ناخبي يمين الوسط من حزب الشعب الجمهوري. وبعبارة أخرى، فإن حزب الشعب الجمهوري يخسر بعض الناخبين العلمانيين المنتمين ليمين الوسط الذين كان قد فاز بتأييدهم عام 2002 عندما انهار يمين الوسط وورث قدرا كبيرا من تركته حزب العدالة والتنمية.
في تلك الأيام الخالية، ألمح حزب العدالة والتنمية إلى أنه يخفف خطابه الإسلامي وقدم نفسه على أنه حزب "ديمقراطي محافظ". أما اليوم، يقدم الحزب نفسه على أنه حصن الأغلبية القومية التركية السنية الذي تنظلق منه "حرب استقلال" ضد قوى الإمبريالية.
وخلاصة القول، إن جناح اليمين في الطيف السياسي متشرذم بدرجة كبيرة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الخير وما تبقى من حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهجلي. والأهم من ذلك أن الشيء الوحيد الذي تقدمه تلك الأحزاب لهذه النسبة من السكان، التي تبلغ نحو 70 بالمئة، هو أشكال مختلفة لفكرة واحدة هي القومية.
من ثم فإن حزب الشعب الجمهوري أمام خيارات. فهو إما أن يحاول التنافس مع من يبيعون القومية في لعبتهم، أو أن ينسلخ من بؤرة توافق "يني كابي" التي تحافظ على مشروعية حالة الطوارئ من خلال إقصاء حزب الشعوب الديمقراطي من المجال السياسي.
وعندما يكون هناك بالفعل عدد وافر من الخيارات الأصيلة (أردوغان وبهجلي وأكشينار)، لا توجد أمام حزب الشعب الجمهوري فرصة كبيرة لإحداث أي شطط في الديموجرافية القومية إذ إن نزعته القومية عقيمة ولا تجتذب الجماهير لتحقيق الارتباط الوجداني اللازم به.
وفضلا عن ذلك، فإن حزب الشعب الجمهوري في أدائه غير المقنع للخطاب القومي العقيم يدق إسفينا بينه وبين الناخبين الأكراد الديمقراطيين. كما أنه في سعيه الحثيث من أجل أن يميز نفسه عن السرب المغرد بالقومية لا يحقق غاية الظهور كعنوان مقبول للمسلمين المتدينيين الذين يؤثرون السلم على الحرب والديمقراطية على حكم الفرد. ولهذا السبب، فإن التنافس مع القوميين يمثل نهاية عنوانها الموت لحزب الشعب الجمهوري.
ومن الممكن طرح خطاب مشابه بشأن حزب الصالح بزعامة أكشينر. فبقدر ما يستثمر أعضاء الحزب في القومية، بقدر ما يكون وصول الحزب للقاعدة الجماهيرية محدودا.
وهذا الموقف متناقض، فالقومية هي من ناحية – تاريخيا، وبخاصة في ظل روح "يني كابي" -- الفكرة المتكررة لدى جميع الأحزاب السياسية الرئيسية (باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي). بيد أنه نظرا لأن كل شكل من أشكال القومية تحدده مسبقا اختلافات اجتماعية أخرى (العلمانية مقابل التدين، والسنية مقابل العلوية، والقروي مقابل الحضري، والطبقة العاملة مقابل الطبقة المتوسطة)، لا يمكن لأي من المتنافسين تحقيق الهيمنة الكاملة على الطيف القومي.
فأردوغان لا يمكنه بسط شعبيته إلى القوميين العلويين والعلمانيين. كما أنه بالنظر إلى نتائج الاستفتاء على التعديل الدستوري في 16 أبريل عام 2017، فشل فيما يبدو في إقناع القوميين المنتمين للطبقة المتوسطة والحضر. ويبدو أن أكشينر تكتسب جاذبية، وبخاصة في القطاعات القومية المرتبطة بالحضر والطبقة المتوسطة والوسط.
لكن حزب الخير لا يمكنه الوصول إلى الناخبين الأكراد بالقدر الذي لا يمكنه الوصول إلى نقطة أبعد من المنطقة الفاصلة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وتحقيق ما نجح في تحقيقه حزب الوطن الأم  في ثمانينات القرن الماضي وحزب العدالة والتنمية في العقد الأول من هذه الألفية، وهو تشكيل ائتلاف شعبي من يمين الوسط يضم قوميين أتراك ومحافظين أكراد وليبراليين.
يقول إرجين يلدز أوغلو، وهو أحد كتاب صحيفة جمهوريت اليومية، إن حزب الشعب الجمهوري يجب أن يكف عن محاولة توجيه خطابه إلى القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية ومحاولة لم شمل قطاعات مختلفة من المعارضة الاجتماعية في كيان سياسي متماسك وبناء قدرة تلك القطاعات على العمل مع بعضها البعض على نحو متناغم ومنسق.
وعلى الرغم من أن يلدز أوغلو لم يذكر الفرصة الوحيدة التي أمام حزب الشعب الجمهوري للمضي قدما، فإن جميعنا يعلم أن تلك الفرصة هي أن يخلع عنه رداء قومية "يني كابي" وأن يسير مع حزب الشعوب الديمقراطي باسم السلام والعدالة والديمقراطية للجميع.
ومن أجل تحقيق ذلك، ليس على حزب الشعب الجمهوري أن يتفق مع حزب الشعوب الديمقراطي. فمن الممكن أن يختلف حزب الشعب الجمهوري مع حزب الشعوب الديمقراطي في قضية طرح الكردية كلغة أخرى للتدريس في منظومة التعليم. وعند هذه النقطة، لا يمكن لحزب الشعب الجمهوري أن يعترف علنا وصراحة بحزب الشعوب الديمقراطي ككيان سياسي شرعي. وهذا هو الحد الأدنى من المطالب لكي يصبح حزب الشعب الجمهوري قادرا على البدء في المضي قدما مع حزب الشعوب الديمقراطي.
ولنكون صادقين، فإنه في ظل وجود عشرة من نوابه بالبرلمان والآلاف من أعضائه العاديين في السجن، فإن الدفاع عن حق حزب الشعوب الديمقراطي في المطالبة بحقوقه الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية هو في حد ذاته عمل سياسي ديمقراطي سيحدث تغييرا جذريا في المجال السياسي، بما في ذلك الآفاق المستقبلية لحزب الشعب الجمهوري.
وبعبارة أخرى، فإن حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي لا يجب أن يندمجا في جبهة واحدة، لكن عليهما أن يكونا قادرين على التحدث إلى بعضهما البعض وأن يجعلا هذا الحوار علنيا. وبهذا الشكل فقط يمكن للمعارضة الاجتماعية أن تشرع في إعادة بناء مجال جديد للشرعية كبديل لقومية "يني كابي" التي ما زالت توفر الدعم لحالة الطوارئ الخارجة عن السيطرة.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/chp/one-more-push-republicans-if-you-want-be-social-democrats